خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ
٧٦
وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ
٧٧
-الأنبياء

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ} الآية. في نصب "نوحاً" وجهان:
أحدهما: أنه منصوب عطفاً على "لوطاً" فيكون مشتركاً معه في عامله الذي هو "آتَيْنَا" المفسر بـ "ءَاتَيْنَاهُ" الظاهر، وكذلك "دَاودَ وَسُلَيْمَانَ" والتقدير: وَنُوْحاً آتيناه حُكْماً وداود وسليمان آتيناهما حكماً، وعلى هذا فـ "إذْ" بدل من "نُوحاً" ومن "داود وسليمان" بدل اشتمال، وتقدم تحقيق مثل هذا في طه.
الثاني: أنه منصوب بإضمار (اذكر)، أي: اذكر نوحاً وداود وسليمان أي: اذكر خبرها وقصتهم، وعلى هذا فيكون "إذْ" منصوبة بنفس المضاف المقدر، أي: خبرهم الواقع في وقت كان كيت وكيت.
وقوله: "مِن قَبْلُ" أي: من قبل هؤلاء المذكورين.
فصل
المراد من هذا النداء: دعاؤه على قومه بالعذاب، ويدل على ذلك قوله:
{ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } [القمر: 10]، وقوله: { رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً } [نوح: 26] ويؤكده قوله تعالى "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ"فَنَجَّيْنَاهُ"، يدل على ذلك أنَّ نداءه ودعاءه كان بأن ينجيه مما يلحقه من جهتهم من الأذى بسبب تكذيبهم وردهم عليه واتفق المحققون على أنَّ ذلك النداء كان بأمر الله، لأنَّه لو لم يكن بإذنه لم يؤمن أن يكون المصلحة أن لا يجاب إليه، فيصير ذلك سبباً لنقصان حال الأنبياء. وقال آخرون: لم يكن مأذوناً له في ذلك. قال أبو أمامة: لم يتحسر أحد من خلق الله كحسرة آدم ونوح - عليهما السلام - فحسرة آدم على قبول وسوسة إبليس، وحسرة نوح على دعائه على قومه فأوحى الله إليه أن دعوتك وافقت قدرتي قوله: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ ٱلْكَرْبِ ٱلْعَظِيمِ} المراد بالأهل هنا أهل دينه قال ابن عباس: المراد {مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ} من الغرق وتكذيبه قومه وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عُمراً وأشدَّهُمْ بلاءً، والكرب أشد الغم.
قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلقَوْمِ} فيه أوجه:
أحدها: أن يُضمن "نَصَرْنَاهُ" معنى منعناه وعصمناه، ومثله
{ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ } [غافر: 29] فلما تضمن معناه تعدى تعديته.
والثاني: أنَّ (نصر) مطاوعه (انتصر) فتعدى تعدية ما طاوعه، قال الزمخشري هو نصر الذي مطاوعه انتصر، وسمعت هذلياً يدعو على سارق اللهم انصرهم منه أي: اجعلهم منتصرين منه. ولم يظهر فرق بالنسبة إلى التضمين المذكور فإن معنى قوله: منتصرين منه أي: ممتنعين أو معصومين منه.
الثالث: أن "مِنْ" بمعنى "عَلَى" أي: على القوم، (وقرأ أبي "ونَصَرْنَاهُ عَلَى القَوْمِ"). قال المبرد: ونصرناه من مكروه القوم.
قال تعالى:
{ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ ٱللَّهِ } [غافر: 29]. والمعنى منعناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا أن يصلوا إليه بسوء {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ} لتكذيبهم له وردهم عليه {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} فخلصه منهم بذلك.