خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ
٣٧
وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٣٨
وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ
٣٩
لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
٤٠
-يس

اللباب في علوم الكتاب

قوله: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ} كقوله: {وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ} و {نَسْلَخُ} و استعارة بديعة شبه انكشاف ظُلْمَةِ الليل بكَشْطِ الجِلْد عن الشَّاة لم استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلِّيُّ استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكُلِّيُّ؛ فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة؛ لأن المكانَ لا يستغني عنه الجواهر والزمان لا يستغني عنه الأعراض لأن كل عرض فهو في زمان.
فإن قيل: إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فَلِمَ خَصَّ الدليل؟!.
فالجواب: أنه لما استدل بالمكان المظلم وهو الأرض استدل بالزَّمَان المُظْلِم وهو الليل. ووجه آخر وهو أن اللَّيْلَ فيه سكون (الناس) وهدوء الأصوات وفيه النَّوْم وهو الموت الأصغر فيكون بعد طلوع الفَجْرِ كالنفخ في الصور فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض:
{ وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ } [يس:33] وذكر من الزمان أشبههما بالموت كما ذكر في المكان أشْبَهَهُمَا بالموت.
فإن قيل: الليل بنفسه آية فأيُّ حاجة إلى قوله: {نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}؟.
فالجواب: أن الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه ولهذا لم يجعل الله الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها.
قوله: {فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ} أي داخلون في الظلام كقوله: "مُصْبِحِينَ" و "إذَا" للمفاجأة؛ أي ليس لهم بعد ذلك أمرٌ لا بد لهم من الدخول فيه.
قوله: {وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا} يحتمل أن تكون الواو للعطف على "اللَّيْل" تقديره: "وآيَةٌ لَهُم اللَّيلُ نسلخ والشمسُ تَجْري والقمر قدرناه" فيه كلها آية وقوله: "والشمس تجري" إشارة إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها بأمر الله فمغرِب الشمس سالخ النّهار فذكر السبب بين صحة الدعوة ويحتمل أن يقال بأن قوله: {والشمس تجري لمستقر لها} إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} ذك أن الشمس تجري فتطلع عن انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه.
قال المفسرون: إن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة.
قوله: "لمستقر" قيل: في الكلام حذف مضاف تقديره تَجْري لِمَجْرى مُسْتَقَرٍّ لها وعلى هذا فاللام للعلة أي لأجل جري مستقر لها. والصحيح أنه لا حذف وأن اللام بمعنى "إلى". ويدل على ذلك قراءة بعضهم "إلَى مُسْتَقَرٍّ". وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة وزيْن العابدين وابنُه الباقر والصَّادِق ابن الباقر: لاَ مُسْتَقَّر بلا النافية للجنس وبناء "مُسْتَقَرّ" على الفتح و"لها" الخبر. وابن عبلة لا مُسْتَقَرٌّ بلا العاملة عمل ليس "فمستقر" اسمها و "لها" في محل نصب خبرها، كقوله:

4182- تَعَزَّ فَلاَ شَيْءٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِيا وَلاَ وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ وَاقِيَا

والمراد (بذلك) أنها لا تستقر في الدنيا بل هي دائمة الجَرَيان وذلك إشارة إلى جريها المذكور.
فصل
قيل: المراد بالمستقر يوم القيامة فعندها تستقر ولا يقى لها حركة. وقيل: تَسِيرُ حتَّى تَنْتَهِيَ إلى أبعد مغاربها فلا تتجاوزه ثم ترجع. وقيل: الليل. وقيل: نهاية ارتفاعها في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء.
"وروى أبو ذَرّ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر حين غربَتِ الشمس: تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حت تسجُدَ تحت العرش فتستأذنَ فيؤذَنَ لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل (منها) وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارْجِعِي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله: والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم" . وروى عَمْرُو بن دِينَار عن ابن عباس والشمس (تجري) لا مستقرّ لها أي لا قرار لها ولا وقوف وهي جارية أبداً.
قوله: "ذَلِكَ" إشارة إلى جَرْي الشَّمْس أي ذلك الجري تقدير الله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي ذلك المستقر تقدير الله العزيز الغالب والعليم الكامل العلم أي قادر على إجرائها على الوجه الأنفع وذلك من وجوه:
الأول: أن الشمس لو مرّت كل يوم على مُسَامَتَةٍ واحدة لاحترقت (الأرض) التي تُسَامِتُها بمرورها عليها كل يوم وبقي الجمود مستولياً على الأماكن الأُخَر فقدر الله لها بُعْداً لتجمع الرطوبات في باطن الأرض والإسخان في زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج ليخرج النبات والثمار من الأرض والشجر ويَنْضُجَ ويَجفَّ.
الثاني: قدر لها في كل يوم طُلُوعاً وفي كل ليلة غروباً، لئلا تَكِلَّ القوى والأبصار بالسهر والتعب ولئلا يَخْرُبَ العالم بترك العِمَارة بسبب الظلمة الدائمة.
الثالث: جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زُحَلَ لأنها كاملة النور فلو كانت بطيئةَ السير لدامتْ زماناً كثيراً في مُسَامَتَةِ شيء واحد فتحرقه ولو كانت سريعة السير لما حصل لها لبث بقَدْر ما ينضج من الثمار في بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ.
قوله: {وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ} قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو برفع "القمر". والباقون بنصبه. فالرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال. والوجهان مستويان لتقدم جملةٍ ذاتِ وجهين وهي قوله: "والشَّمْسُ تجري". فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجُزَهَا نصبت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجُزَهَا نصبت لتعطف فعلية على مثلها. وبهذه الآية يبطل (قول) الأخفش: إنه لا يجوز النصب في الاسم إلا إذا كان في جملة الاشتغال ضمير يعود على الاسم الذي تضمنته جملةٌ ذات وجهين: قال: لأن المعطوف على الخبر خبر فلا بد من ضمير يعود على المبتدأ فيجوز: "أَزَيْدٌ قَامَ وعمراً أكْرَمْتُه فِي دَارِهِ" ولو لم يقل "في داره" لم يجز ووجه الردّ من هذه الآية أن أربعة من السبعة نصَبُوا وليس في جملة الاشتغال ضمير يعود على الشمس وقد أجمع على النصب في قوله تعالى:
{ { وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا } [الرحمن:7] بعد قوله: { { وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } [الرحمن:6].
قوله: "مَنَازِلَ" فيه أَوْجُهٌ:
أحدها: أنه مفعول ثان لأن "قَدَّرْنَا" بمعنى صَيَّرْنَا.
الثاني: أنَّه حال ولا بد من حذف مضاف قبل منازل تقديره: ذَا مَنَازِلَ قال الزمخشري: لا بُدَّ من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام، لأن القمر لم يجعل نفسه مَنَازلَ.
الثالث: أنه ظرف أي قدرنا مَسِيرَهُ فِي مَنَازِلَ. وتقدم نحوه أول يونس.
قوله: {حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرْجُونِ} العامة على ضم العين والجيم. وفي وزنه وجهان:
أحدهما: أنه فُعْلُولٌ. فنونه أصلية وهذا هو المرجح.
والثاني: وَهُو قول الزجاج: أن نونه مزيدة ووزنه فُعْلُونٌ مشتقاً من الانْعِرَاج، وهو الانعطاف وقرأ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بكسر العين وفتح الجيم وهما لغتان كالبُزيون والبِزْيُون. والعرجون عُود العِذْقِ ما بين الشماريخ إلى مَنْبِتِهِ من النخلة وهو تشبيه بديع شبه به القمر في ثلاثة أشياء دقَّتِهِ واستقواسه واصْفِرَارِهِ لأن العِذق الذي عليه الشماريخ إذا قَدِمَ وعَتِقَ دَقَّ وتَقَوَّسَ واصْفَرَّ. والقديم ما تَقَادَمُ عَهْدُهُ بحكم العادة ولا يشترط في جواز إطلاق لفظ القديم عليه مدةً بعينها بل إنما يعتبر العادة حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنةٍ أو سنتين لبنائها قديم أو هي مدينة قديمةٌ ويقال لبعض الأشياء: إنّه قديم وإن لم يكن له سنةٌ (واحدة) ولهذا جاز أن يقال: بَيْتٌ قديمٌ وبناء قديمٌ ولم يجز (أن يقال) في العالم: إنه قديم؛ لأن القِدَم في البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه وإطلاق القديم على العالم بِتَمَادِي الأزمنة عند من (لا) يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه.
قوله: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلقَمَرَ} أي لا يدخل على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو معنى قوله: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} أي يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر لا تطلع الشمس بالليل ولا (يطلع) القمر بالنهار وله ضوء فإذا اجتمعا وأدرك كلّ (واحد) منهما صاحبه قامت القيامة. وقيل: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلقَمَرَ} لا تجتمع معه في فَلَك واحد {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} أي لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل.
فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: {لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلقَمَرَ} بصيغة الفعل وقوله: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ} بصيغة اسم الفاعل ولم يقل ولا الليل "سَبَقَ" ولا قال: لاَ الشَّمْسُ مُدْرِكَةٌ لِلْقَمر؟.
فالجواب: أن حركة الشمس التي لا تدرك بها القمر مختصة بالشمس فجعلها كالصادرة منها فذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل فلا يقال: يَخِيط ولا يكون تصدر منه الخِيَاطَةُ وأما حركة القمر فليست مختصةً بكوكب من الكواكب بل الكل فيها مشترك بسبب حركة فَلَكٍ لا يختص بكوكب فالحركة ليست كالصادرة منه فأطلق على اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال: فُلاَنٌ خَيَّاطٌ وإن لك يكن يَخِيط. فإن قيل: قوله:
{ { يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً } [الأعراف:54] يدل على أن الليل سابق.
فالجواب: أن المراد من الليل ها هنا سلطان الليل وهو القمر ولا يسبق الشمس بالحركة اليَوْميَّةِ السريعة والمراد من الليل هناك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقب الآخر فكأنه طَالبُهُ.
فإن قيل: قد ذكر ههنا سابق (النهار) وقال هناك يطلبه ولم يقل طالبه.
فالجواب: لما بينا (من) أن المراد في هذه السورة من الليل كواكب الليل وحركتها بحركة الفَلَكِ فكأنها لا حَرَكَةَ لها فلا سبق ولا من شأنها أنها سابقة والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زَمَانَانِ لا قرارَ لهما فهو يطلب حثياً لصدور المنقضي منه.
فإن قيل: ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر وماذا يكون لو قال: ولا القمرُ سابق الشَّمس.
فالجواب: لو قال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى الحركة اليومية فكان يتوهم المناقض بأن الشمس إذا كانت لا تدرك القمر فالقمر أسرع ظاهراً وإذا قال: ولا القمر سابق يظن أن القمر لا يسبق فليس بأسرع فقال اللَّيْل والنهار ليعمل أن الإشارة إلى الحركة التي بها تتم الدورة في يوم وليلة مرة وأن جميع الكواكب لها طلوع وغروب في اللّيل والنهار.
قوله: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ} قرأ عمارة بنصب "النَّهَار" حذف التنوين لالتقاء الساكنين.
قال المبرد: سمعته يقرؤها فقلت: ما هذا؟ فقال: أردت سَابِقٌ - يعني بالتنوين - فخففت.
قوله: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي يَجْرُون. وهذا يحقق أن لكلِّ طلوع في يوم وليلة ولا يسبق بعضُها بالنسبة إلى هذه الحركة والتنوين في قوله: "كُلُّ" عوض عن الإضافة. والمعنى كل واحدٍ. وإسقاط التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكيرُ في شيءٍ واحد فلما أسقط المضاف إليه لفظاً رد التنوين عليه لفظاً وفي المعنى معرف بالإضَافَةِ.
فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟.
فالجواب: نعم، لأن قول القائل: كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال: كُلّ كذا يدخل في الفهم عمومٌ أكثر من العموم عند الإضافة وهذا كما في: "قَبْل وبَعْد" إذا قلت: أفعلُ قَبْلَ كذا فإذا حذفت المضاف وقلت أفعل قبل أفاد فهم الفعل قبل كُلِّ شَيْءٍ.
فإِنْ قِيلَ: فهل بين قولنا: "كُلٌّ منْهُمْ" وبين: "كُلّهم" وبين "كُلٍّ" فرق؟.
فالجواب: نعم فقولك: كلهم يثبت الأمر للاقتصار عليهم، وقولك: كُلّ منهم يثبت الأمر أولاً للعموم ثم استدركه بالتخصيص فقال: منْهم وقولك: كلّ يثبت الأمر على العموم وتركت عليه. فإن قيل: إذا كان "كُلّ" معناه كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيْفَ قال: يَسْبَحُونَ؟.
فالجواب: أن قوله "كل" للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيَّاراً. وأيضاً فلفظ "كل" يجوز أن يوحَّد نظراً إلى كون لفظه مُوحَّداً غير مثنى ولا مجموع ويجوز أن يجمع لكونه معناه جمعاً، وأما التثنية فلا يدل عليه اللفظ ولا المعنى وعلى هذا يحسن أن يقال: "زَيْدٌ وعمرٌو كُلٌّ جَاءَ" ولا يقال: (كل) جَاءَا بالتثنية. وجواب آخراً قوله: {وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ} فالمراد من الليل الكواكب فقال: "يَسْبَحُونَ".
فصل
الفَلَكُ هو الجسمُ المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فَلَكَة المَغْزِل سميت فكلة لاستدارتها وفلك الخيمة هي الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود، لئِلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرةً وقد اتفق أكثر المفسرين (على) أنَّ السماءَ مبسوطةٌ لها أطراف على جبال وهي كالسَّقْفِ المُسْتَوِي ويدل عليه قوله تعالى:
{ { وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ } [الطور: 5]. قال ابن الخطيب: ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل دل الدليل الحِسِّيُّ على كونها مستديرةً فوجب المصير إليه والسقف والمقَبَّب لا يخرج عن كونه سقفاً وكذلك كونه على جبال. وأما الدليل الحسي فوجوه:
الأول: أن من أمْعَنَ في النظر في جانب الجنوب تظهر له كواكب مثل سُهَيْل وغيره ظهوراً أبدياً ولو كان السماء سطحاً مستوياً لبان الكُلُّ للكلِّ بخلاف ما إذا كان مستديراً فإن بضعه حينئذ يستتر بأطراف الأرض فلا يُرَى.
الثاني: أن الشمس إذا كانت مقارنة للحَمَل مثلاً فإذا غربت ظهر لك كواكبُ في منطقة البروج من الحَمل إلى المِيزان ثم في كل قليل يستتر الكوكب الذي يكون طلوعه بعدَ طلوع الشمس وبالعكس وهذا دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير (قَطْعيًّا).
الثالث: أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوؤها ويستنير نورُها وإلا لما كان كذا بل كان (عند) إعادتها إلى السماء يظهر لك أحد جِرْمُها ونورُها معاً لكون السماء مستويةً (حنيئذ مكشوفة كلها لكل أحد.
الرابع: لو كانت السماء مستويةً) لكان القمرُ عندما يكون فوق رُؤُوسِنَا على المُسَامَتَةِ أقرب ما يكون إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا لأن العمودَ أصغرُ من القُطْرِ والوتر وكذلك في الشمس والكواكب وكان يجب أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلِكَ.
الخامس: لو كانت السماءُ مستويةً لكان ارتفاعها أَولَ النهار ووَسَطَهُ وآخِرَهُ مستوياً وليس كذلك. والوجوه كثيرة وفي هذا كفايةٌ.
فصل
قال المُنَجِّمُونَ قوله تعالى: "يَسْبَحُونَ" يدل على أنها أحياء لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال ابن الخطيب إن أرادوا القَدْرَ الذي يكون منها التسبيح فنقول به لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام:
{ { مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } [الصفات:92] وقوله: { أَلا تَأْكُلُونَ } [الصافات:91].