خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
١٦
فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٧
أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ
١٨
أَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْمَأْوَىٰ نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٩
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
٢٠
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٢١
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ
٢٢
-السجدة

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ...} الآية، تَجافَى الجنبُ عن موضِعِه إذا تَرَكه قال الزجاج وغيره: التَّجافِي التَّنَحِّي إلى فوق.

قال * ع *: وهذا قول حسن، والجنوبُ جَمْعُ جَنْبٍ، والمضاجِعُ مَوْضِع الاضْطجَاع للنوم.

* ت *: وقال الهرَوِيُّ: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} أي: ترتفعُ وتَتَباعَدُ والجَفاء بَيْن النَّاسِ هُو التَّبَاعُدُ، انتهى. وَرَوَى البُخَاري بسنَدِهِ عن أبي هريرة أن عَبدَ اللّه بن رَوَاحَةَ رَضِيَ اللّه عنه قَالَ: [الطويل]

وَفِينَا رَسُولُ اللّهِ يَتلُو كِتَابَهإذَا ٱنْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الهُدَىٰ بَعْدَ الْعَمَىٰ فَقُلُوبُنَابِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِإذَا ٱسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ المَضَاجِعُ

انتهى. وجمهور المفسرين: على أن المرادَ بهذا التجافي صلاةُ النوافلِ بالليلِ.

قال * ع *: وعلى هذا التأويل أكثَرُ الناسِ، وهو الذي فيه المدحُ وفيه أحاديثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم يَذكر عليه السلام قِيامَ الليل؛ ثم يستشهدُ بالآية؛ ففي حديثِ معاذٍ "أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَىٰ أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم قَرَأ {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ}، حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ}" رَواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح؛ ورَجَّحَ الزَّجَاجُ ما قاله الجمهور بأنهم: جُوزُوا بإخفاءٍ، فَدَلَّ ذلك على أن العَمَلَ إخْفَاءٌ أيضاً، وهو قيامُ الليل {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً} أي: من عذابه {وَطَمَعاً}، أي: في ثوابه.

قال * ص *: {تَتَجَافَىٰ} أَعربه أبو البقاء: حالاً، و {يَدْعُونَ}: حالٌ أو مُسْتَأنَفٌ و{خَوْفاً وطَمَعاً}: مَفْعُولاَن من أجله أو مصدران في موضع الحال؛ انتهى. وفي الترمذي عن معاذ بن جَبَلٍ قال: قلتُ: يَار رَسُولَ اللّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَىٰ مَنْ يَسَّرَهُ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ؛ تَعْبُدُ اللّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رمضَانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، ثمَّ قَالَ: أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَىٰ أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جِنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِىءُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثم تَلاَ: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ} حَتَّى بَلَغَ {يَعْمَلُونَ}. ثم قال: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْر وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَىٰ، يَا رَسُولَ اللّهِ. قال: رَأْسُ الأَمْرِ الإسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَىٰ يَا رَسُولَ اللّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَإنَّا لَمُؤَاخِذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ٰ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبَّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!" قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى.

وقرأ حمزةُ وحده: «أُخْفِيْ» ـــ بسكون الياء كأنه قال: أُخْفِيْ أَنَا. وقرأ الجمهور «أُخْفِيَ» ـــ بفتح الياء ـــ، وفي معنى هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: "قال اللّه - عز وجل -: أعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْراً بَلْهَ مَا ٱطَّلَعْتُمْ عَلَيْهِ، وَٱقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ...} الآية" انتهى.

قال القرطبيُّ في «تذكرته»: «وبَلْهَ» معناه: غَيْر، وقيل: هو اسم فِعْلٍ بمعنى دَعْ، وهذا الحديث خَرَّجَه البخاري، وغيره.

* ت *: وفي رواية للبخاري قال أبو هريرة: وَٱقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ...} الآية. انتهى.

وقال ابن مسعودٍ: في التوراة مكتوبٌ «عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَىٰ قَلْبِ بَشَرٍ»، وباقي الآية بَيِّن؛ والضمير في قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ} لكفار قريش، ولا خلافَ أن العذابَ الأكبرَ هو عذابُ الآخرةِ، واخْتُلِفَ في تَعْيين العذاب الأَدْنَى؛ فقيل هو السنون التي أجاعَهم اللّه فيها، وقيل هو مصائبُ الدنيا من الأمراض؛ ونحوها، وقيل هو القَتْل بالسَّيْف كَبَدْرِ وغيرها.

وقوله سبحانه: {إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} ظاهر الإجرام هنا أنه الكفر، وروى معاذ بن جبل عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: أنه قال: "ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ، فَقَدْ أَجْرَمَ: مَنْ عَقَدَ لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَمَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، وَمَنْ نَصَرَ ظَالِماً" .