خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٦
وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
٧
وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ
٨
وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٩
وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
١٠
-النور

اللباب في علوم الكتاب

قال ابن عباس: لما نزل قوله: { وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ } [النور: 4] قال عاصم بن عدي الأنصاري: "إنْ دخل رجلٌ منا بيته فرأى رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت عن غيظ، اللهم افتح. وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له: عُوَيْمِر، وله امرأة يقال لها: خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً فقال: لقد رأيت شريك بن سَحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما ذاك؟ فقال: أخبرني عويمر ابن عمي أنه رأى شريك بن سحماء على بطن امرأته خولة، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم جميعاً، فقال لعويمر: اتقِ اللَّهَ في زوجتكِ وابنة عمك، ولا تقذفها فقال: يا رسول الله، تالله لقد رأيت شريكاً على بطنها، وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غَيري. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتّقي اللَّهَ ولا تخبرِي إلا بما صنعتِ فقالت: يا رسول الله، إن عويمر رجلٌ غيور، وإنه رأى شريكاً يطيل النظر ويتحدث، فحملته الغيرة على ما قال، فأنزل الله هذه الآية، فأمر رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) بأن يؤذَّن: الصلاة جامعة، فصلى العصر ثم قال لعُوَيْمِر: قم وقل: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية: أشهد أني رأيت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة: أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمنَ الصادقين، ثم قال في الرابعة قل أشهد بالله أنها زانية وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عُوَيْمِر (يعني: نفسه) إن كان من الكاذبين. ثم قال: اقعد، وقال لخولة: قومي، فقامت وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي لمن الكاذبين، وقالت في الثانية: أشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة: أشهد بالله ما أنا حُبْلى منه وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الرابعة: اشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه من الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عُوَيْمر من الصادقين في قوله، ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما" .
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس "أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بشريك بن سحماء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: البينة وإلا حدٌّ في ظهرك. فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: البينَةُ وإلاَّ حَدٌّ في ظهْرِك. فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل - عليه السلام - وأنزل عليه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} فقرأ حتى بلغ {إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟. ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة.
قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، حدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء. فجاءت به كذلك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لَوْلاَ مَا مَضَى من كتابِ الله - عزَّ وجلَّ - لكانَ لِي ولَهَا شَأْن"
.
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: "لما نزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ...} الآية قال سعد بن عبادة: لو أتيت لَكَاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلاَ تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ.
قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، ولا طلق امرأة له واجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت من ذلك، فقال عليه السلام: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْبَى إِلاَّ ذلك. فقال: صدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له: هلال بن أمية (من حديقة له)، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فرأى رجلاً مع امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس مع أصحابه، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاءً فوجدتُ رجلاً مع امرأتي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جاء به وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم إني لصادق، وما قلت إلا حقاً، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجاً، فهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضربه، قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، يُجْلَد هلال وتبطل شهادته، فإنهم لكذلك ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله: وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ... إلى آخر الآيات. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبشر يا هلال، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ فَرَجاً. فقال: كنت أرجو ذلك من الله - عزَّ وجلَّ - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرسلوا إلَيْها فجاءت فكذبت هلال. فقال عليه السلام: اللَّه يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُما كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ وأمر بالملاعنة، وشهد هلال أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقال عليه السلام له عند الخامسة: اتَّقِ اللَّهَ يَا هلالُ، فإنَّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة. فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله، وشهد الخامسة: أنَّ لعنةَ الله عليه إِنْ كَانَ مِنَ الكاذِبين، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتشهدين؟ فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، ثم قال لها عند الخامسة ووقفها: اتقي الله فإنها الخامسة الموجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس. فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كانَ من الصَّادقين. ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لأب، ولا يرمى ولدها، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِلَّذِي قِيلَ فِيهِ. فجاءت به غلاماً كأنه جمل أورق، على التشبيه المكروه، وكان بعد أميراً بمصر ولا يدرى من أبوه"
.
فصل
إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة، والتعزير إن لم تكن محصنة، كما في رمي الأجنبي، إلا أن قذف الأجنبي لا يسقط الحد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف، أو ببينة أربعة شهداء على الزنا.
