خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ
١٦
وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ
١٧
إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ
١٨
وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ
١٩
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
٢٠
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ
٢١
وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ
٢٢
وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ
٢٣
وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ
٢٤
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
٢٥
-الحجر

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} الآية، "جَعلْنَا": يجوز أن يكون بمعنى "خَلقْنَا" فيتعلق به الجارُّ، وأن يكون بمعنى صيِّرنا؛ فيكون مفعوله الأول: "بُرُوجاً" ومفعوله الثاني: الجارَّ، فيتعلق بمحذوفٍ، و"للنَّاظِرينَ" متعلق بـ "زَينَّاهَا"، والضمير لـ"السَّماءِ" أي: زيَّناها بالشَّمس، والقمرِ، والنجوم.
وقيل: للبروج: وهي الكواكب، زيَّنَّاها بالضوءِ، والنظر عينيّ.
وقيل: قلبي وحذف متعلقه؛ ليعُمَّ.
فصل في دلائل التوحيد السماوية والأرضية
لما أجاب عن منكري النبوة، وقد ثبت أنَّ القول بالنبوةِ فرعٌ على القول بالتوحيد، أتبعه ـ تعالى ـ بدلائل التوحيد وهي: منها سماويَّة، ومنها أرضية، فبدأ بذكر السماوية، فقال ـ عز وجل ـ: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ}.
قال اللَّيثُ ـرحمه الله ـ: البُرُوج واحدها بُرْج من بُروجِ الفلك، والبُرُوج: هي النجوم الكبار، مأخوذة من الظهور، يقال: بَرجَتِ المرأةُ، أي: ظهرت، وأراد بها المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر، والكواكب السيارة.
والعرب تعدُّ المعرفة بمواقعِ النُّجوم، وأبوابها من أجلِّ العُلومِ، ويستدلُّون بها على الطُّرقاتِ، والأوقاتِ، والخصب، والجدْبِ، وقالوا: الفلكُ: اثنَا عشر بُرْجاً، كلُّ برجٍ ميلان، ونصف للقمر.
وقال ابن عطية: هي قصورٌ في السماءِ، وعليها الحرسُ.
{وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} مَرجُومٍ، وقيل: ملعُون.
قال ابنُ عباسٍ ـ رضي الله عنه ـ كانت الشياطين لا يحجبون عن السمواتِ، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها؛ فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ منعوا من ثلاث سماواتٍ، فلما و لد محمدٌ صلى الله عليه وسلم من السماوات أجمع، فما منهم من أحدٍ يريد استراق السمع، إلاَّ رمي بشهابٍ.
فلمَّا منعُوا من تلك المقاعد، ذكروا ذلك لإبليس، فقال: حدث في الأرض حدثٌ، قال: فبعثهم، فوجد رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ يتلو القرآن، فقالوا والله حدث.
فإن قيل: ما معنى: {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} والشيطانُ لا قدرة له على هدم السماء، فأيُّ حاجة إلى حفظ السماء منه؟ قلنا: لما منعه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان، فحفظ الله السماء منهم، كما قد يحفظ منازلنا ممَّن يخشى منه الفساد.
والرَّميُ في اللغة: الرميُ بالحجارة، والرَّجمُ أيضاً: السبُّ والشتمُ؛ لأنه رميٌ بالقولِ القبيح، والرجمُ: القول بالظنِّ؛ ومنه قوله تعالى:
{ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ } [الكهف:22]؛ لأنه يرميه بذلك الظنِّ، والرجم أيضاً: اللَّعن، والطَّرد.
قوله: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ} فيه خمسة أوجه:
أحدها: في محل نصب على الاستثناء المتصل، والمعنى: فإنها لم تحفظ منه؛ قاله غير واحدٍ.
الثاني: منقطعٌ، ومحله النصب أيضاً، أي: لكن من استرق السمع. قال الزجاج ـرحمه الله ـ. موضع: "مَنْ" نصبٌ على التقدير، قال: "وجاز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممَّن".
الثالث: أنه بدلٌ من "كُلِّ شَيطانٍ" فيكون محله الجرَّ، قاله الحوفي، وأبو البقاءِ، وتقدم عن الزجاج، وفيه نظر؛ لأن الكلام موجبٌ.
