خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ
٥١
وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ
٥٢
فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
٥٣
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ
٥٤
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ
٥٥
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ
٥٦
-المؤمنون

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} الآية.
اعلم أنَّ هذا خطاب مع كل الرسل، وذلك غير ممكن، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأوّلوه على وجوه:
فقيل: معناه الإعلام بأن كلّ رسول نُودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه.
وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً - عليه السلام - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد: أيُّها القوم كُفُّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي "أنّ عيسى عليه الصلاة والسلام كان يأكل من غزل أمه".
والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه
"روي عن أم عبد الله أخت شدّاد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم فردّه الرسول إليها وقال: من أين لَكِ هذا؟، فقالت: من شاةٍ لي، فقال: من أين هذه الشاة؟، فقالت: اشتريتُها بِمَالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لِمَ رَدَدته؟ فقال - عليه السلام -: بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلاّ طيباً ولا تعمل إلاّ صالحاً" .
واختلفوا في الطيّب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من المأكل.
قوله: {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} يجوز أن يكون "صالحاً" نعتاً لمصدر محذوف أي: واعملوا عملاً صالحاً من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: يُعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولاً به، وهو واقع على نفس المعمول. {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان تحذيراً للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى.
قوله: {وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} قرأ ابن عامر وحده "وأن هذه" بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. والباقون بفتحها والتثقيل. فأمّا قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته.
وأمّا قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف.
وأمّا قراءة الباقين ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّها على حذف اللام أي: ولأنّ هذه، فلمّا حذف حرف الجَرّ جَرَى الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق بـ "اتّقون". والكلام في الفاء كالكلام في قوله:
{ وَإِيَّايَ فَارْهَبُون } [البقرة: 40].
الثاني: أنها منسوقة على "بِمَا تَعْمَلُون" أي: إنِّي عليم بما تعملون وبأنّ هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم.
الثالث: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم.
وتقدّم {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً} وما قيل فيها.
فصل
المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمةً واحدةً، أي: ملة واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لمّا كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟
فالجواب: أنّ المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يُسمّى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هنا.
وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد.
{وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} فاحذرون، {فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} أي: تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً، ونصارى، ومجوساً. "زُبُراً" أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها (زَبُور)، وهو الفرقة والطائفة، ومثلها "الزُّبْرَة" وجمعها "زُبَر" ومنه
{ زُبَرَ الحَدِيدِ } [الكهف: 96].
وقرأ بعض أهل الشام: "زُبَراً" بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة "زُبراً" أي: كتباً، أي: دان كلّ فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر.
وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرّفوا البعض {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} بما عندهم من الدين معجبون مسرورون.
ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ} وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار في جهلهم.
قوله: "في غَمْرتِهِمْ" مفعول ثان لـ "ذَرْهُمْ" أي: اتركهم مستقرين "في غَمْرَتِهِمْ" ويجوز أن يكون ظرفاً للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يَغْمُر الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلانٌ في غمرة والمادة تدل على الغطاء والاستتار ومنه الغُمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغُمَار الناس وخمارهم زحامهم، والغِمْر - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلاً لما هم فيه من جهلهم وعَمَايَتِهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لِمَا هُمْ عليه من الباطل كقوله:

3800- كَأَنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِب

وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن "غمراتهم" بالجمع، لأنَّ لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم جنس مضاف.
قوله: "حَتَّى حِين" أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: إلى حين العذاب. ولمّا كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أنّ تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبيّن سبحانه أنّ الأمر بخلاف ذلك فقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} أي: أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا لـ {نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدّمها ثواباً بأعمالهم لمرضاتنا عنهم {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أنّ ذلك استدراج لهم.
قوله: "أَنَّما نُمِدُّهُمْ" في "مَا" ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أنَّ) و(نُمِدُّهُمْ بِهِ) صلتها وعائدها محذوف، و(مِنْ مَالٍ) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، و(نُسَارعُ) خبر (أنَّ) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أنَّ) محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أنّ حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم "أنَّ" هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: "في الخَيْرَاتِ"، إذ الأصل نُسَارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات، وهذا يتمشّى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأوَّل، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدّمت منه أمثلة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (مِنْ مَالٍ)، لأنه (إذا) كان من مال فلا (يعاب عليهم ذلك، وإنّما) يُعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خيرٌ لهم.
الثاني: أن تكون (ما) مصدرية فَيَنْسَبِك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم (أنّ)، و"نُسَارع" هو الخبر، وعلى هذا فلا بدّ من حذف (أنْ) المصدرية قبل "نُسَارعُ"، ليصح الإخبار، تقديره: أن نُسَارعَ. فلمّا حذفت (أنْ) ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةً مِنَّا لهم في الخيرات.
الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف على (وَبَنِينَ)، لأنّه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه نحو: حسبتُ إنّما ينطلق عمرو وإنّما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: "إِنَّمَا" بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصاراً واختصاراً. وابن كثير في رواية "يَمدُّهُمْ" بالياء، وهو الله تعالى، وقياسه أن يقرأ "يُسَارع" أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة "يُسَارع" بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان:
أحدهما: الباري تعالى.
والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي)، أو على المصدر إن جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون "يُسَارعُ لَهُمْ" الخبر. فعلى الأوّل يحتاج إلى تقدير عائد أي: يُسَارعُ الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة.
وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضاً "يُسَارع" بالياء مبنياً للمفعول و"في الخَيْرَاتِ" هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أنّ) والعائد محذوف على ما تقدّم.
وقرأ الحسن: "نُسْرِعُ" بالنون من أسْرَعَ، وهي كـ "نُسَارع" فيما تقدم. و{بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبيّ من الأنبياء:
"أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له منّي، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهي أقرب له منّي" ثم تلا {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ}.