خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١٥٤
-آل عمران

اللباب في علوم الكتاب

في نصب "أمَنَةً" أربعة أوجهٍ:
الأول: أنها مفعول "أنْزَلَ".
الثاني: أنها حال من "نُعَاساً" لأنها في الأصل - صفةٌ، فلما قُدِّمَتْ نُصِبت حالاً.
الثالث: أنها مفعولٌ من أجْله، وهو فاسدٌ؛ لاختلال شَرْطِهِ - وهو اتحادُ الفاعلِ - فإنّ فاعل "أنْزَلَ" غير فاعلِ الأمَنَةِ.
الرابع: أنه حالٌ من المخاطبين في "عَلَيْكُمْ" وفيه حينئذٍ - تأويلانِ:
إما على حَذْف مضافٍ - أي ذوي أمَنَةٍ - وإما أن يكون "أمَنَةً" جمع آمن، نحو بار وبَرَرَة، وكافر وكَفَرَة.
وألأما "نُعَاساً" فإن أعْرَبْنا "أمَنَةً" مفعولاً به كان بدلاً، وهو بدل اشتمالٍ؛ لأن كُلاًّ من الأمَنَةِ والنُّعَاسِ يشتملُ على الآخر، أو عطف بيان عند غير الجمهورِ؛ فإنهم لا يشترطون جريانه في المعارِفِ، أو مفعولاً من أجلِهِ، وهو فاسدٌ؛ لما تقدم وإن أعربنا "أمَنَةً" حالاً، كان "نُعَاساً" مفعولاً بـ "أنزَلَ" و "أنْزَلَ" عطف على "فأثَابَكُمْ" وفاعله ضمير اللهِ تَعَالى، و "أل" في "الْغَمِّ" للعهد؛ لتقدُّم ذِكْره ورد أبو حيان على الزمخشريِّ كون "أمَنَةً" مفعولاً به بما تقدم، وفيه نظرٌ، فإن الزمخشريَّ قال أو مفعولاً له بمعنى نعستم أمنة. فقدر له عاملاً يتحد فاعله مع فاعل "أمَنَةً" فكأنه استشعر السؤال، فلذلك قدرَ عاملاً على أنه قد يُقال: إن الأمَنَةَ من اللهِ تَعَالَى، بمعنى أنهُ أوقعها بهم، كأنه قيل: أنزلَ عليكم النعاس ليُؤمِّنَكُمْ به.
و "أمَنَةً" كما يكون مصدراً لمن وقع به الأمن يكون مصدراً لمن أُوقِع به.
وقرأ الجمهور: أمَنَةً - بفتح الميم - إما مصدراً بمعنى الأمن، أو جمع آمن، على ما تقدم تفصيله. والنَّخَعِيُّ وابن محيصن - بسكون الميم وهو مصدرٌ فقط، والأمْن والأمَنة بمعنًى واحدٍ، وقيل الأمْنُ يكون مع زوالِ سببِ الخَوفِ، والأمَنة مع بقاء سببِ الخوفِ.
فصل في بيان كيفية النظم
في كيفية النَّظْمِ وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه لما وعد المؤمنين بالنصر، فالنصر لا بدّ وأن يُسبق بإزالة الخوف عنهم؛ ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى منجزٌ وَعْدَهُ في نَصْر المؤمنينَ.
الثاني: أنه - تعالى - بيَّن نَصْرَ المؤمنين - أولاً - فلما عصى بعضهم سلط عليهم الخوفَ.
ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلوب مَنْ كان صادقاً في إيمانه، مستقِرًّا على دينه بحيث غلب النعاس عنه.
واعلم أن الذين كانُوا مع رسولِ الله يوم أُحُدٍ فريقانِ:
أحدهما: الجازمونَ بنبوَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم فهؤلاء كانوا قاطعينَ بأنَّ اللهَ يَنْصُرُ هذا الدينَ، وأن هذه الواقعةَ لا تؤدي إلى الاستئصالِ، فلا جَرَمَ كانوا مؤمنين، وبلغ ذلك الأمن إلى حيثُ غشيَهم النُّعَاسُ فإن النوم لا يجيء مع الخوفِ، فقال - هاهنا - في قصة أُحُدٍ: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} وقال في قصة بدرٍ:
{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ } [الأنفال: 11].