الرابع: أنه نعتٌ لـ"كُلِّ شَيْطانٍ" فيكون محله الجر، على خلاف في هذه المسألة.
الخامس: أنَّه في محلِّ رفع بالابتداءِ، وخبره الجملة من قوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُ}، وإنما دخلت الفاء؛ لأنَّ "مَنْ" إمَّا شرطيةٌ، وإمَّا موصولةٌ، مشبهةٌ بالشرطية. قاله أبو البقاء وحينئذٍ يكونُ من باب الاستثناءِ المنقطع.
والشِّهَابُ: الشُّعلةُ مِنَ النَّارِ، وسُمِّي بها الكوكبُ؛ لشدَّة ضَوئِه، وبَريقه، وكذلك سُمَّي السِّنانُ شِهَاباً، ويجمع على: "شُهُبٍ" في الكثرةِ، و"أشْهُبٍ" في القلَّة، والشُّهْبَةُ: بياضٌ مختلطٌ بسوادٍ؛ تَشْبِيهاً بالشِّهاب؛ لاختلاطه بالدُّخانِ، ومنه: كَتيبةٌ شهباءُ لسوادِ القَوْمِ، وبياض الحديدِ، ومِنْ ثمَّ غلط الناس في إطلاقهم الشُّبهة على البياضِ الخالص.
وقال القرطبيُّ: "أتْبَعَه": أدركهُ ولَحِقهُ، شهابٌ مُبِينٌ، أي: كوكبٌ مُضيءٌ، وكذلك:
{ بِشِهَابٍ قَبَسٍ } [النمل:7] أي: شُعلة نارٍ في رَأسِ عُودٍ، قاله ابن عزيزٍ؛ وقال ذُو الرُّمَّة: [البسيط]

3270ـ كَأنَّه كَوكَبٌ فِي إثْرِ عِفْريَةٍ مُسَوَّمٌ فِي سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضبُ

وسُمِّي الكَوكَبُ شِهَاباً، لأنَّ بَريقَهُ يُشْبِه النَّار.
وقيل: شهابٌ شُعلة من نار تبين لأهل الأرضِ، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقتهم، كما إذا أحرقت النارُ، لم تعد، بخلاف الكواكب فِإنه إذا أحرق، عاد إلى مكانه.
فصل
قال ابن عبَّاسٍِ ـ رضي الله عنه ـ: "إلاَّ مِنَ اسْترقَ السَّمْعَ" يريد الخطفة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركبُ بعضهم بعضاً إلى سماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة، فيُرمون من الكواكب، فلا تخطيء أبداً، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرقُ وجهه وجنبه ويده حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله؛ فيصير غولاً؛ فيقتل الناس في البراري.
روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"إذَا قَضَى اللهُ الأمْرَ فِي السَّماءِ، ضَربَتِ المَلائِكةُ بأجْنِحَتهَا خضعاناً لقوله كَأنَّه سِلسِلَةٌ على صِنْوانٍ، فإذَا فزعَ عَنْ قُلوبِهمْ، قالوا: مَاذَا قَال ربُّكُمْ؟ قَالُوا: الَّذي قَالَ الحَقُّ وهُوَ العليُّ الكَبيرُ، فَيُسْمعها مُسْترِقُ السَّمْع، ومُسْترِقُ السمعِ هَكذَا بَعضهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ووَصفَ سُفْيَانُ بِكفِّه فحرَّقها وبدَّدَ بيْنَ أصَابعهِ، فيَسْمَعُ الكَلِمة، فيُلْقِهَا إلى مَنْ تَحْتهُ ثُمَّ يُلْقيها الآخرُ إلى مَنْ تَحْتهُ، حتَّى يُلقِيهَا على لِسانِ السَّاحر، والكَاهنِ، ورُبَّما أدْركهُ الشِّهابُ قبْلَ أنْ يلقِيهَا، ورُبَّما ألْقَاهَا قبلَ أن يُدرِكَهُ، فيَكذِب مَعَهَا مِائةَ كِذْبة، فيقالُ: ألَيْس قد قَالَ لَنَا اليَوْمَ كَذَا وكَذَا، فيصدق بتِلْكَ الكَلمةِ الَّتي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ" .
وهذا لم يكن ظاهراً قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمانه عليه السلام وإنما ظهر في بدء أمره وكان ذلك أساساً لنبوته صلى الله عليه وسلم. قال يعقوب من عتبة بن المغيرة بن الأخنسِ بن شريق: إنَّ أول من قرع للرَّمي بالنجوم، هذا الحيُّ من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجُلٍ منهم يقال له: عمرو بنُ أميَّة، أحدُ بني علاج، وكان أدْهَى العرب، فقالوا له: ألَمْ تَرَ مَا حَدثَ في السماء من القذف بالنُّجُومِ؟ قال: بلى فانظروا، فإن كانت معالمُ النجوم التي يُهْتدَى بها في البرِّ، والبَحْر، ويعرف بها الأنواءُ من الصيف، والشتاء، لما يصلحُ الناس من معايشهم، هي التي يرمى بها، فهي ـ والله ـ طيُّ الدنيا، وهلاك الخلق الذين فيها، وإن كان نجوماً غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا الأمر أراد الله لهذا الخلق.
قال معمرٌ: قلت للزهريِّ: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قال: أفرأيت قوله:
{ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ } [الجن:9] الآية قال: وقد غلظتْ، وشدِّد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن قتيبة: إنَّ الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إن النجم ينقضُّ، ويرمي الشيطان، ثم يعود إلى مكانه.
فصل
قال القرطبي: "اختلفوا في الشِّهاب: هل يقتل أم لا؟.
فقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ الشِّهاب يَجرح، ويَحرِقُ، ويُخْبلُ، ولا يَقْتلُ.
وقال الحسنُ، وطائفةٌ: يقتل، فعلى هذا في قتلهم بالشهب قبل إلقائها السمع إلى الجنِّ قولان:
أحدهما: يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن، ولذلك ما يعودون إلى استراقه.
والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم، ولو لم يصل لانقطع الاستراق، وانقطع الاحراقُ، ذكره الماوردي".
قال القرطبي: "والقول الأول أصح؛ على ما يأتي بيانه في "الصافات"".
فصل
قال ابن الخطيب: "في هذا الموضع أبحاثٌ دقيقة على ما ذكرناها في سورة الملك، وفي سورة الجن، ونذكر ههنا إشكالاً واحداً وهو: أنّ لقائل أن يقول: إذا جوَّزتم في الجملة، أن يصعد الشيطان إلى السماوات، ويختلط بالملائكةِ، ويسمع أخبار الغيوب منهم، ثم إنه ينزل، ويلقي تلك الغيوب، فعلى هذا يجب أن يخرج الإخبار عن المغيَّبات عن كونه معجزاً، لأنَّ كل غيبٍ يخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم فيه هذا الاحتمال؛ فيخرجُ عن كونه معجزاً دليلاً على الصدقِ، ولا يقال: إن الله ـ تعالى ـ أخبر عنهم أنَّهم عجزوا بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّا نقول: هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمدٍ صلى الله عليه وسلم وبكون القرآن الكريم حقًّا، والقطع بهذا، لا يمكن إلاَّ بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً، ولا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذٍ يلزم الدور، وهو محالٌ باطلٌ.
ويمكن أن يجاب عنه: بأنا نثبت كون محمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولاً، بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته، نقطع بأن الله عَجَّزَ الشياطين عن تلقف الغيب، وبهذا الطريق يندفع الدَّور".
قوله: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} "الأرْضَ": نصبٌ على الاشتغال، ولم يقرأ بغيره؛ لأنه أرجع من حيث العطف على جملة فعلية قبلها، وهي قوله:
{ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً } [الحجر:16].
وقال أبو حيَّان: "ولما كانت هذه الجملة بعدها جملة فعلية، كان النَّصب أرجح من الرفع".
قال شهاب الدين: لَمْ يعدُّوا هذا من القرائن المرجحة للنصب، إنما عدو عطفها على جملة فعلية قبلها، لا عطف جملة فعلية عليها، ولكنه القياس، إذ يعطف فيه فعلية على مثلها، بخلاف ما لو رفعت، إذ تعطف فعلية على اسمية، لكنهم لم يعتبروا ذلك.
والضمير في "فِيهَا": للأرض. وقيل: للرَّواسي. وقيل: لهما.
فصل
لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التَّوحيد، أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي أنواع:
الأول: قوله: {وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} قال ابن عباسٍ: بسطناها على وجه الماءِ، وبسطت من تحت الكعبة.
النوع الثاني: قوله: {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} وهي الجبال الثوابت واحدها راسٍ، والجمع راسية وجم الجمع رواسي، قال ابن عباسٍ: لما بسط الله الأرض على الماء، مالت بأهلها كالسفينة؛ فأرساها الله بالجبال؛ لكيلا تميل بأهلها.
النوع الثالث: قوله تعالى: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}، يجوز فِي "مِنْ" أن تكون تبعيضية، وهو الصحيح، وأن تكون مزيدة عند الكوفيين، والأخفش، والضمير في قوله: "فِيهَا" يحتمل أن يكون راجعاً إلى الأرض، وأن يكون راجعاً إلى الجبال الرواسي، إلاَّ أنَّ رجوعها إلى الأرض أولى؛ لأن أنواع النبات المنتفع بها، إنما تتولَّد في الأرض، وأما الجبلية، فقليلة النفع.
وقيل: رجوع الضمير إلى الجبال أولى؛ لأنَّ المعادن من الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، وغيرها؛ إنَّما تتولد في الجبال، والأشياء الموزونة في العرف والعادة، هي المعادن لا النبات.
وفي المراد بالموزون وجوه:
قيل: المقَّدر بقدر الحاجة، أي: أنَّ الله ـ تعالى ـ يثبت ذلك المقدر بقدر ما يحتاج إليه الناس؛ لقوله:
{ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } [الرعد:8] وقوله تعالى: { وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } [الحجر:21].
وقيل: المناسب المطابق للحكمة كقولهم: كلامٌ موزونٌ، أي: متناسب بعيد عن اللغو، والمعنى: موزونٌ بميزان الحكمة، والعقل.
وقيل: موزونٌ؛ بمعنى أنَّ الذي تنبته الأرض نوعان: المعادنُ، والنباتُ، أما المعادن: فهي بأسرها موزونة، وأما النبات: فيرجع عاقبته إلى الوزنِ، كالمخترف، والفواكه في الأكثر.
قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} جمع معيشة، أراد الله بها المطاعم، والمشارب، والملابس، وقيل: ما يعيش به المرءُ في الدنيا، وقد تقدَّم الكلام على المعايش في الأعرافِ.
قوله تعالى: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}، يجوز في خمسة أوجه:
أحدها: قول الزجاج: أنه منصوب بفعلٍ مقدرٍ، تقديره: وأغنينا من لستم له برازقين، كالعبد، والدَّواب، والوحوش.
الثاني: أنه منصوب عطفاً على "مَعايِشَ"، أي: وجعلنا لكم فيها معايش ومن لسْتُمْ له برازقين من الدَّواب المنتفع بها.
الثالث: أنه منصوب عطفاً على محل "لَكُمْ".
الرابع: أنه مجرور عطفاً على "كُمْ" المجرور بها اللام؛ وجاز ذلك من غير إعادة الجار على رأي الكوفيين، وبعض البصريين، وتقدم تحقيقه في البقرة، عند قوله:
{ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } [البقرة:217].
الخامس: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: ومن لستم له برازقين، جعلنا له فيها معايش، وسمع من العرب: ضربت زيداً، وعمرو، برفع "عمرو"؛ مبتدأ محذوف الخبر، أي: وعمرو ضربته، و"مَنْ" يجوز أن يراد بها العقلاء، أي: من لستم له برازقين من مواليكم الذين تزعمون أنكم ترزقونهم، أو يراد بها غير العقلاء، أي: من لستم له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم؛ قال الله تعالى:
{ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ } [النور:45]، وقال سبحانه: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } [النمل:18] فذكرها بصيغة جمع العقلاء، ويجوز أن يراد بها النوعان؛ وهو حسنٌ لفظاً ومعنًى.
قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ}، "إنْ": نافية، و"مِنْ" مزيدة في المبتدإ، و"عِنْدَنَا" خبره، و"خَزائِنهُ" فاعل به؛ لاعتماده على النَّفي، ويجوز أن يكون "عِندَنَا" خبراً لـ"ما" بعده، والجملة خبر الأولى، والأول أولى؛ لقرب الجارِّ من المفرد.
قال الواحدي: "الخَزائِنُ: جمع الخِزانَة، وهي اسمُ المكان الذي يُخْزنُ فيه الشيء، أي: يحفظ، والخِزانةٌ ـ أيضاً ـ عمل الخازن، ويقال: خَزَنَ الشَّيء يَخْزنهُ، إذ أحْرزَهُ".
و"خَزَائِنهُ" هو المطر؛ لأنه سبب الأرزاق، والمعايش لبني آدم، وسائر الحيوانات.
قوله: "إلاَّ بقدَرٍ معلوم" يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من المفعول، أي: إلا ملتبساً بقدرٍ.
قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: يريد: قدر الكفايةِ، لكل أرضِ حدُّ مقدرٌ، وقال الحكم: ما من عامٍ بأكثر مطرٍ، من عام آخر؛ ولكنه يمطر قومٌ، ويحرمُ آخرون، وربما كان في البحر، يعني أنه ـ تعالى ـ ينزل المطر كلَّ عامٍ بقدرٍ معلومٍ، غير أنَّه يصرفه إلى من يشاء حيث يشاء.
ولقائل أن يقول: لفظ الآية لا يدلُّ على هذا المعنى، فإن قوله تعالى: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}، لا يدلُّ على أنه ـ تعالى ـ ينزله في جميع الأعوامِ على قدر واحد، فتفسير الآية بهذا المعنى تحكُّمٌ بغير دليلٍ.
وقال ابنُ الخطيب: "وتخصيص قوله تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} بالمطر تحكم محضٌ؛ لأن قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ} يتناول جميع الأشياء، إلا ما خصه الدليل".
روى جعفر، عن محمدٍ، عن أبيه، عن جده، قال: في العرش مثال جميع ما خلق الله في البر، والبحر، وهو تأويل قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ}.
قوله: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} الآية "لَواقِحَ": حالٌ مقدرة من "الرِّياحِ"، وفي اللواقح أقوال:
أحدها: أنها جمع "مُلْقِح"؛ لأنه من ألْقَحَ يُلقحُ، فهو ملقحٌ، وجمعه مَلاقح، فحذفت الميم؛ تخفيفاً، يقال: ألْقحَتِ الريحُ السَّحاب، كما يقال: ألْقحَ الفَحْلُ الأنثَى؛ ومثله: الطَّوائِحُ، وأصله المطاوحُ؛ لأنه من أطَاحَ يُطِيحُ، قال: [الطويل]

3271ـ لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ

وهذا قول أبي عبيدة.
والثاني: أنه جمع لاَقِح، يقال: لقَحَتِ الريحُ: إذا حملتِ الماء، وقال الأزهري: حَوامِلُ تَحْمِلُ السَّحابَ؛ كقولك: ألقحتِ الناقةُ، فلَقِحَتْ، إذا حملتِ الجَنين:َ في بَطْنِهَا، فشُبِّهتِ الريحُ بِهَا؛ ومنه قوله: [الطويل]

3272ـ إذَا لَقِحَتْ حَرْبٌ عَوانٌ مُضرَّةٌ ضَرُوسٌ تُهِرُّ النَّاس أنْيَابُهَا عُصْلُ

الثالث: أنَّها جمع لاقحٍ، على النسب؛ كالابنِ وتامرِ، أي: ذات لقاحٍ، لأنَّ الرِّيحَ إذا مَرَّت على الماءِ، ثُم مرَّت على السَّحابِ، والماءِ، كان فيها لقاحٌ قاله الفراء.
فصل
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: الرياحُ لوَاقِحُ الشَّجر والسَّحاب؛ وهو قول الحسن، وقتادة، والضحاك؛ لأنها تحمل الماء إلى السحاب؛ وأصله من قولهم: لقَحتِ الناقة، وألْقَحَهَا الفحلُ، إذا ألقى الماء فيها فحملت.
قال ابن مسعودٍ في تفسير هذه الآية: بعث الله الرياحَ؛ لتلقيح السحاب، فتحمل الماء، وتمجّه في السحاب، ثم إنه يعصرُ السحاب، ويدره كما يدر اللقحة.
وقال عبيدُ بن عمير: يبعثُ الله الريح المبشرة، فتقم الأرض قماً، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة، فتؤلف السحاب بعضه إلى بعضٍ، فتجعله ركاماً، ثم يبعثُ اللوَاقِحُ اللوَاقِحَ، فتَلْقِحُ الشَّجر ثم تلا عبيد: "وأرسلنا الرياح لواقح" قال أبو بكر بنِ عيَّاشٍ ـ رضي الله عنه ـ: لا تقطر القطرةُ من السماء إلا بعد أن تعمل الرياحُ الأربعة فيها، فالصَّبا تُهيِّجه، والشَّمالُ تَجمعُه والجَنوبُ تُدرُّه، والدَّبُور تُفرِّقه.
فصل
قال القرطبيُّ: "روي عن مالك ـ رضي الله عنه ـ في قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}، أي: ذوات لقح، فلقاحُ القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولقاح الشَّجر كُلها: أن تثمر ويسقط منها ما يسقط، ويثيبت منها ما يثبت".
قال ابن العربيِّ ـرحمه الله ـ: إنما عوَّل مالكٌ على هذا التفسير على تشبيه الشجر بلقاح الجملِ، وأنَّ الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه من الروحُ، كان بمنزلةِ تحبب الثَّمر، وتسنبله؛ لأنه سمِّي باسم تشتركُ فيه كلُّ حاملةٍ، وهو اللِّقاحُ، وعليه جاء الحديث:
"نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الحبِّ حتَّى يَشْتد" .
قال ابن عبد البرِّ: "الإبارُ عند أهل العلم في النخل: التَّلقيحُ، وهو أن يأخذ شيئاً من طَلع ذكور النخلِ؛ فيدخله بين ظهراني طلع الإناث، [ومعنى] ذلك في سائر الثمار [ظهور الثمرة] من التِّين، وغيره، حتَّى تكون الثَّمرة مرئية، حين ينظر إليها، والمعتبر عند مالك ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه فيما يذكر من الثِّمار التذكير، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط، وفي الزروع ظهوره من الأرض".
فصل
قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ
"مِنَ ابتَاعَ نَخْلاً بَعْدَ أن تُؤبَّر، فَثمَرتُهَا لِلبَائعِ، إلاَّ أن يَشْترِطَ المُبتَاعُ" فلا يدخل الثمر المؤبَّر مع الأصولِ في البيع إلا بالشرط؛ لأنها موجودة يحاطُ بها أَمَنَةً من السقوط غالباً، بخلاف التي لم تؤبَّر، إذ ليس سقوطها غالباً، بخلاف التي لم تؤبر، إذ ليس سقوطها مأموناً، فلم يتحقق لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها، ولا استثناؤها؛ لأنها كالجنين.
فصل هل يجوز لمن اشترى النخل فقط أن يشتري الثمر قبل طيبه؟
اشترى النَّخل، وبقي الثمر للبائع، جاز لمشتري الأصل شراءُ الثمرة قبل طيبها، في المشهور عن مالكٍ ـرحمه الله ـ ويرى لها حكم التبعيةِ، وإن انفردت بالعقدِ، وعنه في رواية أنه لا يجوز، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثَّوريُّ، وأهل الظاهر.
فصل في النهي عن بيع الملاقح والمضامين
نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بَيعِ المَلاقحِ والمَضامِيِنِ والمَلاقِحُ: الفحول من الإبل، الواحد مقلحٌ، والمَلاقِحُ ـ أيضاً ـ: الإناث التي في بطونها أولادها، الواحدة: مَلْقَحَة ـ بفتح القاف، والمَلاقِيحُ ما في بطون النوقِ من الأجنَّة، الواحدة: مَلْقُوحةٌ، من قولهم: لَقحْتُ، كالمَحْمُومِ من حَمّ، والمَجْنُون من جنّ، وفي هذا جاء النَّهيُ.