وفي قذف الزوجة يسقط الحد عنه بأحد هذين الأمرين وباللعان.
وإنما اعتبر الشارع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات، لأنه لا معيرة عليه في زنا الأجنبية، والأولى له سترة. وأما في الزوجة فيلحقه العار والنسب الفاسد، فلا يمكنه الصبر عليه.
فصل
إذا قذف زوجته ونكل عن اللعان لزمه حد القذف، فإذا لاَعَن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا. وقال أبو حنيفة: يجلس الناكل منهما حتى يلاعن.
حجة القول الأول: قوله تعالى:
{ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } [النور: 4] ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ...} الآية؛ فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد، فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد.
وأيضاً قوله: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} والألف واللام في "العَذَاب" للمعهود السابق وهو الحدّ، وليسا للعموم، لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب. ومما يدل على بطلان الحبس في حق المرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدُّوني، وإن كان كاذباً فخلوني. وليس حبس في كتاب الله وسنة رسوله ولا الإجماع ولا القياس. واحتج أبو حنيفة بأن المرأة ما فعلت سوى أنها تركت اللعان وهذا الترك ليس بينة على الزنا ولا إقراراً منها به، فوجب ألا يجوز رجمها لقوله عليه السلام:
"لا يَحلُّ دَمُ امرئٍ مُسْلِمٍ" الحديث. وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن، لأن لا قائل بالفرق. وأيضاً فالنكول بصريح الإقرار، فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره.
فصل
من صح يمينه صح لعانه، فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين، وكذا إذا كان أحدهما رقيقاً، أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية.
فإن قيل: اللعان شهادة، فوجب ألا يصح إلا من أهل الشهادة. وإنما قلنا: اللعان شهادة، لقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} فسمى اللعان شهادة كقوله:
{ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ } [البقرة: 282]، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهما باللعان بلفظ الشهادة ولم يقتصر على لفظ اليمين، وإذا ثبت أن اللعان شهادة وجب ألا تقبل من المحدودين في القذف لقوله: { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } [النور: 4]، وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة، أو لأنه لا قائل بالفرق.
فالجواب: أن اللعان ليس شهادة في الحقيقة، بل هو يمين مخصوصة، لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا تجوز شهادتهما فإن قيل: الفاسق والفاسقة قد يتوبان. قلنا: وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته.
فصل
قال عثمان البتي: إذا تَلاَعَنَ الزوجان لم تقع الفرقة، لأن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة، فلا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة، ولأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قوله، وهذا لا يوجب تحريماً، (ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريماً)، فإذا كان كاذباً والمرأة صادقة فأولى ألا يوجب تحريماً. وأيضاً لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة، فكذا عند الحاكم. وأيضاً فاللعان قائم مقام الشهود في قذف الأجنبيات، فكما أنه لا فائدة في إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد (فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد).
وأيضاً فلو أكذب الزوج نفسه في قذفة إياها ثم حُدَّ لم يوجب ذلك الفرقة، فكذا إذا لاَعَن، لأن اللعان قائم مقام درء الحد.
وأما تفريق النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة العجلاني، وكان قد طلقها ثلاثاً بعد اللعان فلذلك فرق بينهما.
وقال أصحاب الرأي: لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما، لما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ولأن في قصة عويمر أنهما لما فرغا قال: كذبتُ عليْهَا يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثاً، (فطلقها ثلاثاً) قبل أن يأمرهما، ولو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله: كذبت عليها إن أمسكتُها، لأن إمساكها غير ممكن، ولأن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم، فوجب ألا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم، كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم وقال مالك والليث وزفر: (إذا فرغا) من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم بينهما، لأنه لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا، بل فرق بينهما، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة.
وقال الشافعي: إذا أكمل الزوج الشهادة فقد زال فراش امرأته، ولا يحل له أبداً لقوله تعالى: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ... الآية}، فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج، ولأن لعان الزوج مستقلّ بنفي الولد، فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها.
فصل
في كيفية اللعان
وهو مذكور في الآية صريحاً. قال العلماء: يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له: إني أخاف إن لم تكن صادقاً. ويكون اللعان عند الحاكم، فإن كان بمكة كان بين المقام والركن، وإن كان بالمدينة عند المنبر، وبيت المقدس في مسجده، وفي المواضع المعظمة. ولعان المشرك في الكنيسة وأما في الزمان فيوم الجمعة بعد العصر، ولا بد من حضور جماعة، وأقلهم أربعة. وهذا التغليظ قيل: واجب. وقيل: مستحب.
فصل
معنى الآية: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} أي: يقذفون نساءهم {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ} يشهدون على صحة ما قالوا "إلاَّ أَنْفُسُهُمْ" أي: غير أنفسهم {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ}.
قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ}. في رفع "أنفسهم" وجهان:
أحدهما: أنه بدل من "شُهَدَاءُ"، ولم يذكر الزمخشري في غضون كلامه (غيره).
والثاني: أنه نعت له على أن "إلا" بمعنى: غير.
قال أبو البقاء: ولو قرئ بالنصب لجاز على أن يكون خبر "كانَ"، أو منصوباً على الاستثناء، وإنما كان الرفع هنا أقوى لأن "إلا" هنا صفة للنكرة كما ذكرنا في سورة الأنبياء.
قال شهاب الدين: وعلى قراءة الرفع يحتمل أن تكون "كان" ناقصة، وخبرها الجار، وأن تكون تامة، أي: ولم يوجد لهم شهداء.
وقرأ العامة "يَكُنْ" بالياء من تحت، وهو الفصيح، لأنه إذا أسند الفعل لما بعد "إلا" على سبيل التفريغ وجب عند بعضهم التذكير في الفعل نحو "ما قام إلا هند" ولا يجوز "ما قامت" إلا في ضرورة كقوله:

