خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ
٤٧
وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ
٤٨
وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ
٤٩
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ
٥٠
-النور

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} الآية.
لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالذنب بألسنتهم ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهودياً في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإن محمداً يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية. وقد مضت قصتها في سورة "النساء".
وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل، كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض تقاسماها، فوقع إلى عليّ ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة، فقال المغيرة: بعني أرضك. فباعها إياه، وتقابضا. فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء فقال لعلي: اقبض أرضك، فإنما اشتريتها إن رضيتها، ولم أرضها. فقال علي: بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها، لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال المغيرة: أما محمد فلا آتيه ولا أحاكم إليه، فإنه يبغضني، وأنا خاف أن يحيف علي، فنزلت الآية.
وقال الحسن: نزلت هذه في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.
فصل
المعنى: {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} يعني: المنافقين يقولونه، "ثُمَّ يَتَوَلَّى" يعرض عن طاعة الله ورسوله {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد قولهم: آمَنَّا، ويدعو إلى غير حكم الله، ثم قال: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ}.
فإن قيل: إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون: "آمَنَّا" ثم حكى عن فريق منهم التولي، فكيف يصح أن يقول في جميعهم: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} مع أن المتولي فريق منهم؟
فالجواب: أن قوله: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى، وأيضاً فلو رجع إلى الأولى لصح، ويكون معنى قوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} أي: يرجع هذا الفريق إلى الباقين فيظهر بضهم لبعض الرجوع، كما أظهروه، ثم بين تعالى أنهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرضُونَ، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول لقوله تعالى: {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} منقادين لحكمه، أي: إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لتيقنهم أنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضاً بالحق، وهذا يدل على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكوا. فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض وسارعوا إلى الحكم وأذعنوا (ببذل الرضا).
قوله: "ليَحْكُم" أفرد الضمير وقد تقدَّمه اسمان وهما: "اللَّهُ ورَسُولُهُ" فهو كقوله:
{ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } [التوبة: 62] لأنَّ حكم رَسُولِهِ هو حُكْمُهُ. قال الزمخشري: كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَكَرَمُهُ، أي: كَرَمُ زَيْدٍ، ومنه:

3846- وَمَنْهَلٍ مِنَ الفَيَافِي أَوْسَطُهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطَا وفَرَطُهْ

أي: قبل فَرطِ (القطا) يعني: قبل تقدَّم القطا. وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن إلياس والحسن: "ليُحْكَمَ بَيْنَهُمْ" هنا، والتي بعدها مبنياً للمفعول، والظرف قائم مقام الفاعل.
قوله: "إذا فَرِيقٌ"إذَا" هي الفجائية، وهي جواب "إذَا" الشرطية أولاً وهذا أحد الأدلة على منع أن يعمل في "إذا" الشرطية جوابها، فإن ما بعد الفجائية لا يعمل فيما قبلها، كذا ذكره أبو حيان، وتقدم تحرير هذا وجواب الجمهور عنه.
قوله: "إلَيْهِ" يجوز تعلقه بـ "يَأْتوا"، لأنَّ "أَتَى" و"جَاءَ" قد جاءا مُعَدَّيَيْن بـ "إلى"، ويجوز أن يتعلق بـ "مُذْعِنِينَ" لأنه بمعنى: مسرعين في الطاعة. وصححه الزمخشري، قال: لتقدُّم صلته، ولدلالته على الاختصاص، و"مُذْعِنِينَ" حال والإذعان: الانقياد، يقال: أَذْعَنَ فلانٌ لفلان، انقَادَ لَهُ. وقال الزجاج: "الإذْعَانُ: الإسراع مع الطاعة".
قوله: {أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ}. "أَمْ" فيهما منقطعة، فتقدر عند الجمهور بحرف الإضراب وهمزة الاستفهام، تقديره: بل أَرْتَابُوا بل أَيَخَافُونَ، ومعنى الاستفهام هنا: التقرير والتوقيف، ويبالغ فيه تارة في الذم كقوله:

3847- أَلَسْتَ مِنَ القَوْم الَّذِينَ تَعَاهَدُوا عَلَى اللُّؤمِ وَالفَحْشَاءِ في سَالِفِ الدَّهْرِ

وتارة في المدح كقول جرير:

3848- أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايا وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ

و"أَنْ يَحِيفَ" مفعول الخوف والحوف: الميل والجور في القضاء، يقال: حاف في قضائه، أي: (مال).
فصل
قوله {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} نفاق "أَم ارْتَابُوا" شكوا، وهو استفهام ذم وتوبيخ، أي هم كذلك، {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} أي: يظلم {بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، لأنفسهم بإعراضهم عن الحق.
قال الحسن بن أبي الحسن: من دعا خصمه إلى حكم من أحكام المسلمين فلم يجب، فهو ظالم فإن قيل: إذا خافوا أن يحيف الله عليهم ورسوله فقد ارتابوا في الدين، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض، فالكل واحد، فأي فائدة في التعديد؟
فالجواب: قوله: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} إشارة إلى النفاق، وقوله: "أَم ارْتَابُوا" إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه. فإن قيل: هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة، فكيف أدخل عليها كلمة "أم"؟
فالجواب الأقرب أنه تعالى أنبههم على كل واحدة من هذه الأوصاف، فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق، وكان فيها شك وارتياب، وكانوا يخافون الحيف من الرسول، وكل واحد من ذلك كفر ونفاق، ثم بين تعالى بقوله: {بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} بطلان ما هم عليه، لأن الظلم يتناول كل معصية، كما قال تعالى:
{ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13].