خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً
١٨
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ أوْلَـٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً
١٩
يَحْسَبُونَ ٱلأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً
٢٠
لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً
٢١
وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً
٢٢
مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً
٢٣
لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
٢٤
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً
٢٥
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
٢٦
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
٢٧
-الأحزاب

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ} المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صلى الله عليه وسلم - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: "هَلُمَّ" (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو "شُهَدَاءَكُمْ" بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى "احْضَرُوا" وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: "وهَلُمُّوا إِلَيْنَا" أي قربوا أنفسكم إلينا (قال): "وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرِّبْ"، وفي تسميته إياه صوتاً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: {وَلاَ يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ} الحرب "إِلاَّ قَلِيلاً" رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: "أَشِحَّةً" العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: "وَلاَ يَأْتُونَ" قاله الزجاج.
الثاني: "هَلُمَّ إِلَيْنَا". قاله الطبري.
الثالث: "يعوقون" مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: "المُعَوِّقِينَ".
الخامس: "القَائِلِينَ" ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما "وَلاَ يَأْتُونَ" فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع "شَحِيحٍ" وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس "فَعِيل" الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس. والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: {فَإِذَا جَآءَ ٱلْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ} في الرؤوس من الخوف والجبن {كَٱلَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ} أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: "يَنْظُرُونَ" في محل (نصب) حال من مفعول "رَأَيْتَهُمْ" لأن الرؤية بصرية.
قوله: "تدور" إما حال تانية وإما حال من "يَنْظُرُونَ"كالَّذِي يُغْشَى" يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: "أَعْينهم" أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله "ينظرون" تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى:
{ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ } [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المنافِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود "لَمْ يذهبُوا" لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: {وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً} {وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ} أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب {يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ} من الخوف والجبن.
(قوله): "بَادُونَ" هذه قراءة العامة جمع "باد" وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرًّى.وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: "ضُرَّب". وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة "عُدًّى" وثالثة: "بَدَوا" فعلاً ماضياً.
(قوله): "يَسْأَلُونَ" يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل "يَحْسَبُونَ" والعامة على سكون السين بعدها "همزة"، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
{ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم } [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهما شاذة، وإنما هي معروفة بالحسن والأعمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ "يَسَّاءلُونَ" بتشديد السين والأصل "يَتَسَاءَلُونَ" فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
{يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ} أخباركم، وما آل إليه أمركم "وَلَوْ كَانُوا" يعني هؤلاء المنافقين {فِيكُمْ مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً}. أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: "إِلاَّ قَلِيلاً" أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} قرأ عاصم: "أُسْوَةٌ" بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو "الايتساء" فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم "كان" وفي الخبر وجهان:
أحدهما: هو "لكم" فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من "أُسْوَةٍ"؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو "بكان" على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: "فِي رَسُولِ اللَّهِ" و "لَكُمْ" على ما تقدم في "رسول الله" أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: {لِّمَن كَانَ يَرْجُو} فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في "لَكُمْ" قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من "لكم" كقوله:
{ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } [الأعراف: 75]. قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:

4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً

قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: "لكُم" أعمّ مِن: "مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره" ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة "لحَسَنَةٍ".
والثالث: أن يتعلق بنفس "حسنة" قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و "كَثِيراً" أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ} لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ}، وقولهم {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: {هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ} وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس {وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة:
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } [البقرة: 214] إلى قوله: { أَلآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله:

4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ ................................

ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: "وصدقا"، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على "يَعْصِهِمَا" وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: "حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما" فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقول.
قوله: "وَمَا زَادهم" فاعل "زادهم" ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق. وقال مكي ضمير النظر لأن قوله "لما رأى" بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة "وما زادوهم" بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} ووفوا به.
قوله: "صدقوا" صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: "صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة" أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك "صَدَقَنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌو" أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و "ما" بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في "عليه"، وقال مكي "ما" في موضع نصب "بصدقوا" وهي والفعل مصدر تقديره "صَدَقُوا" العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية "ما" المصدرية.
(قوله): "قَضَى نَحْبَهُ" النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:

4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ

وقال:

4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ

أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم "قَضَى أجله" لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنحيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى {صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله "فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ" أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب "نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع" إذ مد فلم ينزل {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر {وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً} بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: "لِيَجْزِيَ اللَّهُ" فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما "بصَدَقَوا" وإما "بزَادَهُمْ" وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد. {وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ} أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: "إنْ شَاءَ" ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ("وأو") وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول "شاء" أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذابهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟!. فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: "ليُعَذِّب" ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: "إنْ شَاءَ" ومعادلته بالتوبة وحرف "أو". قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس "وكان الله غفوراً" حيث ستر ذنبهم و "رحيماً" حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول "ويعذب المنافقين" مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ} وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً "ظفراً" وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال {وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً} في ملكه غير محتاج إلى قتالهم "عَزِيزاً" في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: "بغَيْظِهِمْ" يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً} حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير المجرور بالإضافة. وجوز الزمخشري فيها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: "وَأَنْزَلَ الذينَ" أي أنزل الله الذين "ظَاهَرُوهُمْ" أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) "من صَياصِيهِمْ" متعلق "بأنزل" و "من" لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن "صِيصِيَةٌ" ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحاكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:

4081 -............................. كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَـدَّدِ

قوله: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ} حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: "فريقاً تقتلون" منصوب بما بعده وكذلك "فريقاً" منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة "تَأْسُرُونَ" بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال "وتأسرون فريقاً"؟!.
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله "فريقاً تقتلون" فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في "فريق" الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: "تقتلون فريقاً تقتلون") والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول "تقتلون" سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: "وَفَريقاً تأسرون" فمن سمع "فريقاً" ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ (ظَاهَرُوهُم)} وقوله: "قذف"، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و "تأسرون فريقاً" وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: "لم تَطَئُوها" الجملة صفة "لأرضاً" والعامة على همزة مضمومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي "تَطَوْهَا" بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاً على الإسناد كقوله:

4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا ..............................

فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو "لم تَرَوْهَا" وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:

4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم

قوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله {وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده" .