خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ
١٠
وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
١١
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ
١٢
لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ
١٣
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ
١٤
لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ
١٥
-الحجر

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رُسُلاً {مِن قَبْلِكَ} فـ{مِن قَبْلِكَ} يجوز أن يتعلق بـ"أرْسَلْنَا"، وأن يتعلق بمحذوف على أنه نعتٌ للمعفو ل المحذوف.
و{فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ}، قال الفراء: هو من إضافة الموصوف لصفته، والأصل: في الشِّيعِ الأوَّلين؛ كصَلاةِ الأولى، وجَانبِ الغربي وحقِّ اليَقينِ، وجين القيمة.
والبصريون: يؤولونه على حذف [الموصوف]، أي: في شيعِ الأممِ الأولين، وجانب المكان الغربي، وصلاةِ السَّاعةِ الأولى.
والشِّيعُ: قال الفراء: الشيَّاعُ واحدهم: شِيعَة، وشِيعَةُ الرجُلِ: أتْباعهُ، والشِّيعَةُ: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن بعضهم يُشَايعُ بعضاً، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى:
{ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً } [الأنعام:65].
قوله: {وَمَا يَأْتِيهِم} قال الزمخشري: "حكاية حال ماضية؛ لأنَّ "مَا" لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال".
وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى:
{ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ } [يونس:15]، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: [الطويل]

3266ـ لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَا ولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا

وقال أبُو ذؤيب: [الكامل]

3267ـ أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً عِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ

قوله: "إلا كانوا" هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول "تَأتيهم"، ويجوز أن تكون صفة لـ"رسُولٍ" فيكون في محلِّها وجهان: الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ.
فصل في معنى الآية
المعنى: أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسول ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ الاستهزاءُ بهم؛ كما فعلًُوا بك؛ ذكره تسليةً للنبي ـ صلى الله عليه وسلم.
واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع.
وإمَّا لكونِ الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة.
وأمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ.
قوله: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ}، يجوز في الكاف أن تكون مرفوعة المحلِّ على خبرها مبتدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و"نَسْلكهُ" مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلكُ الذكر، إما حالاً من المصدر المقدَّر، والهاء في "نَسْلكُهُ" يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، وقيل: يعود للاستهزاء، وقيل: على الشركِ.
والهاء في "بِهِ" يجوز عودها على ما تقدم من الثَّلاثة، ويكون تأويلُ عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه.
وقيل: للرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وقيل: للقرآن.
وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون حالاً، أي: لا يؤمنون مستهزئين" كأنه جعل "بِهِ" متعلقاً بالحالِ المحذوفة قائمة مقامها.
وهو مردودٌ، لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلة أو خبراً، تعلَّق بكون مطلق لا خاصِّ، وكذا الظرف.
ومحل "لا يُؤمِنُونَ" النَّصب على الحالِ، ويجوز ألاَّ يكون لها محلٌّ؛ لأنها بيان لقوله {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ}، وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ} استئنافٌ، والسَّلكُ: الإدخال، يقال: سَلكْتُ الخَيْطَ في الإبْرةِ، والرُّمحَ في المَطْعُونِ ومنه
{ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } [المدثر:42].
قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سَلكْتهُ وأسْلَكتهُ، أي: نظمته، قال: [الوافر]

3268ـ وكُنْتُ لِزازَ خَصْمكَ لَمْ أعَرِّدْ وقَدْ سَلكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ

وقال الآخر في "أسْلكَ": [البسيط]

3269ـ حتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدةٍ شَلاًّ كَمَا تَطْردُ الجَمَّالةُ الشُّردا

فصل في المعنى الإجمالي للآية
قال الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضَّلال في قلوبهم.
وقيل: إنه تهديدٌ لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ.
قوله تعالى: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ} الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى:
{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ } [الأنعام:7] الآية يعني: أنَّ الذين يقولون: { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ } [الحجر:7]، فلو أنزلنا الملائكة، "فظلُّوا فيه" أي: فظلت الملائكة فيها "يَعْرجُونَ"، وهم يرونها عياناً.
و"ظلَّ" هذه الناقصة، والضمير في "فظَلُّوا" يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن ـ رضي الله عنه ـ: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب.
وقرأ الأعمش، وأبو حيوة "يَعْرجُونَ" بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد.
قوله: {لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} قرأ ابن كثير: "سُكِرَتْ" مبنياً للمفعول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلكـ إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل.
فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ.
والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم.
والمشهور أن "سَكِرَ" لا يتعدى فكيف بُنِي للمفعول؟.
فقال أبو علي: "ويجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر".
والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ "سَكِر" إن كان من: "سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحُ" فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من "سَكِرَ الماءً" فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، إذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته.
فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرْي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير.
وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من "سَكِرَ الماءُ" فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من "سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ" فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: "رَجَعَ زيْدٌ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِدَ وسَعِدَه غَيْرُه" وقال الزمخشريُّ: "وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السَّكرِ أو السُّكر، وقرىء: "سُكرَتْ" بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسُ المُهْرُ عنِ الجري"، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محتملة لمعنى واحدٍ.
وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: أسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ.
{بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: كيف يجوز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الواضح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، كانت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حينئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟.
أجاب القاضي ـرحمه الله ـ: بأنه ـ تعالى ـ ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟.
وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعهم عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوا الرسول صلى الله عليه وسلم إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
قوله: "فظلُوا" يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ: "ظَلّ يَظَلّ" إلاَّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول.
والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها.
فإن قلنا: إن الضمير في: "فَظلُّوا" للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: "فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله ـ سبحانه وتعالى ـ وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته ـ عليهم السلام ـ لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله".