خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ
٨٧
لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
٨٨
وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ
٨٩
كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ
٩٠
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ
٩١
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
٩٢
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٩٣
فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ
٩٤
إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ
٩٥
ٱلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلـٰهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
٩٦
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
٩٧
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ
٩٨
وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ
٩٩
-الحجر

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} يحتمل أن يكون سبعاً من الآيات، وأن يكون سبعاً من السُّورِ، وأن يكون سبعاً من الفوائد، وليس في اللفظ ما يدلُّ على التَّعيين.
والثاني: صيغة جمع، واحدة مثناة، والمثناةُ: كل شيءٍ يُثَنَّى، أي: يجعل اثنين من قولك: ثَنَيْت الشَّيء ثَنْياً، أي: عَطفْتهُ، أو ضممت إليه آخر، ومنه يقال لرُكْبتَي الدَّابة ومِرْفقَيْهَا مثانِي؛ لأنها تثنى بالفخذ، والعضد؛ ومثاني الوادي معاطفه.
وإذا عرف هذا، فقوله: {سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى، وهذا القدر مجملٌ، ولا سبيل إلى تعيينه، إلا بدليلٍ منفصلٍ، وللنَّاس فيه أقوال:
أحدها: قال عمرُ، وعليٌّ، وابن مسعودٍ، وأبو هريرة، والحسن، وأبو العالية، ومجاهدٌ والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة ـ رضي الله عنهم ـ: إنه فاتحة الكتاب.
روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ
"أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فاتحة الكتاب، وقال: هِيَ السَّبْعُ المَثانِي" .
وإنَّما سمِّيت بالسَّبع؛ لأنها سبعُ آياتٍ، وفي تمسيتها بالمثاني وجوه:
أولها: قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ والحسن، وقتادة: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كلِّ ركعةٍ.
ثانيها: قال الزجاج: لأنَّها تثنى مع ما يقرأ معها.
وثالثها: لأنها قسمت قسمين: نصفها ثناءٌ، ونصفها دعاءٌ، كما ورد في الحديث المشهور.
ورابعها: قال الحسين بن الفضل: لأنَّها نزلت مرَّتين، مرة بمكَّة، ومرة بالمدينة.
وخامسها: لأنَّ كلماتها مثناة، مثل:
{ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ } [الفاتحة:3ـ7].
وفي قراءة عمر: (غير المغضوب عليهم وغير الضالين).
نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنَّه قال: كان ابن مسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب؛ رأى أنَّها ليست من القرآن.
قال ابن الخطيب: "لعلَّ حجَّته أنه عطف السَّبع المثاني على القرآن والمعطوف مغاير للمعطوف عليه؛ فوجب أن تكون غير القرآن العظيم"، ويشكل هذا بقوله:
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [الأحزاب:7]، وكذلك قوله تعالى: { وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } [البقرة:98].
وللخَصْم أن يجيب بأنه يجوز أن يذكر الكلَّ، ثمَّ يعطف عليه ذكر بعض أقسامه لكونه أشرف الأقسام، وأمَّا إذا ذكر شيءٌ آخر كان المذكور أولاً مغايراً للمذكور ثانياً، وها هنا ذكر سبع المثاني. ثم عطف عليه القرآن فوجب التغاير.
ويجاب عليه: بأنَّ بعض الشَّيء مغاير لمجموعه، فلم لا يكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف؟.
واعلم أنَّه لمَّا كان المراد بالسَّبع المثاني هو الفاتحة؛ دلَّ على أنَّها أفضل سور القرآن، لأن إفرادها بالذِّكر مع كونها جزءاً من القرآن؛ يدلُّ على مزيد اختصاصها بالفضيلة، وأيضاً: لما أنزلها مرَّتين دلَّ ذلك على أفضليتها، وشرفها، ولما واظب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قرءاتها في جميع الصلوات طول عمره، وما أقام [سورة أخرى] مقامها في شيءٍ من الصلوات، دل ذلك على وجوب قراءتها، وألاَّ يقوم شيء من القرآن مقامها.
القول الثاني: السَّبع المثاني: هي السبع الطوال، قاله ابن عمر، وسعيد بن جبيرٍ في بعض الروايات عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وإنما سميت السبع الطوال مثاني؛ لأنَّ الفرائض، والحدود، والأمثال والخبر، والعبر ثنيت فيها.
وأنكر الربيع هذا القول، وقال: الآيةُ مكية، وأكثر هذه السورة مدنيَّة، وما نزل منها من شيءٌ في مكَّة، فكيف تحمل هذه الآية عليها؟.
وأجاب قومٌ عن هذا بأنه ـ تعالى ـ جلَّ ذكره ـ أنزل القرآن كلَّه إلى سماءِ الدنيا، ثم أنزل على نبيه منه نجوماً، فلمَّا أنزله إلى سماءِ الدُّنيا، وحكم بإنزاله عليه فهو جملة من آتاه، وإن لم ينزل عليه بعدُ.
وفي هذا الجواب نظرٌ، فإن قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي} ذكره في [معرض] الامتنان، وهذا الكلامُ إنَّما يصدق، إذا وصل ذلك إلى محمَّدٍ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فأمَّا ما لم يصله بعد، فلا يصدق ذلك عليه.
وأما قوله: إنه لما حكم بإنزاله على محمد، كان ذلك جارياً مجرى ما نزل عليه، فضعيف؛ لأنَّ إقامة مالم ينزل عليه مقام النَّازل عليه مخالف للظَّاهرِ.
القول الثالث: أنَّ السَّبع المثاني: هو القرآن، وهو منقولٌ عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ في بعض الروايات، وهو قول طاوس ـ رضي الله عنه ـ لقوله تعالى:
{ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ } [الزمر:23] فوصف كلَّ القرآن بكونه مثاني؛ لأنه كرَّر فيه دلائل التَّوحيدِ، والنبوَّة، والتَّكاليف.
قالوا: وهو ضعيف؛ لأنه لو كان المراد بالسَّبع المثاني القرآن لكان قوله: {وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ}، عطفاً على نفسه، وذلك غير جائزٍ.
وأجيب عنه: بأنه إنَّما حسن العطف فيه لاختلاف اللفظين؛ كقول الشاعر:

3291ـ إلى المْلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ وليْثِ الكَتِيبَةِ في المُزدحَم

واعلم أن هذا، وإن كان جائزاً إلا أنَّهم أجمعوا على أن الأصل خلافه.
القول الرابع: أنه يجوز أن يكون المراد بالسبع الفاتحة، وبالمثاني كل القرآن، ويكون التقدير: ولقد آتيناك سبع آياتٍ هي الفاتحة، وفي من جملة المثاني الذي هو القرآن، وهذا عين الأول.
و"مِن" في قوله: "مِنَ المثَانِي".
قال الزجاج ـرحمه الله تعالى ـ: فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون للتبعيض من القرآن، أي: ولقد آتيناك سبع آياتٍ من جملة الآيات التي يثنى بها على الله، وآتيناك القرآن العظيم.
ويجوز أن تكون "مِن" صفة، والمعنى: أتيناك سبعاً هي المثاني، كقوله تعالى:
{ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ } [الحج:30]، أي اجتنبوا الأوثان؛ لأن بعضها رجس.
قوله: "والقرآن" فيه أوجه:
أحدها: أنه من عطف بعض الصفات على بعض، أي: الجامع بين هذه النعتين.
الثاني: أنه من عطف العام على الخاص، إذ المراد بالسَّبع: إمَّا الفاتحة، أو الطوال، فكأنه ذكر مرتين بجهة الخصوص، ثم باندراجه في العموم.
الثالث: أنَّ الواو مقحمة، وقرىء "وَالقُرآنِ" بالجر عطفاً على: "المَثَانِي".
قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا} الآية لما عرف رسوله عظيم نعمه عليه فيما يتعلق بالدِّين، وهو أنه تعالى آتاه سبعاً من المثاني، والقرآن العظيم نهاه عن الرغبة في الدنيا فقال: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}، أي لا تشغل سرك، وخاطرك بالالتفات إلى الدنيا، وقد أوتيت القرآن العظيم.
قال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ "مَنْ أوتِي القرآن فرَأى أنَّ أحَداً أوتِي مِنَ الدنيَا أفضل ممَّا أوتِي، فقَد صَغَّرَ عَظِيماً وعَظَّمَ صَغِيراً". وتأوَّل سفيان بن عيينة هذه الآية بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"ليْسَ مِنَّا من لمْ يتغنَّ بالقُرآنِ" أي لم يستغن.
وقال ابن [عبَّاسٍ] ـ رضي الله عنهما ـ: "لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ"، أي لا تتمنّ ما فضلنا به أحداً من متاع الدُّنيا.
وقرَّر الواحديُّ هذا المعنى فقال:
"إنَّما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء، إذا أدام النَّظر نحوه، وإدامةٌ النَّظر إلى الشَّيء تدلُّ على استحسانه، وتمنِّيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا" .
وروي أنه صلى الله عليه وسلم "نظر إلى نَعَم بَنِي المُصطلقِ، وقد [عَبِسَتْ] في أبْوالِهَا، وأبْعارِهَا؛ فَتقنَّعَ في ثَوْبهِ؛ وقَرأ هذِه الآية" .
قوله: "عَبِستْ في أبْوالِهَا وأبْعَارِهَا" هون أن تجف أبعارها، وأبوالها على أفخاذها، إذا تركت من العمل أيَّام الربيع؛ فيكثر شحومها، ولحومها، وهي أحسن ما تكون.
قوله: {أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ}.
قال ابن قتيبة: أي أصنافاً من الكُفَّار، والزَّوْجُ في اللغة: الصِّنف {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ}؛ لأنهم لم يؤمنوا، فيتقوى بإسلامهم، ثم قال عز وجل {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
الخفض: معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في وصف القيامة
{ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } [الواقعة:3]، أي: أنَّها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطَّاعة، وجناح الإنسان: يدهُ.
قال الليثُ ـ رضي الله عنه ـ يد الإنسان: جناحه، قال تعالى:
{ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ } [القصص:32]، وخفض الجناح كناية عن اللِّين، والرّفقِ، والتَّواضع، والمقصود: أنه نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، وأمره بالتَّواضع لفقراءِ المؤمنين [ونظيره] { أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } [المائدة:54]، وقوله: { أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح:29].
قوله: {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} لما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالزُّهدِ في الدنيا، وخفض الجناح للمؤمنين، أمره أن يقول للقوم: { أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ}، وهذا يدخل تحته كونه مبلغاً لجميع التَّكاليف، وكونه [شارحاً لمراتب] الثَّواب والعقاب، والجنَّة والنَّار، ومعنى "المَبِين" الآتي بجميع البيِّنات الوافية.
قوله: {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} فيه أقوال:
أحدها: أنََّ الكاف [تتعلق] بـ "آتَيْنَاكَ"، وإليه ذهب الزمشخريُّ فإنه قال: "أنزلنا عليك"، مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون: {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ}.
الثاني: أنه نعت لمصدر محذوف منصوب بـ"آتَيْنَاكَ" تقديره: آتيناك إتياناً كما أنزلنا.
الثالث: أنه منصوب نعت لمصدر محذوف، ولكنَّه ملاق لـ"آتيْنَاكَ" من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، تقديره: أنزلنا إليك إنزالاً كما أنزلنا؛ لأنَّ "آتَيْنَاكَ" بمعنى أنزلنا إليك.
الرابع: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف، والعامل فيه مقدَّر أيضاً، تقديره: ومتعناهم تمتيعاً كما أنزلنا، والمعنى: نعمنا بعضهم كما عذَّبنا بعضهم. الخامس: أنه صفة لمصدر دلَّ عليه التقدير، والتقدير: أنا النَّذير إنذاراً كما أنزلنا، أي: مثل ما أنزلنا.
السادس: أنه نعتٌ لمفعول محذوف، النَّاصب له: "النَّذيرُ"، تقديره: النَّذيرُ عذاباً {كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} وهم قوم صالح؛ لأنهم قالوا: "لنُبَيتنَّه" وأقسموا على ذلك، أو يراد بهم قريش حين قسموا القرآن إلى سحرٍ، وشعرٍ، وافتراءٍ.
وقد ردَّ بعضهم هذا: بأنه يلزم منه إعمال الوصف موصوفاً، وهو غير جائز عند البصريين جائز عند الكوفيين، فلو عمل ثمَّ وصف جاز عند الجميع.
السابع: أنَّه مفعول به ناصبه: "النَّذيرُ" أيضاً.
قال الزمخشريُّ: "والثاني: أن يتعلق بقوله: {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ}، أي: وأنذر قريشاً مثل ما أنزلنا على المقتسمين، يعني اليهود، وما جرى على بني قريظة، و النضيرِ".
وهذا مردودٌ بما تقدَّم من إعمال الوصف موصوفاً.
قال ابن الخطيب: وهذا الوجه لا يتمُّ إلاَّ بأحد أمرين: إمَّا التزامُ إضمارٍ، ِأو التزام حذفٍ.
أمَّا الإضمار فهو أن يكون التقدير: إني أنا النذير [المبين] عذاباً، كما أنزلنا على المقتسمين، وعلى هذا الوجه: المفعول محذوف، وهو المشبه، ودلَّ عليه المشبه به، كما تقول: رأيت كالقمر في الحسن، أي: رأيت إنساناً كالقمرِ في الحسن، وأمَّا الحذف، فهو أن يقال: الكاف زائدة محذوفة، والتقدير: إني أنا النذير [المبين ما] أنزلناه على المقتسمين، وزيادة الكاف له نظير، وهو قوله تعالى:
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى:11].
الثامن: أنه منصوب نعتاً لمفعولٍ به مقدر، والناصب لذلك المحذوف مقدرٌ أيضاً لدلالة لفظ "النَّذِير" عليه، أي: أنذركم عذاباً مثل العذاب المنزَّل على المقتسمين، وهم قوم صالحٍ، أو قريش، قاله أبو البقاء ـرحمه الله ـ وكأنه فرَّ من كونه منصوباً بلفظ "النَّذير" كما تقدَّم من الاعتراض البصريّ.
وقد ردَّ ابن عطية على القول السادس بقوله: والكاف في قوله: "كَمَا" متعلقة بفعلٍ محذوفٍ، تقديره: وقل إنِّي أنا النذير المبين عذاباً كما أنزلنا، فالكاف: اسم في موضعِ نصبٍ، هذا قول المفسِّرين.
وهو غير صحيح؛ لأنَّ: "كما أنزلنا" ليس ممَّا يقوله محمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ بل هو من كلام الله ـ تعالى ـ فيفصل الكلام، وإنَّما يترتب هذا القول بأن يقدر أن الله ـ تعالى ـ قال له: أنذر عذاباً كما.
والذي أقول في هذا المعنى: "وقل إنّي أنا النذيرُ المبين كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك".
ويحتمل أن يكون المعنى: وقل: إنِّي أنا النذيرُ المبينُ، كما قد أنزلنا في الكتب أنَّك ستأتي نذيراً على أن المقتسمين، هم أهل الكتاب، وقد اعتذر بعضهم عمَّا قاله أبو محمد فقال: الكاف متعلقة بمحذوف دلَّ عليه المعنى، تقديره: أنا النذير بعذاب مثل ما أنزلنا، وإن كان المنزل الله، كما تقول بعض خواصِّ الملكِ: أمرنا بكذا، وإن كان الملك هو الآمرُ.