3815- وَمَا بَقِيَتْ إِلاَّ الضُّلُوعُ الجَرَاشِعُ

أو في شذوذ، كقراءة الحسن: {لاَ تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ}.
وقرئ: "وَلَمْ تَكُنْ" بالتاء من فوق، وقد عرف ما فيه.
قوله: "فَشَهَادةُ أَحَدِهِمْ" في رفعها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مبتدأ، وخبره مقدر التقديم، أي: فعليهم شَهَادة، أو مؤخر أي: فشهادة أحدهم كافية أو واجبة.
الثاني: أن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: فالواجب شهادة أحدهم.
الثالث: أن يكون فاعلاً بفعل مقدر، أي: فيكفي، والمصدر هنا مضاف للفاعل.
وقرأ العامة: "أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ" بالنصب على المصدر، والعامل فيه "شَهَادة". فالناصب للمصدر مصدر مثله كما تقدم في قوله:
{ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً } [الإسراء: 63]. وقرأ الأخوان وحفص برفع "أَرْبَعُ" على أنها خبر المبتدأ، وهو قوله: "فَشَهادةُ". ويتخرج على القراءتين تعلق الجار في قوله: "بِاللَّهِ".
فعلى قراءة النصب يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يتعلق بـ "شَهَادَاتٍ" لأنه أقرب إليه.
والثاني: أنه متعلق بقوله: "فَشَهَادَةُ" أي: فشهادة أحدهم بالله، ولا يضر الفصل بـ "أَرْبَعُ" لأنها معمولة للمصدر فليست أجنبية.
الثالث: أن المسألة من باب التنازع، فإن كلاًّ من "شَهَادَةُ" أو "شَهَادَاتٍ" يطلبه من حيث المعنى، وتكون المسألة من إعمال الثاني للحذف من الأول، وهو مختار البصريين وعلى قراءة الرفع يتعين تعلقه بـ "شَهَادَاتٍ" إذ لو علقت بـ "شَهَادةُ" لزم الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر، ولا يجوز أنه أجنبي.
ولم يختلف في "أَرْبَعَ" الثانية، وهي قوله: {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ} أنها منصوبة، للتصريح بالعامل فيها وهو الفعل.
قوله: "والخَامِسَةُ" اتفق السبعة على رفع "الخَامِسَةُ" الأولى، واختلفوا في الثانية: فنصبها حفص. ونصبهما معاً الحسن والسلمي وطلحة والأعمش.
فالرفع على الابتداء، وما بعده من "أَنَّ" وما في حيزها الخبر.
وأما نصب الأولى فعلى قراءة من نصب "أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ" يكون النصب للعطف على المنصوب قبلها. وعلى قراءة من رفع يكون النصب بفعل مقدر، أي: وتشهد الخامسة.
وأما نصب الثانية فعطف على ما قبلها من المنصوب وهو "أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ"، والنصب هنا أقوى منه في الأولى لقوة النصب فيما قبلها كما تقدم تقريره، ولذلك لم يختلف فيه.
وأما "أَنَّ" وما في حيزها فعلى قراءة الرفع يكون في محل رفع خبراً للمبتدأ كما تقدم، وعلى قراءة النصب يكون على إسقاط الخافض ويتعلق الخافض بذلك الناصب لـ "الخامسة" أي: ويشهد الخامسة بأنَّ لعنة الله، وبأن غضب الله وجوَّز أبو البقاء أن يكون بدلاً من "الخَامِسَة".
