خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً
٣٧
مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً
٣٨
ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً
٣٩
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
٤٠
-الأحزاب

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} وهو زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإِسلام "وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ" بالتحرير والإِعتاق.
قوله: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ" نص بعض النحويين على أن "على" في مثل هذا التركيب اسم قال: لئلا يتعدى فعل المضمر المتصل إلى ضمير المتصل في غير باب "ظَنَّ" وفي لفظتي: فَقَدَ وعَدِمَ وجعل من ذلك:

4090 - هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّ الأُمُــ ــورَ بِكَفِّ الإِلَهِ مَقَادِيرُهَا

وكذلك حكم على "عن" في قوله:

4091 - [فــ] دَعْ عَنْـكَ نَهبْـاً صِيـحَ فـي حجَـرَاتِـهِ

وقد تقدم ذلك مُشْبَعاً في النَّحل في قوله: { وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } [النحل: 57]، وفي قوله: { وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ } [مريم: 25] (وقوله): { وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } [القصص: 32].
قوله: "وَتُخْفِي" فيه أوجه:
أحدها: أنه معطوف على "تقول" أي وإِذْ تَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِكَ كَذَا وإِخْفَاءِ كَذَا وخَشْيَةِ الناس قاله الزمخشري.
الثاني: أنها واو الحال أي تقول كذا في هذه الحالة، قاله الزمخشري أيضاً، وفيه نظر حيث إنه مضارع مثبت فكيف تباشره الواو؟ وتخريجه كتخريج "قُمْتُ وَأَصُكُّ عَيْنَهُ" أعني على إضمار مبتدأ.
الثالث: أنه مستأنف قاله الحوفي، وقوله: {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} تقدم مثله في بَرَاءَةَ.
فصل
قال المفسرون إن الآية نزلت في زَيْنَبَ بنتِ جَحْش، وذلك
"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما زوج زينب من زَيْد مكثَتْ عنده حيناً ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى زيداً ذات يوم لحاجة فأبصر زينب قائمة في دِرْع وخِمَار، وكانت بيضاء وجميلة ذات خُلُق من أتمِّ نساء قريش فوقعت في نفسه، وأعجبه حسنها فقال: سبحان الله مقلِّبَ القلوب وانصرف فلما جاء زيد ذكرت ذلك له، ففطن زيد فألقي في نفس زيد كراهتها في الوقت فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أريدُ أن أفارق صاحبتي قال: ما لك أَرَابَكَ منها شيء قال: لاَ واللَّهِ يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيراً، ولكنها تتعظم عَلَيَّ لشرفها وتؤذيني بلسانها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوجَكَ يعني زينب بنت جحش واتَّقِ اللَّهِ في أمرها ثم طلَّقَها زيدٌ" فذلك قوله عز وجل: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ} بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} فيها ولا تفارقها {وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} أي تُسرُّ في نفسك ما الله مظهره أي كان في قلبه لو فارقها تزوجها. وقال ابن عباس: حبها، وقال قتادة: وَدَّ أنه لو طلقها "وَتَخْشَى النَّاسَ" قال ابنُ عباس والحسن: تستحييهم، وقيل: تخاف لائمةَ الناس أن يقولوا أمرَ رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها، "واللَّهُ أَحَقُّ أَن يَخْشَاهُ". قال عمر وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية هي أشد عليه من هذه (الآية). وروي عن مسروق قال: قالت عائشة: لو كتم النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئاً مِمَّا أوحي إليه لكتم هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ} وروي عن سفيانَ بْن عُيَيْنَةَ عن عليِّ بن جُدْعَانَ قالك سألني عليّ بن الحُسَيْنِ زَيْنُ العابدين ما يقول الحَسَنُ في قوله: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} قال: قلت: (تقول): لَمَّا جاء زيد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا نبي إني أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك قال: أمسك عليك زوجك واتق الله فقال علي بن الحسين ليس كذلك كان الله قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيداً سيطلقها فلما جاء زيد قال: أريد أن أطلقها قال له: أمْسِكْ عليك زوجك فعاتبه الله وقال: لِمَ قُلْتَ: أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله تعالى أعلم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال: "زَوَّجْنَاكَهَا" فلو كان الذي أضمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أنه يخبر أنه يُظْهِرُه ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه لا يجوز أن يخبر أنه يُظْهِرُهُ ثم يكتمه فلا يظهره فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجة له، وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن الذي تحتك في نِكَاحِكَ ستكون امرأتي وهذا حسن وإن كان الآخرَ وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء؛ لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم؛ لأن الوُدَّ ومَيْلَ النفس من طبع البشر، وقوله: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ} أمر بالمعروف وهو خشية الإثم فيه وقوله: {وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه (الصلاة و) السلام قد قال: "أَنَّا أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ" ولكن المعنى الله أحَقُّ أنْ تَخْشَاهُ وَحْدَهُ، ولا تخشى أحداً معه وأنت تخشاه وتخشى الناس أيضاً، فلما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء.
قوله: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}، "وطراً" مفعول "قضى"، والوَطَرُ الشهوة والمحبة قاله المبرد وأنشد:

4092 - وَكَيْفَ ثَوَائِي بالمَدِينَةِ بَعْدمَا قَضَى وَطَراً مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ معْمَرِ

وقال أبو عبيدة: الوَطَرُ: الأَرَبُ والحَاجَةُ، وأنشد الربيعُ بن ضبع الفزَارِيُّ.