قال أبو عبيدة: المَضامِينُ ما في البطونِ وهي الأجنَّةِ، والمَلاقِيحُ: ما في أصلابِ الفحُولِ، وهو قول سعيد بن المُسيَّبِ، وغيره.
وقيل: بالعكسِ.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع [المَجْر] وهو بيع ما في بطُونِ الأمَّهاتِ.
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ما هَبَّتْ ريحٌ قَطُّ إلاَّ جَثَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلى رُكْبتَيْهِ، وقال:
"اللَّهُمَّ اجْعلهَا رحْمةً، ولا تَجْعلهَا عَذاباً، اللَّهُمَّ اجْعَلهَا رِيَاحاً ولا تَجْعلهَا رِيحاً" . قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في كتاب الله ـ عز وجل ـ: { إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } [القمر:19]، { إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ } [الذاريات:41] وقال تعالى: { وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ } [الحجر:22] وقال تعالى: { يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } [الروم:46].
قوله تعالى: {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}، قد تقدّم أنَّ الماء: هل ينزل من السماء أو من السحاب.
وقوله: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ}، قال الأزهريُّ: "تَقُولُ العربُ لِكُلِّ ما فِي بُطونِ الأنْعَامِ، ومِنَ السَّماءِ، أو نهْرٍ يَجْري: أسْقَيْتُه، أي: جعلته شَرْباً له، وجعلتُ له منها مَسْقى لشرب أرضه أو ماشيته، فإذا كانت السُّقْيَا لِسقْيهِ، قالوا: سَقاهُ، ولم يقولوا: أسْقَاه".
ويؤكده اختلاف القراء في قوله:
{ نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ } [النحل:66]، فقرؤا باللغتين، وسيأتي بيانهما في السورة التي بعدها، ولم يختلفوا في قوله: { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ } [الإنسان:21]،ـ وفي قوله: { وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } [الشعراء:79].
قال أبو علي: سَقَيْتُه حتَّى رَوِيَ، وأسْقَيتهُ نَهْراً، جعلتهُ شُرْباً، وقوله: {فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} جعلناه سُقْياً لكم، وربما قالوا في "أسْقَى" سَقَى؛ كقول لبيدٍ يصفُ سحاباً: [الوافر]

3273ـ أقُولُ وصَوْبُهُ منِّي بَعِيدٌ يَحُطُّ السَّيْبُ مِنْ قُللِ الجِبَالِ
سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقَى نُمَيْراً والقَبائِلَ مِنْ هِلالِ

فقوله: "سَقَى قَوْمِي" ليس يريد به ما يروى عطاشهم، ولكن يريد رزقهم سَقْياً لبلادهم، يخصبون بِها، وبعيدٌ أن يَسْألَ لِقومِهِ ما يروي العطاش به ولغيرهم ما يخصبون به، فأما سَقَيَا السَّقيَّة، فلا يقال فيها: أسْقاهُ. وأما قول ذي الرُّمة: [الطويل]

3274ـ وأسْقِيهِ حتَّى كَادَ ممَّا أبُثُّهُ تُكلِّمُنِي أحْجَارهُ ومَلاعِبُه

[يريد بقوله: "أسقيه": أدعو له بالسقاء، وأقول: سقاه الله].
واتَّصل الضميران هنا: لاختلافهما رتبة، ولو فصل ثانيهما، لجاز عند غير سيبويه وهذا كما تقدم في قوله تعالى:
{ أَنُلْزِمُكُمُوهَا } [هود:28].
قوله تعالى: {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} جملة مستأنفة، و"لَهُ" متعلق بـ"خَازِنينَ"، والمعنى: أنَّ المطر في خَزائِننِا، لا في خَزائِنكُمْ. [وقال سفيان: لستم بمانعين].
