خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
٢٥
وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ
٢٦
وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ
٢٧
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ
٢٨
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ
٢٩
وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ
٣٠
مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ
٣١
وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ
٣٢
وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ
٣٣
إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ
٣٤
إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
٣٥
فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٣٦
-الدخان

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله تعالى: {كَمْ تَرَكُواْ} «كم» للتكثير، أي: كَمْ تَرَكَ هؤلاءِ المُغْتَرُّونَ من كثرة الجنَّات والعيونِ، فَرُوِيَ أَنَّ الجناتِ كَانَتْ مُتَّصِلَةً ضِفَّتَيِ النيلِ جميعاً من رشيد إلى أُسْوَانَ، وأَمَّا العيونُ فيحتملُ أَنَّه أراد الخُلْجَانَ، فشبهها بالعيون، ويحتمل أَنَّها كانت ونَضِبَتْ، ذكر الطُّرْطُوشِيُّ في «سِرَاجِ الملوك» له، قال: قال أبو عبد اللَّه بن حَمْدُونَ: كنت مع المُتَوَكِّلِ لما خرج إلى دمشقَ، فركِبَ يوماً إلَىٰ رُصَافَةِ هشام بن عبد الملك، فنظر إلى قُصُورِها، ثم خرج، فنظر إلى دَيْرٍ هناك قديمٍ حَسَنِ البناءِ بين مزارعَ وأشجارٍ، فدخله، فبينما هو يطوفُ به إذ بَصُرَ برُقْعَةٍ قد أُلْصِقَتْ في صدره؛ فأمر بقلعها، فإذا فيها مكتوبٌ هذه الأبياتُ: [الطويل]

أَيَا مَنْزِلاً بالدَّيْرِ أَصْبَحَ خَالِياًتَلاَعَبُ فِيهِ شَمْأَلٌ وَدَبُورُ
كَأَنَّكَ لَمْ يَسْكُنْكَ بِيضٌ أَوانِسٌوَلَمْ تَتَبَخْتَرْ في قِبَابِكَ حُورُ
وَأَبْنَاءُ أَمْلاَكٍ غَوَاشِمُ سَادَةٌصَغِيرُهُمُو عِنْدَ الأَنَامِ كَبِيرُ
إذَا لَبِسُوا أَدْرَاعَهُمْ فَعَوَابِسوَإنْ لَبِسُوا تِيجَانَهُمْ فَبُدُورُ
عَلَىٰ أَنَّهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ ضَرَاغِمٌوَأَنَّهُمُو يَوْمَ النَّوَالِ بُحُورُ
لَيَالِي هِشَامٌ بالرُّصَافَةِ قَاطِنٌوَفِيكَ ٱبْنُهُ يَا دَيْرُ وَهْوَ أَمِيرُ
إذِ الْعَيْشُ غَضٌّ وَالخِلاَفَةُ لَذَّةٌوَأَنْتَ طَرُوبٌ وَالزَّمَانُ غَرِيرُ
وَرَوْضُكَ مُرْتَادٌ وَنَوْرُكَ مُزْهِرٌوَعَيْشُ بَنِي مَرْوَانَ فِيكَ نَضِيرُ
بَلَىٰ فَسَقَاكَ الْغَيْثُ صَوْبَ سَحَائِبعَلَيْكَ لَهَا بَعْدَ الرَّوَاحِ بُكُورُ
تَذَكَّرْتُ قَوْمِي فِيكُمَا فَبَكَيْتُهُمْبِشَجْوٍ وَمِثْلِي بِالْبُكَاءِ جَدِيرُ
فَعَزَّيْتُ نَفْسِي وَهْيَ نَفْسٌ إذَا جَرَىٰ لَهَا ذِكْرُ قَوْمِي ـــ أَنَّةٌ وَزَفِيرُ
لَعَلَّ زَمَاناً جَارَ يَوْماً عَلَيْهِمُولَهُمْ بِالَّذِي تَهْوَى النُّفُوسُ ـــ يَدُورُ
فَيَفْرَحَ مَحْزُونٌ وَيَنْعَمَ بَائِسٌوَيُطْلَقَ مِنْ ضِيقِ الوَثَاقِ أَسِيرُ
رُوَيْدَكَ إنَّ الدَّهْرَ يَتْبَعُهُ غَدٌوَإنَّ صُرُوفَ الدَّائِرَاتِ تَدُورُ

فلما قرأها المتوكِّل، ٱرتاع، ثم دعا صاحب الدَّيْرِ، فسأله عَمَّن كتبها، فقال: لا عِلْمَ لي به، وانصرف، انتهى، وفي هذا وشبهه عِبْرَة لأولِي البصائر المستَيْقِظِينَ،، اللهم، لا تجعلْنَا مِمَّنْ ٱغْتَرَّ بزَخَارِفِ هذه الدارِ!!.

[من الطويل]

أَلاَ إنَّما الدُّنْيَا كَأَحْلاَمِ نَائِموَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لاَ يَكُونُ بِدَائِمِ

وقرأ جمهور الناس: «ومَقَامٍ» ـــ بفتح الميم ـــ؛ قال ابن عباس وغيره: أراد المنابر.

وعلى قراءة ضم الميم قال قتادة: أراد: المواضِعَ الحِسَانَ من المساكِنِ وغيرِهَا، والقولُ بالمنابرِ بعيدٌ جدًّا، و«النَّعْمَةُ» ـــ بفتح النون ـــ: غَضَارَةُ العيشِ ولَذَاذَةُ الحياة، «والنِّعْمَةُ» ـــ بكسر النون ـــ: أَعَمُّ من هذا كُلُّه، وقد تكون الأمراضُ والمصائبُ نِعَماً، ولا يقال فيها: «نَعْمَةٌ»ـــ بالفتح ـــ، وقرأ الجمهور: «فاكهين» ومعناه: فَرِحينَ مسرورين {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ} أي: بعد القِبْطِ، وقال قتادة: هم بنو إسرائيل، وفيه ضعف، وقد ذكر الثعلبيُّ عن الحَسَنِ؛ أَنَّ بني إسرائيل رَجَعُوا إلَىٰ مِصْرَ بعد هلاك فِرْعَوْنَ، واختلف المتأوِّلُون في معنى قوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ}، فقال ابن عباس وغيره: وذلك أَنَّ الرجُلَ المؤمنَ إذا مَاتَ، بَكَىٰ عليه من الأرض موضِعُ عباداتِهِ أربعين صَبَاحاً، وبَكَىٰ عليه من السماءِ مَوْضِعُ صُعُودِ عمله، قالوا: ولم يكن في قوم فرعونَ مَنْ هذه حَالُهُ، فَتَبْكِي عليهمُ السماءُ والأَرْضُ، قال * ع *: والمعنى الجَيِّدُ في الآية: أَنَّها استعارةٌ فصيحةٌ تَتَضمَّن تحقير أمرهم، وأَنَّه لم يتغير لأجل هلاكهم شيء، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ" ، وفي الحديثِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: "مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ، إلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ والأَرْضُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآية، وَقَالَ: إنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَىٰ كَافِرٍ" قال الداووديُّ. وعن مجاهد: ما مات مؤمنٌ إلاَّ بكَتْ عليه السماءُ والأرضُ، وقال: أفي هذا عجبٌ؟! وما للأرضِ لا تَبْكِي عَلَىٰ عبدٍ كانَ يَعْمُرُها بالرُّكُوعِ والسجودِ، وما للسماء لا تَبْكِي علَىٰ عبدٍ كان لتسبيحِهِ وتكبيرِهِ فيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟! انتهى.

وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا الأوْزاعيُّ قال: حدَّثني عطاءٌ الخُرَاسَانِيُّ، قال: مَا مِنْ عَبْدٍ يسجد للَّهِ سَجْدَةً في بُقْعَةٍ من بِقَاعِ الأرضِ، إلاَّ شَهِدَتْ له يَوْمَ القيامةِ، وبَكَتْ عليه يَوْمَ يَمُوتُ، انتهى، وروى ابن المبارك أَيْضاً عن أبي عُبَيْدٍ صاحبِ سليمانَ «أَنَّ العبد المؤمن إذا مات تنادَتْ بِقَاعُ الأرضِ: عَبْدُ اللَّهِ المُؤْمِنُ مَاتَ قَالَ: فَتَبْكِي عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، فيقولُ الرحْمٰنُ تبارَكَ وَتعالَىٰ: مَا يُبْكِيكُمَا عَلَىٰ عَبْدِي؟ فَيَقُولاَنِ: يَا رَبَّنَا، لَمْ يَمْشِ عَلَىٰ نَاحِيَةٍ مِنَّا قَطُّ إلاَّ وَهُوَ يَذْكُرُكَ» اهـــ.

و{مُنظَرِينَ} أي: مُؤَخَّرِينَ {ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}: هو ذبح الأبناءِ، والتَّسْخِيرُ، وغيْرُ ذلك.

وقوله: {عَلَىٰ عِلْمٍ} أي: على شَيْءٍ قد سَبَقَ عندنا فِيهِمْ، وثَبَتَ في علمنا أَنَّه سَيَنْفُذُ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: على علمٍ لهم وفضائلَ فيهم على العالمين، أي: عَالِمِي زمانهم؛ بدليل أَنَّ أُمَّةَ محمد خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للناس {وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلأَيَـٰتِ}: لفظ جامع لما أجرى اللَّه من الآيات على يدي موسى، ولما أنعم به على بني إسرائيل، والبلاء في هذا الموضع: الاختبارُ والاِمتحانُ؛ كما قال تعالى: { وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } [الأنبياء:35]، و{مُبِينٌ} بمعنى: بَيِّنٌ ثم ذَكَرَ تعالَىٰ قريشاً على جهة الإنكار لقولهم وإنكارهم للبَعْثِ، فقال: {إِنَّ هَـؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِىَ } أي: ما هي {إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي: بمبعوثين، وقولُ قُرَيْشٍ: {فَأْتُواْ بِـئَابَائِنَا} مُخَاطَبَةٌ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم طلبوا منه أَنْ يُحْيَي اللَّهُ لَهُمْ بَعْضَ آبائِهِمْ، وَسَمَّوْا له قُصَيًّا وغيره، كي يسألوهم عَمَّا رأَوْا في آخرَتهم.