4093 - وَدَّعَنَا قَبْلَ أن نُوَدِّعَــهُ لَمَّا قَضَى مِنْ شَبَابِنَا وَطَــرَا

وقرأ العامة: "زَوَّجْنَاكَهَا"، وقرأ علي وابناه الحَسَنَان - رضي الله عنهم، وأرضاهم - "زَوَّجْتُكَهَا"، بتاء المتكلم و "لِكَيْلاَ" متعلق "بزوجناكها". وهي هنا ناصبة فقط لدخول الجار عليها، واتصل الضميران بالفعل، لاختلافهما رتبةً.
فصل
المعنى فلما قضى زيد منها حاجة من نكاحها زوجناكها، وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبنَّى تَحِلُّ بعد الدخول بها إذا طلقت وانقضت عدتها؛ لأن الزوجة ما دامت في نكاح الزوج فهي تدفع حاجته وهو محتاج إليها فلم يقض منها الوطر بالكلية ولم يستغن عنها، وكذلك إذا كانت في العدة له بها تعلق لأجل شُغْلٍ الرحم فلم يقض منها بعد وطر، فإذا طلقت وانقضت عدتها استغنى عنها ولم يبق له معها تعلق فقضى منها الوطر. قال أنس: كانت زينب تَفْتَخِرُ على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْق سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وقال الشعبيُّ: كانت زينب تقول للنبي - صلى الله عليه وسلم - إِني لأُدِلُّ عَلَيْك بثلاث ما من نسائك امرأة تُدِلُّ بهن، جَدِّي وَجدُّك واحد، وإني أَنْكَحنِيكَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وإنَّ السفيرَ لِجِبْرِيل.
قوله: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} إثم {فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً} فالأدعياء جمع أَدعَى وهو المتبنَّى بخلاف امرأة ابن الصلب لا تحِل للأب {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} أي قضاء الله ماضياً وحكمه نافذاً، وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قوله: {مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ} أي فيما أحل الله له.
قوله: "سُنَّةَ اللَّهِ" منصوب على المصدر كـ
{ صُنْعَ ٱللَّهِ } [النمل: 88] و { وَعْدَ ٱللَّهِ } [الزمر: 20] أو اسم وضع موضع المصدر أو منصوب "بِجَعَلَ" أبو بالإِغراء أي فعليه سنة الله، قاله ابن عطية ورده أبو حيان بأن عامل الإغراء لا يحذف، وبأن فيه إغراء الغائب وما ورد منه مؤول على نُدُوره نحو: "عَلَيْهِ رَجُلاً لَيْسَني". قال شهاب الدين: وقد ورد قوله عليه السلام: "وَإِلاَّ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ" فقيل: هو إغراء، وقيل: ليس به وإنما هو مبتدأ وخبر، والباء زائدة في المبتدأ وهو تخريج فاسد المعنى، لأن الصوم ليس واجباً على ذلك. وقال البغوي: نصب بنزع الخافض أي كَسُنَّةِ اللَّهِ.
فصل
المراد بسنة الله في الذين خلوا من قبل أي في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهم, قال الكلبي ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين المرأة التي هَوِيَهَا فكذلك جمع بين محمد وبين زينب، وقيل أراد بالسنة النكاح، فإنه من سنة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}، مَقْضِيّاً كائناً ماضياً. واعلم أن في قوله أولاً: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} وقوله ثانياً: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} لطيفة وهي أن الله تعالى لما قال: "زَوَّجْنَاكَهَا" قال: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً}، أي تزويجنا زينت إياك كان مقصوداً مَقْضِيّاً مُرَاعىً، ولما قال: {سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ} أشار إلى قصة داود حين افتتن بامرأة "أوريا" قال: {وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً} أي كان ذلك حكماً تبعياً.
قوله: "الذين يبلّغون" يجوز أن يكون تابعاً "لِلَّذِينَ خَلَوا" وأن يكون مقطوعاً عنه رفعاً ونصباً على إضمار: "هم" أو أعْنِي، أو أمْدَحُ.
فصل
المعنى إنَّ الذين يبلغون رسالات الله كانوا أيضاً رُسُلاً مِثْلَكَ، ثم ذكر حالهم بأنهم جرّبوا الخشية ووجدوها فيخشون الله ولا يخشون أحداً سواه فصار كقوله: "فَبِهُدَاهُم اقْتَدِه" ولا يخشى قَالة الناس فإنهم ليسوا بمهتمين فيما أحل الله لهم وفرض عليهم، {وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً} حافظاً لأعمال خلقه ومحاسبتهم فلا يُخْشَى غَيْرُهُ.
قوله: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} لما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب قال الناس: إن محمداً تزوج امرأة ابنه فأنزل الله - عز وجل - {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} يعني زيد بن حارثة أي ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم يلده فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها. فإن قيل: أليس أنه كان له أبناء القاسمُ والمطهرُ، وإبراهيم، والطَّيِّبُ، وكذلك الحَسَنُ، الحُسَيْنُ، قال - عليه (الصلاة و) السلام -:
"إن ابني هذا سيد؟" .
فالجواب: هؤلاء كانوا صغاراً ولم يكونوا رجالاً، والصحيح أنه أراد أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم الذي لم يلده.
قوله: {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ} العامة على تخفيف "لكن" ونصب "رسول"، ونصبه إما على إضمار "كَانَ" لدلالة "كان" السابقة عليها، أي ولكن كَانَ، وإما بالعطف على "أَبَا أَحَدٍ": والأول أليق؛ لأن "لكن" ليست عاطفة لأجل الواو، فالأليق بها أن تدخل على الجمل "كبل" التي ليست عاطفة. وقرأ أَبُو عَمْروٍ - في رواية - بتشديدها، على أن "رسول الله" اسمها وخبرها محذوف للدلالة، أي ولكن رسول الله هُوَ أي محمد، وحذف خبرها سائغ وأنشد:

