خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٦١
وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ
٦٢
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٦٣
-الأنفال

الجواهر الحسان في تفسير القرآن

وقوله سبحانه: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا} جَنَحَ الرَّجُلُ إِلى الأمْرِ؛ إِذا مال إِليه، وعاد الضميرُ في «لها» مؤنَّثاً؛ إِذ «السَّلْم» بمعنى ٱلمسَالَمَة والهُدْنَة، وذهب جماعةٌ من المفسِّرين إِلى أَن هذه الآية منسوخةٌ، والضمير في «جَنَحُوا» هو للذين نُبِذَ إِليهم على سواءٍ.

وقوله سبحانه: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ...} الآية: الضمير في قوله: «وإِن يريدوا» عائدٌ على الكفَّار الذين قال فيهم: {وَإِن جَنَحُواْ }، أي: {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ}، بأنْ يُظْهِروا السَّلْم، ويُبْطِنُوا الغَدْر والخيانة، {فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ}، أي: كافيك ومعطيك نَصْرَه، و{أَيَّدَكَ}: معناه: قوَّاك {وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ }، يريد الأنصارَ، بذلك تظاهَرَتْ أقوالُ المفسَّرين.

وقوله: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ...} الآية: إشارةٌ إِلى العدواة التي كانَتْ بين الأوْسِ والخَزْرَجِ.

قال * ع *: ولو ذَهَبَ ذاهبٌ إِلى عمومِ المؤمنين في المهاجرين والأنصارِ، وجعل التأليف ما كَانَ بيْنَ جميعهم من التحابِّ، لساغ ذلك، وقال ابنُ مَسْعُود: نزلَتْ هذه الآية في المتحابِّين في اللَّه.

وقال مجاهد: إِذا تَرَاءَى المتحابَّانِ في اللَّه، وتصَافَحَا، تَحَاتَّتْ خطاياهما، فقال له عَبْدَةُ بنُ أبي لُبَابَةَ: إِن هذا لَيَسِيرٌ، فقال له: لا تَقُلْ ذلك، فإِن اللَّه تعالَى يَقُولُ: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}، قال عَبْدَةُ: فعرفْتُ أنه أفْقَهُ مني.

قال * ع *: وهذا كلُّه تمثيلٌ حَسَنٌ بالآية، لا أنَّ الآية نزلَتْ في ذلك، وقد رَوَى سهْلُ بن سعد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: "المؤمن مَألَفَةٌ لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤلَفُ" .

قال * ع *: والتشابه سَبَبُ الأُلْفَة، فمَنْ كان من أهْل الخَيْر، أَلِفَ أشباهَهُ وأَلِفُوهُ.

* ت *: وفي «صحيح البخاريِّ»: "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تَعَارَفَ مِنْهَا ٱئْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا ٱخْتَلَفَ" . انتهى، وروى مالكٌ في «الموطإ»، عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ المُتَحَابُّونَ لَجَلاَلي؟ اليَوْمَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي"

قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد»: ورُوينا عن ابنِ مسعود، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنه قال: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي، أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: الوِلاَيَةُ في اللَّهِ: الحُبُّ والبُغْضُ فِيهِ" ، ورواه البراءُ بنُ عَازِبٍ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أيضاً، وعن عبد اللَّهِ في قوله تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ }، قال: نزلَتْ في المتحابِّين في اللَّه قال أبو عمر: وأما قوله: الَيْومَ أُظلُّهُمْ فِي ظِلِّي، فإِنه أراد - واللَّه أعلم في ظلِّ عرشه، وقد يكونُ الظِّلُّ كنايةً عن الرحْمةِ؛ كما قال: { { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلَـٰلٍ وَعُيُونٍ } } [المرسلات:41]، يعني: بذلك مَا هُمْ فيه مِنَ الرحمة والنعيم. انتهى.