خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
٢٦
فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٢٧
-فصلت

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ...} الآية: الآية حكاية لما فعله بعض كفار قريش، كأبي جَهْلٍ وغيره، لما خافوا استمالَةَ القُلُوبِ بالقُرْآنِ، قالوا: متَىٰ قرأَ محمد فٱلْغطوا بالصَّفِيرِ والصِّيَاحِ وإنشادِ الشِّعْرِ؛ حتى يَخْفَىٰ صَوْتُهُ، فهذا الفعلُ منهم هو اللغو، وقال أبو العالية: أرادوا: قَعُوا فيه وعَيِّبوه، وقولهم: {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} أي: تطمسون أمر محمد، وتُمِيتُون ذكره، وتَصْرِفُون عنه القلوبَ، فهذه الغاية التي تمنوها، ويأبى اللَّه إلاَّ أنْ يتم نوره ولو كره الكافرون.

وقوله تعالى: {فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً...} الآية، قوله: {فَلَنُذِيقَنَّ}: الفاء دخلَتْ على لام القسم، وهي آيةُ وعيدٍ لقريشٍ، والعذابُ الشديدُ: هو عذابُ الدنيا في بَدْرٍ وغيرها، والجزاء بأسوإ أعمالهم هو عذابُ الآخرة.

* ت *: حَدَّثَ أبو عُمَرَ في «كتاب التمهيد» قال: حدَّثنا أحمد بن قَاسِمٍ، قال: حدَّثنا محمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بْنُ موسَى بْنِ جَمِيلٍ، قال: حدَّثنا عبد اللَّه بن محمَّد بن أبي الدنيا، قال: حدثنا العَتَكِيُّ. قال: حدثنا خالد أبو يزيد الرَّقِّيُّ عن يحيى المَدَنِيِّ، عن سالِم بْنِ عبد اللَّه عن أبيه قال: خرجْتُ مرةً، فمررْتُ بِقَبْرٍ مِنْ قُبُورِ الجاهِلِيَّةِ، فإذا رجلٌ قد خرج من القَبْرِ، يَتَأَجَّجُ ناراً، في عُنُقِهِ سلسلةٌ، ومعي إدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَلَمَّا رآني قال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، ٱسْقِنِي، قال: فَقُلْتُ: عَرِّفْنِي، فَدَعَانِي بِٱسْمِي، أو كلمة تقولها العَرَبُ: يِا عَبْدِ اللَّهِ، إذْ خَرَجَ عَلَىٰ أَثَرِهِ رَجُلٌ من القَبْرِ، فقال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَسْقِهِ، فَإنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ أَخَذَ السِّلْسِلَةَ فَٱجْتَذَبَهُ، فَأَدْخَلَهُ القَبْرَ، قال: ثم أَضَافَنِي اللَّيْلَ إلَىٰ بَيْتِ عَجُوزٍ، إلَىٰ جَانِبِهَا قَبْرٌ، فسمعْتُ مِنَ القَبْرِ صَوْتاً يَقُولُ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، شَنٌّ وَمَا شَنٌّ، فقلتُ للعَجُوزِ: ما هٰذَا؟ قالَتْ: كَانَ زَوْجاً لِي، وكان إذَا بَالَ لَمْ يَتَّقِ البَوْلَ، وكُنْتُ أَقُولُ لَهُ: وَيْحَك! إنَّ الجَمَلَ إذَا بَالَ تَفَاجّ، وكان يَأْبَىٰ، فهو يُنَادِي من يَوْم مَاتَ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، قلتُ: فما الشَّنُّ؟ قالت: جاء رجلٌ عطشانُ فقال: ٱسْقِنِيٰ فقال: دُونَكَ الشَّنَّ، فإذا لَيْسَ فيه شَيْءٌ؛ فخَرَّ الرَّجُلُ مَيِّتاً، فهُو ينادي مُنْذُ ماتَ: شَنٌّ وَمَا شنٌّ، فلما قَدِمْتُ علَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أخبرتُهُ، فنهَىٰ: أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ. قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده مجهولُونَ، ولم نُورِدْهُ لِلاحتجاجِ به؛ ولكنْ لِلاعتبار، وما لم يكنْ حكم، فقد تسامح الناسُ في روايته عن الضعفاء، انتهى من ترجمة عبد الرحمن بن حَرْمَلَةَ، وكلامه على قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ، فَإذَا كَانُوا ثَلاَثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ" وقد ذكرنا الحكاية الأولى عن الوَائِليِّ في سورة {ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} بغير هذا السند، وأَنَّ الرجُلَ الأَوَّلَ هو أبو جَهْلٍ، انتهى، ثم ذكر تعالَىٰ مقالة كُفَّارِ يومِ القيامة إذا دَخَلُوا النار؛ فإنَّهم يَرَوْنَ عظيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوء مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أَفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم ومبادي ضلالتهم، فيعظم غيظهم وَحَنَقُهُمْ عليه، وَيَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشدِّ عذابٍ، فحينئذٍ يقولُونَ: {رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا} وظاهر اللفظ يقتضِي أَنَّ الذي في قولهم: {ٱللَّذَيْنِ} إنما هو لِلْجِنْسِ، أي: أَرنا كلَّ مُغْوٍ من الجنِّ والإنْسِ، وهذا قول جماعة من المفسرين.

وقيل: طلبوا ولد آدم الذي سَنَّ القَتْلَ والمعصية من البَشَرِ، وإبليسَ الأبالسة من الجِنِّ، وهذا قولٌ لا يخفَىٰ ضعفه، والأَوَّلُ هو القويُّ، وقولهم: {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} يريدون في أسفل طبقة في النار؛ وهي أشدُّ عذاباً.