وأما الفريقُ الثاّنِي فهم المنافقونَ، فكانوا شاكِّين في نبوتِهِ صلى الله عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمةِ، فهؤلاء اشتد جزعُهُمْ، وعظم خوفُهُمْ.
فإن قيل: لم قدم ذكر الأمَنَة على النُّعَاسِ في قصة أُحُدٍ، وأخرها في قصة بدرٍ؟
فالجوابُ: أنه لما وعدهم بالنصر، فالأمن وزوال الخوف إشارةٌ ودليلٌ على إنجاز الوَعْدِ.
قوله: {يَغْشَىٰ} قراءة حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء؛ ردًّا إلى النُّعَاسِ، وخرَّجوا قراءة حمزة والكسائي على أنها صفة لـ "امَنَةً"؛ مراعاة لها، ولا بُدّ من تفصيل، وهو إن أعربوا "نُعَاساً" بدلاً، أو عَطْفَ بيانٍ، أشكل قولهم من وَجْهَيْن:
الأول: أن النُّحاة نَصُّوا على أنه إذا اجتمع الصفةُ والبدلُ أو عَطْفُ البيانِ، قدِّمت الصفة، وأخر غيرها، وهنا قد قدَّموا البدلَ، أو عطف البيانِ عليها.
الثاني: أن المعروفَ في لغة العرب أن يُحَدَّث عن البدل، لا عن المبدَل منه، تقول: هِنْد حُسْنُها فاتِنٌ، ولا يجوز فاتنة - إلا قليلاً - فَجَعْلُهم "نُعَاساً" بدلاً من "أمَنَةً" يضعف لهذا.
فإن قيل: قد جاء مراعاة المبدَل منه في قول الشاعر: [الكامل]

1667- وَكَأنَّهُ لَهِقُ السَّرَاةِ كَأَنَّهُ مَا حَاجِبَيْنهِ مُعَيَّنٌ بِسَوَادِ

فقال: "مُعَيَّنٌ"؛ مراعاة للهاء في "كأنه" ولم يُرَاعِ البدل - حاجبيه - ومثله قول الآخر: [الكامل]

1668- إنَّ السُّيُوفَ غُدُوَّها وَرَواحَهَا تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأعضَبِ

فقال: تركت؛ مراعاة للسيوف، ولو راعَى البدل لقال: تركا.
فالجوابُ: أنَّ هذا - وإن كان قد قَالَ به بعضُ النحويينَ؛ مستنداً إلى هذين البيتين - مُؤوَّلٌ بأن "معين" خبر لِـ "حاجبيه" لجريانهما مَجْرَى الشيء الواحدِ في كلام الْعَرَبِ، وأنَّ نصب "غُدُوَّهَا وَرَوَاحَهَا" على الظرف، لا على البدل. وقد تقدم شيء من هذا عند قوله:
{ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } [البقرة: 102].
وإن اعربوا "نُعَاساً" مفعولاً من أجله لزم الفصلُ بين الصفة والموصوف بالمفعول لَهُ, وكذا إن أعربوا "نُعاساً" مفعولاً به و "أمَنَةً" حالٌ يلزم الفصل - أيضاً - وفي جوازه نظر، والأحسنُ - حينئذٍ - أن تكون هذه جملة استئنافية جواباً لسؤال مقدَّر، كأنه قيل: ما حكم هذه الأمَنَة؟ فأخبر بقوله: "تغشى".
ومن قرأ بالياء أعاد الضمير على "نُعَاساً" وتكون الجملة صفة له، و "مِنْكُمْ" متعلق بمحذوف، صفة لِـ "طَائِفَةً".
فصل
قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافِّنا يوم أُحُدٍ، فكان السيفُ يسقط من أحَدِنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، وقال ثابتٌ: عن أنسٍ عن أبي طلحةَ قال: رفعت رأسي يومَ أُحُدٍ، فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته من النُّعاس.
وقال الزبيرُ: كنت مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حين اشتدَّ الخوفُ، فأنزلَ اللهُ علينا النومَ، واللهِ إنِّ لأسمع قول مُعَتِّب بن قُشَيْر - ما أسمعه إلاّ كالحلم - يقول: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شيءٌ مَا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا}.