4094 - فَلَوْ كُنْتَ ضبّيًّا عَرَفْتَ قَرَابَتِي وَلَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيمَ المَشَافِرِ

أي أنت، وهذا البيت يروونه أيضاً "ولكن زِنْجِيٌّ" بالرفع، شاهداً على حذف اسمها، أي "ولكنك". وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة بتخفيفها ورفع "رسول" على الابتداء، والخبر مقدر أي هو، أو بالعكس أي ولكن هُوَ رَسُولُ كقوله:

4095 - وَلَسْت الشَّاعِرَ السِّفْسَافَ فِيهِمْ وَلَكن مِدْرَهَ الحَرْبِ العَوَانِ

أي ولكن أنا مدره.
قوله: "وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ" قرأ عاصم بفتح التاء والباقون بكسرها, فالفتح اسم للآلة التي يختم بها كالطَّابَع والقَالَب، لما يطبع به، ويقلب فيه هذا هو المشهور، وذكر أبو البقاء فيه أَوْجُهاً أُخَرَ منها أنه في معنى المصدر قال: كذا ذكر في بعض الأعاريب، قال شهاب الدين: وهو لغط محض كيف وهو مُحْوِجٌ إلى تَجَوُّزٍ أو إضْمار، ولو حكى هذا في خَاتِم - بالكسر - لكان أقرب، لأن قد يجيء المصدر على فاعل وفاعلة وسيأتي ذلك قريباً، ومنها أنه اسم بمعنى "آخَرَ" ومنها أنه فعل ماض مثل "قَاتَل" فيكون "النَّبِيِّينَ" مفعولاً به، قال شهاب الدين: ويؤيد هذا قراءة عبد الله المتقدمة. وقال بعضهم هو بمعنى المفتوح يعني بمعنى آخرهم لأنه قد ختم النبيين فهو خَاتم.
فصل
قال ابن عباس: يريد لو لم أَختم به النبيين لجعلت له ابناً يكون من بعده نبيّاً، وروى عطاء عن ابن عباس: أن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يُعْطِهِ ولداً ذكراً يصير رَجُلاً، وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره. {وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} أي علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده، فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد عليه (الصلاة و) السلام أن زوجه بزوجة دعيِّه تكميلاً للشرع، وذلك من حيث إنَّ قول النبي - عليه الصلاة والسلام - يفيد شرعاً لكن إذا امتنع هو عنه يفيد في بعض النفوس نُفْرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حِلّ أكل الضَّبِّ، ثم لما لم يأكله بَقِيَ في النفوس شيء، ولما أكل لحم الجمل طاب أكله، مع أنه في بعض الملل لا يؤكل وكذلك الأرنب، روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"مَثَلِي ومَثَلُ الأنبياء كَمَثَلِ قَصْرِ أُحْكِمَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ إِلاَّ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ لاَ يُجِيبُونَ سِوَاهَا فَكُنْت أنَا مَوْضِع تِلْكَ اللَّبِنَةِ خُتِمَ بِهِ البُنْيَانُ، وَخُتِمَ بِي الرُّشْدُ" وقال - عليه (الصلاة و) السلام: "إنَّ لِي أسْمَاءَ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الماحِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى قَدَمِيَ وأَنَا العَاقِبُ" والعاقِبُ الذَّي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ.