خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ
٢٠
أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٢١
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٢٢
أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
٢٣
وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ
٢٤
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٢٥
قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٢٦
-الجاثية

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى: {هَـٰذَا بَصَائِرُ} أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: "هَذِه" رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله:

4444ـ ...........................سَائِلْ بَنِي أَسَـدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟

لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف {وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن.
قوله: "أَمْ حَسِبَ" أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَها وتقدم تحقيق هذا.
قوله: "كَالَّذِينَ آمَنُوا" هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: "كَالَّذِينَ آمَنُوا" ويكون المفعول الثاني للجعل "كالذين آمنوا" أي أحسبوا أنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك.
الثاني: أن يكون "سواءً" هو المفعول الثاني للجَعْل. و "كَالَّذِينَ" في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك.
الثالث: أن يكون "سواه" مفعولاً ثانياً "لحسب". وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء.
قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان:
أحدهما: هو حال من الضمير في "الكاف" أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال.
الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه {مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} مرفوعان (بسواء) لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى.
فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن "حسب" وأخواتها إذا وقع بعدها "أَنَّ" المشددة و "أَنْ" المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان "أَنْ" الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون "سواءًَ" مفعولاً ثانياً لحسب؟!.
فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ "أنْ نَجْعَلَهُمْ" مفعولاً أول (لـ "حَسِبَ") و "سَوَاءً" مفعولاً ثانياً.
فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المفعول الأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه.
ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين:
أحدهما: أن يكون "سواء" خبراً مقدماً، و "مَحْيَاهُم" مبتدأ مؤخراً، ويكون "سواء" مبتدأ و "محياهم" خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ.
ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق.
قال أبو حيان: وهذا ـ أعني إبدال الجملة من المفرد ـ أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: "والذي يظهر أنه لا يجوز ـ يعني ما جوزه الزمخشري ـ قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبوه قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز.
قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبوه قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية.
الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش "سواءً" نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ.
بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان:
أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً).
والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعلهم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين.
قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل "مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ" ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و(ممات) و(مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكانية فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في "محياهم ومماتهم" يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه.
(فصل)
لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هنا أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى:
{ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } [الأنعام:60]. وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح ـ رضي الله عنهم ـ وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاً منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: {سواءً محياهم ومماتُهُمْ}. قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: {وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض} {واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ} والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ } [عبس:38ـ42] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...} الآية.
قوله تعالى: {وخلق الله السموات والأرض بالحق} لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسلطه على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس.
قوله: "بِالْحَقِّ" فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية.
قوله: "وَلتُجْزَى" فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عطفاً على "بالحق" في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها.
الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لا يتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين.
الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من يث اهتدى بها قوم وضلَّ عنها آخرون.
قوله: "أفَرَأْيت" بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ"فَمَنْ يَهْدِيهِ".
وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلات الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء "آلِهَتَهُ" هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: "عَلَى عِلْمٍ" حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه بعاقبة أمره أنه أهل لذلك.
وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه.
قوله: {وختم على سمعه وقلبه} يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله:
{ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } [البقرة:7] وقد تقدم.
قوله: "غشاوة" قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبدالله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة.
قوله: {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} أي من بعد إضلال الله إياه. قال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين.
قوله: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون.
فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟.
فالجواب: من وجوه:
الأول: المراد بقوله: "نموت" حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: "نحيا" ما حصل بعد ذلك في الدنيا.
الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا.
الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ.
الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} ثم قال بعده: {نَمُوتُ وَنَحْيَا} يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد.
قوله: {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ} الذي قالوه {مِنْ عِلْمٍ} أي لم يقولوه عن علم عَلِموه {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}. روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ:
"قال الله تعالى: لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها" وعنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ" . ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله ـ عز وجل ـ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر.
قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قرأ العامة بنصب "حجتهم". وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و "ما كان" جواب "إذا" الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب "إذا" فيها لأن "ما" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما.
فصل
سمى قولهم حجة لوجوه:
الاول: لزعمهم أنه حجة.
الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألبتة حجة كقوله:

4445ـ ...............................تَحِيَّـةُ بَيْنِهِـمْ ضَـرْبٌ وَجيــعُ

الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عدم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ.
قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}.
فإن قيل: هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول: {ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر} وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: {قُل ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ}؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟!.
فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: {قُل ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ} إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} إشارة إلى ما تقدم في الآية المتقدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} دلالة حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.