خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ
٥٥
هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ
٥٦
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ
٥٧
سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ
٥٨
وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
٥٩
-يس

اللباب في علوم الكتاب

ثم بيّن حال المحسن فقال: { إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} فقوله: "فِي شُغُلٍ" يجوز أن يكون خبراً لـ "إنّ" و "فَاكِهُونَ" خبر ثانٍ وأن يكون "فاكهون" هو الخبر و "فِي شُغُلٍ" يتعلق به، وأن يكون حالاً، وقرأ الكوفيون وابنُ عامر "شُغُلٍ" بضمتين. والباقون بضم سكون. وما لغتان للحجازيين قاله الفراء، ومجاهدٌ وأبو السَّمَّال بفتحتين. ويزيد النحويّ وابنُ هُبَيْرَة بفتح وسكون. وهما (لغتان) أيضاً. والعامة على رفع "فاكهون" على ما تقدم. والأعمشُ وطلحةُ "فاكِهينَ" نصباً على الحال، والجار الخبر. والعامة أيضاً على فاكهين بالألف بمعنى أصحاب فاكهة كلاَبِنٍ وتَامِرٍ ولاَحِمٍ، والحسنُ وأبُو جَعْفَر وأبو حَيْوَة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد "فكهون" بغير ألف بمعنى طربون فرحون من الفُكَاهَةِ بالضم. وقيل: الفاكِهُ والفكه بمعنى المتلذذ والمتنعم لأن كلاًّ من الفاكهة والفكاهة مما يُتَلَذَّذُ بِهِ ويتنعم كحاذر وحذر، وقرىء "فَكِهِينَ" بالقصر والياء على ما تقدم. وفَكهُونَ بالقصر وضم الكاف، يقال: رجل فَكِه وفكُه كرجل ندِس وندُس وحَذِر وحذُر.
فصل
اختلفوا في الشغل فقال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وقال وكيع بن الجراح: في السماع. وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضاً.
وقيل: في ضيافةِ الله فاكهون. وقيل: في شغل عن هَوْلِ اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب فما عندهم خير من عذاب ولا حساب. وقوله "فَاكِهُونَ" متمّمٌ لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شُغُل جاز أن يقال هم في شغل أعظم من التذكر في اليوم وأهواله فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخُسْران وقع في ماله يقول أنا مشغول عن هذا بأهمَّ منه فقال: فاكهونَ أي شغلوا عنه باللّذة والسُّرُور لا بالوَيْلِ والثُّبُور. وقال ابن عباس: فاكهون فَرِحُونَ.
قوله: "هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ" يجوز في "هم" أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في: "فَاكِهُونَ" و "أَزْوَاجُهُمْ" عطف على المستكن، ويجوز أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في "شُغُل" إذا جعلناه خبراً و"أزواجهم" عطف عليه (مستكن ويجوز أن أيضاً). كذا ذكره أبو حيان. وفيه نظر من حيثُ الفصلُ بين المؤكد والمؤكد بخير "أن"، ونظيره أن نقول: "إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ قَائمٌ هُو وعَمْرو" على أن يجعل "هو" تأكيداً للضمير في قولك: "في الدار"، وعلى هذين الوجهين يكون قوله: "مُتَّكِئُونَ" خبراً آخر لـ "إنّ" و "فِي ظِلاَلِ" متعلق به أو حال، و"عَلَى الأَرَائِكِ" متعلق به، ويجوز أن يكون "هم" مبتدأ ومتكئون خبره والجاران على ما تقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون "فِي ظِلاَلٍ" هو الخبر قال "وعلى الأرائك" مستأنف. وهي عبارة موهمة غير الصواب ويرد بذلك أن "مُتَّكِئُونَ" خبر مبتدأ مضمر و "على الأرائك" متعلق به، فهذا وجه استئنافه لا أنه خبر مقدم و "متكئون" مبتدأ مؤخر إذا لا معنى له. وقرأ عبد الله "مُتَّكِئِينَ" نصباً على الحال. وقرأ الأخوان "في ظُلَلٍ" بضم الظاء والقصر. وهو جمع ظُلَّة نحو غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وحُلَّةٍ وحُلَلِ. وهي عبارة عن الفرش والستور والباقون بكسر الظاء والألف جمع ظُلَّةٍ أيضاً كحلَّةٍ وحِلاَل وبُرْمة وَبِرام أو جمع "فِعْلَةٍ" بالكسر إذ يقال: ظُلَّةٌ وظِلَّةٌ بالضم والكسر، كلُقْحَةٍ ولِقَاحٍ إلاَّ أن فِعَالاً لا ينقاس فيها أو جمع "فِعْل" نحو: ذِئْب وذِئَاب ورِيحٍ ورِيَاحٍ.
فصل
الأَرَائِكُ هي السرر في الحِجال واحدها أَريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة (جمع) حتى يكون عَلَيْها حجْلة. "متكئون" ذَوْ(و) اتّكَاء. وهو إشارة إلى الفراغ. وقوله "هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ" إشارة إلى عدم الوحشة {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ} إشارة إلى دفع جميع جوائجهم. وقوله: {لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ} إشارة إلى أن لا جوع هناك لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع.
قوله: {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} في "ما" هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية (أو) نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف (أو) مصدرية. و"يَدَّعُونَ" مضارع ادَّعى افْتَعَلَ من دَعَا يَدْعُو؛ وأُشْربَ التمني. قال أبو عبيدة: العرب تقول: "ادَّع عليَّ ما شِئْتَ" أي تَمَنَّ، و"فُلاَنٌ في خَيْر مَا يَدَّعِي" أي ما يتمنى، وقال الزجاج: هو من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم، من: دَعوتُ غلاميَ. فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال بمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل: افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارْتَمَوْا وَتَرَاموا، و"ما" مبتدأ وفي خبرها وجهان:
أظهرهما: أنه الجار قبلها.
والثاني: أنه "سَلاَم" أي مسلم خالص أو ذو سَلاَمةٍ.
قوله: "سَلاَمٌ" العامة على رفعه وفيه أوجه:
أحدها: ما تقدم من كونه خبر "مَا يَدَّعُونَ".
الثاني: أنه بدل منها. قاله الزمخشري. قال أبو حيان: وإذا كان بدلاً كان "مَا يَدَّعُونَ" خصوصاً والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان عموماً لم يكن بدلاً منه.
الثالث: أنه صفةٍ "لِمَا" وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة. أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخالفهما تعريفاً وتنكيراً.
الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو سلام.
الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب لـِ (ـقوله) "قَوْلاً" أي سَلامَ يُقَالُ لَهُمْ قَوْلاً. وقيل: تقديره سَلاَمٌ عليكم.
السادس: أنه مبتدأ وخبره "مِنْ ربّ". و "قَوْلاً" مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر، وقرأ أبيّ وعبدُ الله وعيسى سَلاَماً بالنصب. وفيه وجهان:
أحدهما: أنه حال، قال الزمخشري: أي لهم مرادهم خالصاً.
والثاني: أنه مصدر (أي) يُسَلمُونَ سَلاَماً إما من التحية وإما من السلامة.
و "قَوْلاً" إما مصدر مؤكد، وإما منصوب على الاختصاص. قال الزمخشري: وهو الأوجه و"منْ رَبِّ" إما صفة لـ "قَوْلاً" وإما خبر "سلام" كما تقدم. وقرأ القُرَظِيُّ "سِلْمٌ" بالكسر السكون، وتقدم الفرق بينهما في البقرة.
فصل
إذا قيل: بأن سلام بدل مِنْ "مَا يَدَّعُونَ" فكأنه تعالى قال لهم ما يدعون ونبَّه ببدله فقال: لهم سلام فيكون مبتدأ وخبره الجار والمجررو كما يقال: "فِي الدَّارِ رَجُلٌ ولِزَيْدٍ مَالٌ" وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة م المعرفة جائز، فتكون "ما" بمعنى الذي معرفة، وسلام نكرة. ويحتمل على هذا أن يقال: "ما" في قوله تعالى: {مَّا يَدَّعُونَ} لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شَيْءٌ يَدَّعُونَ، ثم بين بذكر البدل فقال: "سَلاَم". والأول أصحّ. وإن قيل: سلام خبر "ما" و "لهم" لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي خالص لهم. والسَّلاَمُ بمعنى السالم والسليم، يقال: عَبْدٌ سَلاَم أي سليمٌ من العيوب كما يقال: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ متوفر فالجَارّ والمجرور يكون لبيان من له ذلك، "والشرف" هو المبتدأ "ومتوفر" خبره، وإن قيل: "سلام" منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره: سَلاَمٌ عَلَيْهِمْ ويكون ذلك إخباراً من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال: إنَّ أصحاب الجنة في شغل، ثُمَّ لمَّا بين كمال حالهم قال: سلام عليهم كقوله تعالى:
{ { سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ } [الصافات:79] و { وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ } } [الصافات:181] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين. أو يقال تقديره: سلام عليكم ويكون التفاتاً حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال: { { سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ } [الأنعام:54]
فصل
إذا قيلَ: إنَّ "قَوْلاً" منصوب على المصدر فتقديره على قولنا إن المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سَلاَم يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلاً. أو تقول الملائكة قَوْلاً، وعلى قولنا ما يدعون سلام لهم فتقديره قال الله ذلك قولاً ووعدهم أن لهم ما يدعون سلامٌ وعداً، وعلى قولنا: سلام عليهم فتقديره أقُولُهُ قَوْلاً، وقوله {مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} يكون لبيان (أن) السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولاً، ويحتمل أن يقال على هذا بأنه تمييز؛ لأن السلام قد يكون قولاً وقد يكون فِعلاً فإن من يدخل على الملك يطأطىءُ رأسه يقال: سلمت على الملك فهو حينئذ كقول القائل: موجودة حُكْماً لا حِس‍ًّا.
فصل
روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوقهِمْ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِن النَّعِيم مَا دَامُوا يَنْظُرُون إليْهِ حَتَّى يَحْتَجب عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ في دِيارهِمْ" . وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم كقوله: { { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم } [الرعد: 23-24] أي يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم، وقيل: يعطيهم السلامة.
قوله: "وامتازوا" على إضمار قول مقابل لما قيل للمؤمنين أي ويقال للمجرمين امتازوا أي انعزلوا من مَازَهُ يَمِيزُهُ.
قال المفسرون: إن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته (ويرى ذِلّة نفسه) فيتحسر فيقال: امتازوا اليوم. وقيل: المعنى ادخلوا مساكنكم من النار، وقال أبو العالية تميزوا، وقال السدي: كونوا على حِدَة. وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة. وقيل إن قوله وامتازوا أمر تكوين فحين يقول فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجوههم سواد كما قال تعالى:
{ { يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ } [الرحمن:41].