وأما قول أبي محمدٍ: "وأنزلنا عليهم، كما أنزلنا عليك"؛ كلامٌ غير منتظم، ولعلَّ أصله: وأنزلنا عليك كما أنزلنا عليهم:، كذا أصلحه أبو حيان. وفيه نظر، كيف يقدر ذلك، والقرآن ناطق بخلافه، وهو قوله: {عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ}.
التاسع: أنه متعلق بقوله: "لنَسَألنَّهُمْ" تقديره: لنسألنَّهم أجمعين، مثل ما أنزلنا.
العاشر: أنَّ الكاف مزيدة، تقديره: أنا النذير ما أنزلناه على المقتسمين.
ولا بد من تأويل ذلك على أنَّ "ما" مفعولٌ بـ"النذير" عند الكوفيين، فإنَّهم يعملون الوصف للموصوف، أو على إضمار فعل لائقٍ أي: أنذركم ما أنزلناه كما يليق بمذهب البصريين.
الحادي عشر: أنه متعلق بـ"قل"، التقدير: وقل قولاً كما أنزلنا على المقتسمين أنك نذير لهم، فالقول للمؤمنين في النَّذارةِ كالقول للكفَّار المقتسمين؛ لئلا يظنُّوا أنَّ إنذارك للكفار مخالف لإنذار المؤمنين، بل أنت في وصف النذارة لهم بمنزلة واحدة، تنذر المؤمن، كما تنذر الكافر، كأنه قال: أنا النذيرُ لكم، ولغيركم.
فصل
قال ابن عبَّاسِ ـ رضي الله عنهما ـ: المقتسمون: هم الَّذينَ اقتسموا طرق مكَّة يصدُّون النَّاس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرب عددهم من أربعين.
وقال مقاتل بن سليمان ـرحمه الله ـ: كانوا ستَّة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيَّام الموسم، فاقتسموا شعاب مكَّة، وطرقها يقولون لمن سلكها: لا تغتروا بالخارج منَّا، والمدعي للنبوَّة، فإنه مجنونٌ، وكانوا ينفِّرُونَ النَّاس عنه بأنه ساحرٌ، أو كاهنٌ، أو شاعرٌ، فطائفة منهم تقول: ساحرٌ، وطائفة تقول: إنه كاهنٌ، وطائفة تقول: إنه شاعرٌ، فأنزل الله عز وجل بهم خزياً؛ فماتوا أشدَّ ميتة.
وروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنهم اليهود، والنصارى {جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ} جزءوه أجزاء، فآمنوا بما وافق التَّوراة، وكفروا بالباقي.
وقال مجاهد: قسموا كتاب الله ـ تعالى ـ ففرقوه، وبدلوه.
وقيل: قسَّموا القرآن، وقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: كذبٌ، وقال بعضهم: أساطير الأوَّلينَ.
وقيل: الاقتسام هو أنهم فرَّقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: شاعرٌ، وقال بعضهم: كاهنٌ.
قوله: {ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ} فيه أوجه:
أظهرها: أنه نعت لـ "المُقْتَسمِينَ".
الثاني: أنه بدلٌ منه.
الثالث: أنه بيانٌ.
الرابع: أنه منصوبٌ على الذَّمِّ.
الخامس: أنه خبر مبتدأ مضمرٍ.
السادس: أنه منصوب بـ"النَّذيرُ المبِينُ" كما قاله الزمخشريُّ.
وهو مردود بإعمال الوصف بالموصوف عند البصريين كما تقدَّم.
و"عِضِينَ" جمع عِضَة، وهي الفرقة، والعِضِين: الفِرَق، وتقدم معنى جعله القرآن كذلك، ومعنى العِضَة: السِّحر بلغة قريش، يقولون: هو عَاضهُ، وهي عَاضِهَة، قال: [المتقارب]

3292ـ أعُوذُ بِربِّي مِنَ النِّافِثَاتِ في عُقَدِ العَاضِهِ المُعْضهِ

وفي الحديث: "لَعنَ اللهُ العَاضِهةً والمُسْتعضِهَة" ، أي السَّاحرة، والمُسْتسْحِرَة وقيل: هو من العضه، وهو: الكذب، والبهتان، يقال: عَضَهَهُ عَضْهاً، وعضيهةً، أي: رماه بالبهتان، وهذا قول الكسائيرحمه الله تعالى.
وقيل: هو من العِضَاه، وهو شجر له شوكٌ مؤذٍ، قاله الفرَّاء.
وفي لام "عِضَة" قولان يشهد لكلِّ منهما التصريف:
الأول: الواو، لقولهم: عِضَوات، واشتقاقها من العضوِ؛ لأنَّه جزء من كل كلمةٍ ولتصغيرها على "عُضَيَّة".
الثاني: الهاء، لقولهم: عُضَيْهَة، وعَاضَة، وعَاضِهَة، وعِضَة، وفي الحديث
"لا تَعْضِية في مِيراثٍ" ، وفسِّر: بأن لا تفريق فيما يضر بالورثة تفريقه كسيفٍ يكسر نصفين فينقص ثمنه.
وقال الزمخشريُّ: "عِضِينَ": أجزاء، جمع عِضَة، وأصلها عِضْوَة، فعلة من عضَّى الشاة، إذا جعلها أعضاءِ؛ قال: [الزاجر]

3293ـ وليْسَ دِينُ اللهِ بالمُعَضَّى

وجمع "عِضَة" على "عِضِين"، كما جمع سنة، وثبة، وظبة وبعضهم يجري النون بالحركات مع التاء، وقد تقدم تقرير ذلك، وحينئذ تثبت نونه في الإضافة، فيقال: هذه عضينك.
وقيل: واحد العِضِين: عِضَةٌ، وأصلها: عِضْهَةٌ، فاستثقلوا الجمع بين هاتين، فقالوا: عِضَةٌ، كما قالوا: شَفَةٌ، والأصل: شَفْهَةٌ، بدليل قولهم: شافهنا.
قوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} يحتمل أن يعود الضمير إلى المقتسمين؛ لأن الأقرب، ويحتمل أن يعود إلى جميع المكلفين، لأنَّ ذكرهم تقدَّم في قوله تعالى: {وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} أي: لجميع [الخلائق].
{عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال القرطبي: في البخاري: قال عدَّة من أهل العلم في قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} عن لا إله إلا الله.
فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} وبين قوله:
{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ } [الرحمن:39].
فأجابوا بوجوه:
أولها: قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: لا يسألون سؤال استفهامٍ؛ لأنه تعالى عالم بكلِّ أعمالهم، بل سؤال تقريع، فيقال لهم: لم فعلتم كذا؟.
وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد من قوله:
{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ } [الرحمن:39] سؤال استفهام، لما كان في تخصيص هذا النفي بقولهم "يَومئِذٍ" فائدة؛ لأنَّ مثل هذا السؤال على الله محالٌ في كلِّ الأوقات.
وثانيها: أنه يصرف النفي إلى بعض الأوقات، والإثبات إلى وقت آخر؛ لأنَّ يوم القيامة، يوم طويل، وفيه مواقف يسألون في بعضها، ولا يسألون في بعضها، قاله عكرمة عن ابن عباس ونظيره قوله تعالى:
{ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } [المرسلات:35]، وقال في آية أخرى: { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [الزمر:31].
ولقائلٍ أن يقول: قوله:
{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ } [الرحمن:39] الآية: تصريحٌ بأنه لايحصل السؤال في ذلك اليوم، فلو حصل السؤال في جزء من أجزاء اليوم، لحصل التَّناقض.
وثالثها: أن قوله:
{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ } [الرحمن:39] تفيد الآية النَّفي، وفي قوله {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ} يعود إلى المقتسمين، وهذا خاص فيقدم على العام.
قوله: {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} أصل الصَّدع: الشَّقُّ، صدعته فانصدع، أي: شَقَقتهُ، فانْشَقّ.
قال ابن السكِّيت: الصَّدعُ في اللغة: الشَّقٌّ، والفصل؛ وانشد لجرير: [البسيط]

3294ـ هذَا الخَليفَةُ فارضَوْا ما قَضَى لَكُمُ بالحَقِّ يَصْدعُ ما فِي قَولهِ جَنَفُ

ومنه التفرقة أيضاً؛ كقوله: { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } [الروم:43] وقال: [الوافر]

3295ـ..................... كَأنَّ بَياضَ غُرَّتهِ صَدِيعُ

والصَّديعُ: ضوءُ الفجر لانشقاقِ الظُّلمةِ عنه، يقال: انْصدعَ، وانْفلقَ، وانْفجرَ، وانْفطرَ الصُّبحُ، ومعنى "فَاصدَعْ" فرق بني الحقِّ والباطلِ وافْصِلْ بينهما.
وقال الراغب: الصَّدعُ: الشقُّ في الأجسام الصَّلبةِ كالزجاج، والحديد، وصدّعته بالتشديد، فتصدع وصَدعتهُ بالتخفيف، فانْصَدعَ، وصَدْعُ الرأس لتوهُّم الانشقاق فيه، وصدع الفلاة، أي: قطعها، من ذلك، كأنَّه توهم تفريقها.
ومعنى "فاصْدَعُ" قال ابن عبَّاسٍ ـ رضي الله عنه ـ: أظهر.
وقال الضحاك: أعلم. وقال الأخفش: فرِّق بين الحقِّ والباطل، وقال سيبويه: اقْضِ.
و"مَا" في قوله "بِمَا تُؤمَرُ" مصدرية، أو بمعنى الذي، والأصل تؤمر به، وهذا الفعل يطرد حذف الجار معه، فحذف العائد فصيح، وليس هو كقولك: جَاءَ الذي مررتُ، ونحوه: [البسيط]

3296ـ أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أمِرْتَ بِهِ ..............................

والأصل: بالخَيْرِ.
وقال الزمخشريُّ: "ويجوز أن تكون "مَا" مصدرية، أي: بأمرك مصدر مبنيّ للمفعول" انتهى.
وهو كلامٌ صحيحٌ، والمعنى: فاصدع بأمرك، وشأنك.
قالوا: وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزلت هذه الآية.
ونقل أبو حيَّان عنه أنه قال: ويجوز أن يكون المصدر يراد به "أنْ"، والفعل المبني للمفعول.
ثم قال أبو حيان: "والصحيح أنَّ ذلك لا يجوز". قال شهابُ الدين: الخلاف إنَّما هو في المصدر، والمصرح به هل يجوز أن ينحل بحرف مصدري، وفعل مبني للمفعول أم لا يجوز؟ خلاف المشهور، أمَّا أنَّ الحرف المصدري هل يجوز فيه أن يوصل بفعلٍ مبني للمفعولٍ، نحو: يعجبني أن يكرم عمرو أم لا يجوز؟ فليس محل النِّزاع.
ثم قال تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ}، أي لا تبال عنهم، ولا تلتفت إلى لومهم إيَّاك على إظهار الدَّعوة.
قال بعضهم: هذا منسوخٌ بآية القتال، وهو ضعيف؛ لأنَّ معنى هذا الإعراض ترك المبالاة، فلا يكون منسوخاً.