فصل
قال ابنُ مسعودٍ: النُّعَاسُ في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشَّيْطَانِ، وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق باللهِ، والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصَّلاة إلا من غاية البعد عن اللهِ تعَالَى. واعلم أنّ ذلك النعاسَ فيه فوائدٌ:
الأولى: أنه وَقَعَ على كافة المؤمنين - لا على الحد المعتاد - فكان معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ولا شكَّ أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزةَ الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد أحدهم في محاربة العدو.
الثانية: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوةِ والنشاطِ، واشتدادَ القوةِ والقدرةِ.
الثالثة: أنَّ الكفارَ لما اشتغلوا بقَتْل المسلمين ألقى اللهُ النومَ على عين من بقي منهم؛ لئلاّ يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد الخوفُ والجُبْنُ في قلوبِهمْ.
الرابعةُ: أن الأعداءَ كانوا في غاية الحرصِ على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السَّلامةِ في مثل تلك المعركةِ - من أدلِّ الدَّلائِلِ على أنَّ حِفْظ اللهِ وعصمته معهم، وذلك مما يُزِيل الخوفَ عن قلوبهم، ويورثهم مزيدَ الوثوق بوعد الله تعالى.
قوله: {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} في هذه الواو ثلاثة أوجهٍ:
الأول: أنها واو الحالِ، وما بعدها في محل نَصْبٍ على الحال، والعامل فيها "يَغْشَى".
الثاني: أنها واو الاستئناف، وهي التي عبر عنها مَكيٌّ بواو الابتداء.
الثالث: أنها بمعنى "إذْ" ذكره مَكي، وأبو البقاءِ، وهو ضعيفٌ.
و "طائفة" مبتدأ، والخبر {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} وجاز الابتداء بالنكرة لأحدِ شيئين: إما للاعتمادِ على واو الحالِ، وقد عده بعضهم مسوغاً - وإن كان الأكثرُ لم يذكره -.
وأنشدوا: [الطويل]

1669- سَرَيْنَا وَنَجْمٌ قَدْ أضَاءَ فَمُذْ بَدَا مُحَيَّاكِ أخْفَى ضَوْءهُ كُلَّ شَارِقِ

وإما لأن الموضعَ تفصيلٌ؛ فإن المعنى: يغشى طائفةً، وطائفة لم يغشهم.
فهو كقوله:

1670- إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَولِ

ولو قُرِئ بنصب "طَائِفَة" - على أن تكون المسألةُ من باب الاشتغالِ - لم يكن ممتنعاً إلا من جهة النقلِ؛ فإنه لم يُحْفظ قراءة، وفي خبر هذا المبتدأ أربعة أوجهٍ:
أحدها: أنه {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} كما تقدم.
الثاني: أنه "يَظُنُّونَ" والجملة قبله صفة لِـ "طَائِفَة".
الثالث: أنه محذوفٌ، أي: ومنكم طائفة وهذا يُقَوِّي أنَّ معناه التفصيل، والجملتان صفة لِـ "طَائِفَةٌ" أو يكون "يَظُنُّونَ" حالاً من مفعول "أهَمَّتْهُمْ" أو من "طَائِفَةٌ" لتخصُّصه بالوَصْف، أو خبراً بعد خبر إن قلنا: {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ} خبر أول. وفيه من الخلاف ما تقدم.
الرابع: أن الخبر {يَقُولُونَ} والجملتان قبله على ما تقدّم من كونهما صفتين، أو خبرين، أو إحداهما خبر، والأخْرَى حالٌ.
ويجوز أن يكون {يَقُولُونَ} صفة أو حالاً - أيضاً - إن قلنا: إن الخبرَ هو الجملة التي قبله، أو قلنا: إن الخبر مُضْمَرٌ.
قوله: {يَظُنُّونَ} له مفعولان، فقال أبو البقاءِ: {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} المفعولُ الأولُ، أي أمراً غير الحق، و "باللهِ" هو المفعول الثاني.
وقال الزمخشريُّ: {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} في حكم المصدر، ومعناه: يظنون باللهِ غير الظن الحق الذي يجب أي يُظَنَّ به. و {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} بدل منه.