قوله: {أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}.
قرأ العامة بتشديد "أنَّ" في الموضعين.
وقرأ نافع بتخفيفها في الموضعين، إلا أنه يقرأ "غَضِبَ اللَّهُ" يجعل "غَضِبَ" فعلاً ماضياً، والجلالة فاعله، كذا نقل أبو حيان عنه التخفيف في الأولى أيضاً، ولم ينقله غيره. فعلى قراءته يكون اسم "أَن" ضمير الشأن في الموضعين، و"لَعنةُ اللَّهِ" مبتدأ و"عَلَيْهِ" خبرها، والجملة خبر "أَنْ"، وفي الثانية يكون "غَضِبَ اللَّهُ" جملة فعلية في محل خبر "أَنْ" أيضاً. ولكنه يقال: يلزمكم أحد أمرين: وهو إمَّا عدم الفصل بين المخففة والفعل الواقع خبراً، وإما وقوع الطلب خبراً في هذا الباب، وهو ممتنع.
تقرير ذلك: أن خبر (أنْ) المخففة متى كان فِعْلاً متصرفاً غير مقرون بـ "قَدْ" وجب الفصل بينهما بما تقدم في سورة المائدة.
فإن أجيب بأنه دعاء، اعترض بأن الدعاء طلب، وقد نصوا على أن الجمل الطلبية لا تقع خبراً لـ "أَنَّ"، حتى تأولوا قوله:

3816- إِنَّ الرِّياضَةَ لا تُنْصِبْكَ للشِّيْبِ

وقوله:

3817- إِنَّ الَّذِينَ قَتَلْتُمْ أَمْسِ سَيِّدَهُمْ لاَ تَحْسَبُوا لَيْلَهُمْ عَنْ لَيْلِكُمْ نَامَا

على إضمار القول.
ومثله:
{ أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ } [النمل: 8].
وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة والسُّلَمي وعيسى بتخفيف "أن" و"غَضَبُ الله" بالرفع على الابتداء، والجار بعده خبره، والجملة خبر "أَنْ".
وقال ابن عطية: و(أَنْ) الخفيفة على قراءة (نافع) في قوله: (أَنْ غَضِب) قد وليها الفعل. قال أبو علي: وأهل العربية يستقبحون أن يَلِيهَا الفعل، إِلاَّ أن يُفْصل بينها وبينه بشيء، نحو قوله:
{ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ } [المزمل: 20]، { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ } [طه: 89]، فأما قوله: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ } [النجم: 39] فذلك لقلة تمكن (ليس) في الأفعال، وأما قوله: { أَن بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ } [النمل: 8] و(بُورِكَ) في معنى الدعاء، فلم يجئ دخول الفاعل لئلا يفسد المعنى، فظاهر هذا أن (غَضِب) ليس دعاء، بل هو خبر عن {غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها}. والظاهر أنه دعاء كما أن (بُورِكَ) كذلك، وليس المعنى على الإخبار فيهما فاعتراض أبي علي وأبي محمد ليس بمرضي.
قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ}.
جواب: "لَوْلاَ" محذوف أي: لهلكتم أو لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان، {وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ} يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة "حَكِيمٌ" فيما فرض من الحدود.