خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ
٢٣
أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
٢٤
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٢٥
وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
٢٦
-الشورى

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {ذَلِكَ ٱلَّذِى يُبَشّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ} إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى: { وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } [الأحزاب:47].

وقوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} اختلف الناسُ في معناه فقال ابن عباس وغيره: هي آية مَكِّيَّةٌ نزلت في صدر الإسلام، ومعناها: استكفاف شَرِّ الكفار ودفع أذاهم، أي: ما أسألكم على القرآن إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابةٍ بيني وبينكم؛ فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم، قال ابن عباس، وابن إسحاق، وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلاَّ وللنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فيه نسب أو صِهْرٌ، فالآية على هذا فيها استعطافٌ مَّا، ودفع أذًى، وطلبُ سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل هذا التأويل أنْ يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي: لا أسألكم غرامة ولا شيئاً إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابتي منكم، وأنْ تكونوا أولى بي من غيركم، قال * ع *: وقُرَيْشٌ كُلُّها عندي قُرْبَىٰ، وإنْ كانت تتفاضل، وقد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: "مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيداً، ومَنْ مَاتَ عَلَىٰ بُغْضِهِم، لَمْ يَشمَّ رَائِحَةَ الجَنَّةِ" ، وقال ابن عَبَّاس أيضاً: ما يقتضي أَنَّ الآية مَدَنِيَّةٌ، وأَنَّ الأنصار جَمَعَتْ لرسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم مالاً وساقَتْهُ إليه، فَرَدَّهُ عليهم، وَنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، وقيلَ غَيْرُ هٰذَا، وعلَىٰ كُلِّ قولٍ، فٱلاِستثناءُ مُنْقَطِعٌ، و{إِلاَّ} بمعنى «لَكِنْ» و{يَقْتَرِفْ} معناه: يَكْتَسِب، ورَجُلٌ قُرَفَةٌ إذا كان محتالاً كسوباً و{غَفُورٌ} معناه: ساترٌ عُيُوبَ عباده، و{شَكُورٍ} معناه: مُجِازٍ على الدقيقة من الخير، لا يضيع عنده لعاملٍ عَمَلٌ.

وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} «أم» هذه مقطوعةٌ مضمنة إضراباً عن كلام متقدِّم، وتقريراً على هذه المقالة منهم.

وقوله تعالى: {فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ} معناه؛ في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك القرآن، والمراد الرَّدُّ على مقالة الكُفَّار، وبيانُ إبْطَالِهَا، كأَنَّهُ يقُولُ: وكيف يَصِحُّ أنْ تكون مفترياً، وأنت من اللَّه بمرأًى ومَسْمَعٍ؟ هو قَادِرٌ لو شاء أَنْ يختم على قلبك؛ فلا تَعْقِلُ، ولا تنطق، ولا يستمرُّ افتراؤك؛ فمقصد اللفظ: هذا المعنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عليه الظاهر؛ اختصاراً واقتصاراً، وقال مجاهد: المعنى: فإن يشإ اللَّه يختمْ على قلبك بالصبر لأذى الكفار، ويربطْ عليك بالجَلَدِ، فهذا تأويل لا يتضمَّن الردَّ على مقالتهم؛ قال أبو حَيَّان: وذكر القُشَيْرِيُّ أنَّ الخطاب للكفار، أي: يختم على قلبك أَيُّهَا القائلُ؛ فيكون انتقالاً من الغيبة للخطاب، {وَيَمْحُ}: استئنافُ إخبارٍ؛ لا داخل في الجواب، وتسقط الواو من اللفظ؛ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف؛ حملاً على اللفظ، انتهى.

وقوله تعالى: {وَيَمْحُ} فعل مستقبل، خبر من اللَّه تعالى أَنَّهُ يمحو الباطل، ولا بُدَّ إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة، وهذا بحسب نازلة نازلة، وكتب {يَمْحُ} في المصحف بحاء مرسلة، كما كتبوا: { وَيَدْعُ ٱلإِنْسَـٰنُ } [الإسراء:11] إلى غير ذلك مِمَّا ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار.

وقوله: {بِكَلِمَـٰتِهِ} معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء، فالكلمات: المعاني القائمة القديمة التي لا تبديلَ لها، ثم ذلك تعالى النعمة في تَفَضُّلِهِ بقبول التوبة من عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمانه وأعماله ـــ مقطوعٌ به بهذه الآية ـــ، وأمَّا ما سلف من أعماله فينقسم، فأمَّا التوبة من الكفر فَمَاحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمَها من مظالم العباد الفائتة وغير ذلك، وأمَّا التوبة من المعاصي فلأهل السُّنَّةِ فيها قولان: هل تُذْهِبَ المعاصيَ السالفةَ للعبد بينه وبين خالقه؟ فقالت فرقة: هي مُذْهِبَةٌ لها، وقالت فرقة: هي في مشيئة اللَّه تعالى، وأجمعوا أَنَّها لا تُذْهِبُ مظالم العباد، وحقيقةُ التوبة: الإقلاعُ عن المعاصِي، والإقبالُ، والرجوعُ إلى الطاعات، ويلزمها النَّدَمُ عَلَىٰ ما فَاتَ؛ والعَزْمُ على ملازمة الخَيْرَات.

وقال سَرِيٌّ السِّقَطِيُّ: التوبة: العَزْمُ على ترك الذنوب؛ والإقبالُ بالقَلْبِ على عَلاَّم الغيوب، وقال يحيى بن مُعَاذٍ: التائبُ: مَنْ كَسَرَ شَبَابَهُ علَىٰ رأسه، وكَسَرَ الدنيا على رأسِ الشيطان، [ولزم الفِطام] حتى أتاه الحِمَام.

وقوله تعالى: {عَنْ عِبَادِهِ} بمعنى مِنْ عباده، وكأنه قال: التوبة الصادرة عن عباده، وقرأ الجمهور: «يَفْعَلُونَ» بالياء على الغَيْبَة، وقرأ حمزة والكسائيُّ: «تَفْعَلُونَ» بالتاء على المخاطبة، وفي الآية توعُّد.

وقوله تعالى: «ويستجيب» قال الزَّجَّاجُ وغيره: معناه: يجيبُ، والعَرَبُ تَقُولُ: أجاب وٱسْتَجَابَ بمعنًى، و{ٱلَّذِينَ} على هذا التأويل: مفعول «يستجيب»، وروي هذا المعنى عن معاذِ بن جَبَلٍ، ونحوه عن ابن عباس، وقالت فرقة: المعنى: ويستدعي الذين آمنوا الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحات، ودَلَّ قوله: {وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ} على أنَّ المعنى: فيجيبهم، و{ٱلَّذِينَ} على هذا القول فَاعِلُ {يَسْتَجِيبُ}،، وقالتْ فرقة: المعنى: ويجيبُ المؤمنونَ رَبَّهم، فـ{ٱلَّذِينَ} فاعلٌ بمعنى: يجيبُونَ دَعْوَةَ شَرْعِهِ ورسالتِهِ، والزيادة من فضله هي تضعيفُ الحسنات، ورُوِيَ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "هِيَ قَبُولُ الشَّفَاعَاتِ في المُذْنِبِينَ، والرِّضْوَانُ " .