ويجوز أن يكون المعنى: يظنون بالله ظن الجاهلية و {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} تأكيداً لِـ {يَظُنُّونَ} كقولك: هذا القول غير ما يقول.
فعلى ما قال لا يتعدى "ظن" إلى مفعولين، بل تكون الباء ظرفية، كقولك: ظننت بزيد، أي: جعلته مكان ظني، وعلى هذا المعنى حمل النحويون قولَ الشاعر: [الطويل]

1671- فَقُلْتُ لَهُمْ: ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ

أي قلتُ لهم: اجعلوا ظنكم في الفي مُدَجَّجٍ.
ويحصل في نصب {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} وجهان:
أحدهما: أنه مفعول أول لِـ "يَظُنُّونَ".
والثاني: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ للجملة التي قبله بالمعنيين اللذين ذكرهما الزمخشريُّ.
وفي نصب {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} وجهان - أيضاً -: البدل من {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أو أنه مصدر مؤكِّد لِـ {يَظُنُّونَ}.
و "بالله" إما متعلِّق بمحذوف على جَعله مفعولاً ثانياً، وإما بفعل الظنِّ - على ما تقدم - وإضافة الظنِّ إلى الجاهلية، قال الزمخشريُّ: "كقولك: حاتم الجود، ورجل صدقٍ، يريد: الظنَّ المختص بالملة الجاهلية، ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية".
وقال غيره: المعنى: المدة الجاهلية، أي: القديمة قبل الإسلامِ، نحو
{ حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ } [الفتح: 26]
فصل
هؤلاء هم المنافقونَ - عبد الله بن أبيٍّ، ومُعَتب بن قُشَيْرٍ، وأصحابهما - كان همتهم خلاص أنفسهم، يقال: همني الشيء - إذا كان من همي وقصدي - وذلك أن الإنسان إذا اشتدَّ انشغاله بالشيء صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحَبُّ الأشياء إلى الإنسان نفسَه، فعند الخوفِ على النفس يصير ذاهلاً عن كل ما سواها، فهذا هو المرادُ من قوله: {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}، وفي هذا الظنِّ احتمالانِ:
أحدهما - وهو الأظهرُ -: أنهم كانوا يقولون في أنفسهم: لو كان محمدٌ مُحِقًّا في دعواه لما سُلِّطَ الكفار عليه - وهذا ظنٌّ فاسدٌ، أما على قول أهلِ السُّنَّةِ فلأنه - تعالى - يفعل ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريدُ، لا اعتراض عليه. وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال اللهِ وأحكامِهِ، فلا يبعد أن يكون لِلَّهِ حكمٌ خفيَّةٌ، وألطافٌ مَرْعِيَّةٌ في تخلية الكافر بحيثُ يقهر المسلم، فإنَّ الدنيا دارُ امتحانٍ وابتلاء، ووجوه المصالحِ مستورةٌ عن العقول.
قال القفال: لو كان كون المؤمنِ محقاً يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناسُ إلى معرفة كون المُحِقّ مُحِقًّا، وذلك ينافي التكليفَ، واستحقاق الثوابِ والعقابِ، والمُحِقُّ إنما يُعْرَف بما معه من الدَّلائل والبيِّنات، فأمّا القَهْرُ فقد يكونُ من المُبْطِل للمحقِّ ومن المحِقِّ للمُبْطِلِ.
الاحتمالُ الثاني: أن ذلكَ الظنَّ هو أنهم كانوا يُنكِرون إلَه الْعَالَمِ، وينكرون النبوةَ والبعثَ - فلا جَرَمَ - ما وثقوا بقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم في أنَّ اللهَ تعَالى يُقَوِّيهم وَيَنْصُرُهُمْ.
وقيل: ظنوا أن محمداً قد قُتِل. و {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} بدل من قوله: {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} وفائدة هذا الترتيب أنَّ غَيْرَ الحقِّ أديانٌ كثيرةٌ، وأقبحُهَا مقالة أهل الجاهلية، فذكر أنهم يظنون بالله غير الحق ثم بيَّن أنهم اختاروا من أقسامِ الأديانِ التي هي غيرُ حَقَّةٍ أقبحها وأكثرها بطلاناً، وهو ظنُّ أهل الجاهلية.