قوله: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ} يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، ولا تخف أحداً غير الله، فإن الله كافيك أعداءك كما كفاك المستهزيئن، وهم خمسة نفرٍ من رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة المخزوميُّ، وكان رأسهم، والعاص بن وائلٍ [السهمي]، والأسود بن عبدالمطلب بن الحرث بن أسد بن عبدالعزى أبو زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه، فقال: "اللَّهُمَّ أعْمِ بصَرهُ، وأثْكلهُ بِولَدهِ"، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد منافٍ بن زهرة، والحرث بن قيس بن الطلالة؛ فأتى جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم والمستهزءون يطوفون بالبيت، فقام جبريل ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمرّ به الوليد بن المغيرة، فقال جبريل ـ عليه السلام ـ: يا محمد: كيف تجدُ هذا؟ قال: "بئس عبدالله" قال: قد كَفَيْتُكَه، وأؤْمَأ إلى ساق الوليد، فمرَّ برجلِ من خزاعة نبَّال يَرِيشُ نَبْلاً، وعليه برد يمان، وهو يهز إزاره، فتعلَّقت شظية نبلٍ بإزاره، فمنعه الكبرُ أن يتطامن، فينزعها، وجعلت تضربُ ساقه؛ فخدشته فمرض منها حتَّى مات. ومرَّ به العاص بن وائلٍ، فقال جبريلُ: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بِئْسَ عبد الله، فأشار جبريل ـ عليه السلام ـ إلى أخْمَصِ رجليه، وقال: قد كفيتكه، فخرج على راحلته، ومعه ابنان له يتنزَّه؛ فنزل شِعْباً من تلك الشِّعاب، فوطىء على شبرقة، فدخلت شوكة في أخمص رجله، فقال: لُدِغْتُ لُدِغْتُ؛ فطلبوا، فلم يجدوا شيئاً، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه.
ومرّ به مربد بن الأسود بن المطلب، فقال جبريل: كيف تجدُ هذا يا محمَّد؟ قال: "عَبْدُ سوءٍ"، فأشار بيده إلى عينيه، وقال: قد كَفَيْتُكَهُ، فعمي.
قال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: رماه جبريل بورقةٍ خضراء؛ فذهب بصره، ووجعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتَّى هلك، ومرَّ به الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل ـ عليه السلام ـ: كَيْفَ تَجِدُ هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله على أنه [ابن] خالي، فقال جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ: قد كفيتكه فأشار إلى بطنه فاستسقى فمات، ومرَّ به الحارث بن قيسٍ، فقال جبريل ـ عليه السلام ـ كيف تجد هذا يا محمَّد؟ صلوات الله وسلامه عليك ـ، قال: عَبدُ سُوءٍ فأومأ، فامتخط قيحاً؛ فمات.
قيل: استهزاؤهم، واقتسامهم أنَّ الله ـ تعالى ـ لمّا أنزل في القرآنِ سورة البقرةِ، وسورة النحل، وسورة العنكبوت، كانوا يجتمعون، ويقولون استهزاء، يقول هذا إلى سورة البقرة، ويقول هذا إلى سورة النحل، ويقول هذا إلى سورة العنكبوت فأنزل الله تعالى: {نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}.
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: فصلّ بأمر ربك: "وكُنْ مِنَ السَّاجدِينَ" المصلين [المتواضعين].
قال ابن العربي "ظنَّ بعض الناس أنَّ المراد هنا بالسجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس ـ طهره الله تعالى ـ يسجدُ في هذا الموضع، وسجدت معه فيها، ولم يره [جماهير] العلماء".
قال [القرطبي]، وقد ذكر أبو بكر النقاش أنَّ ههنا سجدة عند أبي حذيفة ـ رضي الله عنه ـ ويمان بن رئاب، ورأى أنها واجبة، قال العلماء: إذا أنزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى [الطاعات] وروي أن رسول الله صلى لله عليه وسلم
"كَانَ إذا حَزبه أمْرٌ فَزع إلى الصَّلاةِ" .
{وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} قال ابن عباسٍ ـ رضي الله عنهما ـ: يريد الموت؛ لأنه أمر متيقن.
فإن قيل: فأيُّ فائدة لهذا التَّوقيت مع أنَّ كلَّ واحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟.
فالجواب: المراد: "واعبد ربَّك" في جميع زمان حياتك، ولا تخل لحظة من لحظات الحياة من العبادة.
روى أبيُّ بن كعب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ قَرَأ سُورة الحِجْرِ كان لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسناتٍ بِعدَدِ المُهَاجرِينَ والأنْصارِ والمُسْتَهزِئينَ بمُحمَّدٍ" صلّى الله عليه وسلّم وشرَّف، وبجَّل، ومجَّد، وعظَّم.