قوله تعالى: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} الآية، هذا النَّوع السادس من دلائل التوحيد، وهو الاستدلال بالإحياء، والإماتةِ على وجودِ الإلهِ القادر المختار.
قوله: "لَنَحْنُ" يجوز أن يكون مبتدأ، و"نُحْيِي" خبره، والجملة خبر "إنا" ويجوز أن يكون تأكيداً لـ "نَا" في"إنَّا"، ولا يجوز أن يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، وقد تقدم نظيره [الحجر:9].
وقال أبو البقاء: لا يكون فصلاً لوجهين:
أحدهما: أن بعده فعلاً.
والثاني: أنَّ معه اللام.
قال شهابُ الدِّين ـرحمه الله ـ: "الوجه الثاني: غلطٌ؛ فإن لام التوكيد لا يمنع دخولها على الفصل، نصَّ النحاة على ذلك، ومنه قوله
{ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ } [آل عمران:62]ٍ، جوَّزوا فيه الفصل مع إقرانه باللام".
فصل
من العلماءِ من حمل الإحياء على القدرِ المشتركِ بين إحياءِ النبات والحيوان، ومنهم من قال: وصف النبات بالإحياء مجاز؛ فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان، وقوله ـ جل ذكره ـ: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ} يفيد الحصر، أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة إلا لنا، "ونَحْنُ الوَارثُونَ" إذا مات جميع الخلائق، فحينئذٍ يزول الملك كلِّ أحدٍ، ويكون الله ـ سبحانه ـ هو الباقي المالك لكلِّ المملوكات، وحده لا شريك له، فكان شبيهاً بالإرثِ.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ المستقدمين: الأموات، والمستأخرين: الأحياءُ.
وقال الشعبيُّ ـ رضي الله عنه ـ: الأولين، والآخرين.
وقال عكرمة: المستقدمون: من خلق الله، والمستأخرون: من لم يخلق.
وقيل: المستقدمين: القرون الأولى، والمستأخرين: أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
وقال الحسن: المستقدمين: في الطَّاعة والخير، والمستأخرين: في صفِّ القتال.
وقال ابن عيينة: أراد من سلم، ومن لم يسلم.
وقال الأوزاعيُّ: أراد المصلِّين في أول الوقت، المؤخِّرين إلى آخره.
روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس: كانت امرأةٌ حسناء تصلِّي خلق النبي صلى الله عليه وسلم فكان قومٌ يتقدمون إلى الصف الأول؛ لئلا يرونها، وآخرون يتأخَّرون، ليرونها.
وفي رواية: أنَّ النساء كنَّ يخرجن إلى الجماعة، فيقفن خلف الرجال، من النساء من في قلبها ريبة، فتقدم إلى أول صفِّ النساء؛ لتقرب من الرجال؛ فنزلت الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرُّها أخرُهَا، وخَيْرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرُهَا وشَّرُّهَا أوَّلُهَا" .
وروي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رغَّب في الصف الأول في الصلاة [فازدحم] الناس عليه؛ فأنزل الله ـ تبارك وتعالى ـ هذه الآية.
والمعنى: إنَّا نجزيهم على قدر نيَّاتهم.
فصل
قال القرطبي: "هذه الآية تدلُّ على فضل أول الوقت في الصلاة، وعلى فضل الصف الأوَّل، وكما تدل على فضل الصف الأول في الصَّلاة، كذلك تدلُّ على فضل الصفِّ الأول في القتال؛ فإنَّ القيام في وجه العدوِّ، وبيع العبد نفسه من الله ـ تعالى ـ لا يوازيه عملٌ، ولا خلاف في ذلك".
واعلم أنَّ ظاهر الآية يدل على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم؛ فيدخل فيه علمه بتقدّمهم، وتأخرهم، في الحدوثِ، والوجود في الطاعات وغيرها؛ فلا ينبغي أن تخص بحالةٍ دون حالةٍ.
ثم قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} على ما علم منهم، وذلك تنبيه على أنَّ الحشر، والنشر، والبعث، والقيامة، أمرٌ واجبٌ {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي: أنَّ الحكمة تقتضي وجوب الحشر، والنشر، وعلى ما تقرر في أول سورة يونس ـ عليه السلام ـ.