قوله: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} "من" - في {مِن شَيْءٍ} - زائدة في المبتدأ، وفي الخبر وجهانِ:
أحدهما - وهو الأصحُّ -: أنه "لَنَا" فيكون {مِنَ ٱلأَمْرِ} في محل نصبٍ على الحالِ من "شَيءٍ" لأنه نعتُ نكرة، قدم عليها، فنصب حالاً، وتعلق بمحذوفٍ.
الثاني: - أجازه أبو البقاء - أن يكون {مِنَ ٱلأَمْرِ} هو الخبر، و "لنا" تبيين، وبه تتم الفائدةُ كقوله:
{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [الإخلاص: 4].
وهذا ليس بشيء؛ لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذٍ يتعلق بمحذوفٍ، وإذا كان كذلك فيصير "لَنَا" من جملة أخرى، فتبقى الجملةُ من المبتدأ والخبر غير مستقلةٍ بالفائدةِ، وليس نظيراً لقوله:
{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [الإخلاص: 4] فإن "لَهُ" فيها متعلق بنفس "كُفُواً" لا بمحذوفٍ، وهو نظيرُ قولكَ: لم يكن أحدٌ قاتلاً لبكرٍ. فـ "لبكر" متعلق بنفس الخبر. وهل هنا الاستفهام عن حقيقته، أم لا؟ فيه وجهانِ:
أظهرهما: نَعَمْ، ويعنون بالأمر: النصر والغلبة.
والثاني: أنه بمعنى النفي، كأنهم قالوا: ليس لنا من الأمر - أي النصر - شيء، وإليه ذَهَبَ قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ.
ولكن يضعف هذا بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} فإن من نَفَى عن نفسه شيئاً لا يجاب بأنه ثبت لغيره؛ لأنه يُقِرُّ بذلك، اللهم إلاَّ أن يقدر جملة أخرى ثبوتية مع هذه الجملة، فكأنَّهم قالوا: ليس لنا من الأمر شيءٌ، بَلْ لمن أكرهنا على الخروج وحَمَلَنا عليه، فحينئذ يحْسُن الجوابُ بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} لقولهم هذا، وهذه الجملةُ الجوابيةُ اعتراض بين الجُمَل التي جاءت بعد قوله: "وطائفة" فإن قوله: {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم} وكذا {يَقُولُونَ} - الثانية - إما خبر عن "طَائِفَةٌ" أو حال مما قبلها.
فصل
اعلم أنَّ قولَهُ: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} حكايةٌ للشبهة التي تمسَّك بها المنافقون، وهي تحتمل وجوهاً:
الأول: أنَّ عبد الله بن أبيٍّ لما شاوره النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعةِ أشار عليه بأن لا يخرج من المدينةِ، ثُمَّ إنَّ الصحابةَ ألَحُّوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم، فغضب عبد اللهِ بنُ أبي من ذلك، فقال: عصاني وأطاع الوِلْدان، فلما كثر القتل في بني الخزرج، ورجع عبدُ الله بن أبي قيل له: قُتِل بنو الخَزرج!! فقال: "هل لنا من الأمر من شيء"؟ يعني: أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرتُه بأن لا يخرج من "المدينة".
والمعنى: هل لنا أمرٌ يُطاع؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار.
الثاني: ما تقدم في الإعرابِ أنَّ معناه النفي، أي: هل لنا من الشيء الذي كان يَعِدُنا به محمد صلى الله عليه وسلم وهو النصر والقوة - شيء؟ وهذا استفهامٌ على سبيل الإنكار.
الثالث: أن التقدير: أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء؟ ويكون المراد منه الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكونَ قائلُهُ من المؤمنين، ويكون المرادُ منه إظهار الشَّفَقَة، أنه متى يكون الفرجُ والنُّصرة؟ وهو المرادُ - أيضاً - بقوله: {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ}.
وقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} قرأ أبو عمرو "كُلُّهُ" - رفعاً - وفيه وجهان:
الأول: - وهو الأشهر - أنه رفع بالابتداء، و "لله" خبره والجملة خبر "إنَّ" نحو: إن مال زيد كله عنده.
الثاني: أنه توكيد على المحل، فإن اسمها - في الأصل - مرفوعٌ بالابتداء، وهذا مذهبُ الزَّجَّاجِ والجَرْمي، يُجْرُون التوابعَ كلَّها مُجْرَى عطف النسق، فيكون "للهِ" خبراً لِـ "إنَّ" أيضاً.
وقرأ الباقون بالنصب، فيكون تأكيداً لاسم "إنَّ" وحَكَى مكي عن الأخفش أنه بدل منه - وليس بواضح - و "للهِ" خبر "إنَّ".
وقيل على النعت؛ لأنَّ لفظة "كُلّ" للتأكيد، فكانت كلفظة "أجمع".
فصل
هذه الآية تدل على أن جميع المحدثات خلق لله تعالى بقضائه وقدره؛ لأن المنافقين قالوا: إن محمداً لو قبل مِنَّا رَأيَنَا ونُصْحَنا، لما وقع في هذه المِحْنةِ، فأجابهم اللهُ تَعَالَى بأن الأمرَ كُلَّه للهِ، وهذا [الجواب] إنما ينتظم إذا كانت أفعالُ العبادِ بقضاء اللهِ وقدَرِهِ؛ إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعاً لشبهة المنافقين.
قوله: {يُخْفُونَ} إما خبر لِـ {طَآئِفَةً} وإما حال مما قبله - كما تقدم - وقوله: {يَقُولُونَ} يحتمل هذينِ الوجهينِ، ويحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: {يُخْفُونَ} فلا محلَّ له حينئذٍ.
قوله: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} كقوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} وقد عرف الصحيح من الوجهين.
وقوله: {ما قُتِلْنا هَـٰهُنا} جواب "لَوْ" وجاء على الأفصح، فإن جوابها إذا كان منفياً بـ "ما" فالأكثر عدم اللام، وفي الإيجاب بالعكس، وقد أعرب الزمخشريُّ هذه الجُمَلَ الواقعة بعد قوله: "وطائفة" إعراباً أفْضى إلى خروج المبتدأ بلا خبر فقال: "فإن قُلتَ: كيف مواقعُ هذه الجُمَلِ الواقعة بعد قوله: "وطائفة".
قُلْتُ:{قَدْ أَهَمَّتْهُمْ} صفة لـ {َطَآئِفَةٌ} و {يَظُنُّونَ} صفة أخرى، أو حالٌ، بمعنى: قد أهمتهم أنفسهم ظَانِّين، أو استئنافٌ على وجه البيانِ للجملة قبلها و {يَقُولُونَ} بدلٌ من {يَظُنُّونَ}.
فإن قلتَ: كيف صَحَّ أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلاً من الإخبار بالظنِّ؟
قلتُ: كانت مسألتهم صادرة عن الظن، فلذلك جاز إبداله منه، و {يُخْفُونَ} حال من {يَقُولُونَ} و {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} اعتراض بين الحالِ وذي الحالِ، و {يَقُولُونَ} بدلٌ من {يُخْفُونَ} والأجود أن يكون استئنافاً". انتهى.
وهذا من أبي القاسم بناءً على أنَّ الخبرَ محذوفٌ، كما تقدم تقريره في قوله: {وَطَآئِفَةٌ} أي: ومنكم طائفةٌ، فإنه موضعُ تفصيلٍ.
فإن قيل: ما الفرق بين قوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} وبين قوله: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} وقد أجاب عن الأول بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} وأجاب ههنا بغير ذلك؟ فالجوابُ من وجهين:
الأول: أن المنافقينَ قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقولٌ لم نخرج مع محمدٍ إلى قتالِ أهلِ مكةَ، وما قُتِلْنَا هاهنا، وهذا يدلُّ على أنَّ الأمر ليس كما قلتم من أنَّ الأمرَ كلَّه للهِ، وهذا كالمناظرةِ الدائرةِ بين أهلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزلَةِ؛ فإنَّ السُّنِّي يقولُ: الأمر كُلُّهُ - في الطَّاعِةِ والمعصيةِ، والإيمانِ والكُفْرِ بيد اللهِ، والمعتزلي يقول: ليس الأمر كذلك؛ فإن الإنسانَ مختارٌ، ومستقلٌّ بالفعل، إن شاء آمن وإن شاء كَفَر، فَعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جواباً عن الشُّبْهَةِ الأولى.
الثاني: أن المراد من قوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} أي: هل لنا من النُّصْرَة التي وَعَدَنَا بها محمد صلى الله عليه وسلم شيء؟ ويكون المراد من قوله: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَـٰهُنا} هو ما كان يقوله عبد الله بن أبي من أن محمداً لو أطاعني ما خرج عن "المدينة"، وما قُتِلْنا ههنا.
واعلم أنه - تعالى - أجاب عن هذه [الشُّبْهَةَ] من ثلاثة أوجهٍ:
الأول: قوله: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} ومعناه: أن الحَذَرَ لا يدفع القَدَرَ، فالذين قَدَّر الله عليهم القَتْلَ، لا بُدَّ وأن يُقْتَلُوا على كل تقديرٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالى لما أخبره أنه يقتل، فلو لم يُقْتَلْ، لانْقَلَبَ علمه جهلاً.
وقال المفسِّرون: لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم مَنْ كَتَبَ اللهُ عليهم القَتْلَ إلى مضاجعهم ومصارعهم، حتى يُوجَدَ ما علم الله أنه يُوجد وقيل: تقديرُ الكلام: كأنه قيل للمنافقين: لو جلستم في بيوتكم، وتَخَلَّفْتُمْ عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كُتِبَ عليهم قتال الكفار إلى مضاجعهم، ولم يتخلَّفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلُّفكم.
قوله: {لَبَرَزَ} جاء على الأفصح، وهو ثُبُوتُ اللامِ في جواب "لو" مثبتاً. وقراءة الجمهور {لَبَرَزَ} مخفَّفاً مبنياً للفاعل، وقرأ أبو حَيْوَة "لَبُرِّزَ" مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، عدَّاه بالتضعيف. وقرئ "كَتَبَ" مبنياً للفاعل، و "القَتْلَ" مفعول به.
وقرأ الحسنُ: {كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتالُ} رَفعاً.
الجوابُ الثاني عن هذه الشُّبْهَةِ قوله: "وليبتلي" فيه خمسة أوجُهٍ:
فقيل: إنه متعلق بفعل قبله، وتقديره: فَرَضَ اللهُ عليكم القتَالَ، ولم يَنْصُرْكُمْ يوم أُحُدٍ، ليبتلي ما في صدوركم، أي: ضمائركم.
وقيل: بفعل بعده، أي: ليبتلي فَعَلَ هذه الأشياء.
وقيل: الواو زائدة، واللام متعلقة بما قبلها.
وقيل: "وليبتلي" عطف على "ليبتلي" الأول وإنما كُرِّرت لطول الكلام، فعطف عليه {وَلِيُمَحِّصَ} قاله ابنُ بحرٍ.
وقيل: هو عطف على علةٍ محذوفة تقديره: ليقضي اللهُ أمرَه وليبتلي.
الجواب الثالث عن هذه الشُّبْهَةِ قوله: {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} فيه وَجْهَانِ:
أحدهما: أن هذه الواقعة تخرج ما في قلوبكم من الوساوس والشبهات، وتطهرها.
الثاني: أنها تصيره كَفَّارةً لذنوبكم، فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيئات.
فإن قيل: قد سبق ذِكْرُ الابتلاء في قوله:
{ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } [آل عمران: 152] فلم أعادَه؟
فالجواب: أنه أعادهُ؛ لطول الكلام بينهما، ولأن الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين، والابتلاء الثاني سائر الأحوال.
فإن قيل: قوله: {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} المرادُ منه القلب؛ لقوله:
{ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ } [الحج: 46] فجعل متعلق الابتلاء ما انطوى عليه الصَّدْرُ - وهو ما في القلب من النِّيَّةِ - وجعل متعلق التمحيص ما في القلب - وهو النيات والعقائد - فلم خالف بين اللفظين في المتعلِّق؟
فالجوابُ: أنه لما اختلف المتعلَّقان حسنَ اختلافُ لفظَيْهما. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: الأسرار والضمائر؛ لأنها حالَّةٌ فيها، مصاحبة لها، وذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يَخْفَى عليه ما في الصدور وغيره - لأنه عالم بجميع المعلومات - وإنما ابتلاهم لمَحْض الإلهية.