خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
٧٥
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ
٧٦
فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٧٧
فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
٧٨
فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ
٧٩
-الأعراف

اللباب في علوم الكتاب

قوله: "قَالَ المَلأُ" قرأ ابنُ عامرٍ وحدَهُ "وَقَالَ" بواو عطف نسقاً لهذه الجملة على ما قبلها، وموافقة لمصاحفِ الشَّام، فإنها مرسومة فيها، والباقون بحذفها: إما اكتفاء بالربط المعنوي، وإمّا لأنَّهُ جواب لسؤال مقدَّر كما تقدَّم، وهذا موافقة لمصاحفهم، وهذا كما تقدَّم في قوله: { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ } [الأعراف: 43] إلا أنَّهُ هو الذي حذف الواو هناك.
قوله: {ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ}.
السين في "اسْتَكْبَرُوا" و "اسْتُضْعِفُوا" يجوز أن تكون على بابها من الطلب، أي: طلبوا - أولئك - الكِبْرَ من أنفسهم ومن المؤمنين الضعف.
ويجوزُ أن يكون "اسْتَفْعَلَ" بمعنى: فعل [كَعَجِبَ] واسْتَعْجَبَ.
واللاَّم في "الذِينَ اسْتُضْعِفُوا" للتبليغ، ويضعف أن تكون للعلّة، والمراد بالذين استكبروا الرّؤساء، وبالذين استضعفوا المساكين.
قوله: {لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} بدلٌ من "الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا" بإعادة العامل، وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّهُ بدل كلٍّ من كُلٍّ، إن عاد الضَّمير في "مِنْهُم" على قومه، ويكون المستضعفون مؤمنين فقط، كأنَّهُ قيل: قال المستكبرون للمؤمنين من قوم صالح.
والثاني: بدلُ بعض من كلٍّ، إنْ عاد الضَّميرُ على المستضعفين، ويكون المستضعفون ضربين: مؤمنين وكافرين، كأنَّهُ قيل: قال المستكبرون للمؤمنين من الضُّعَفَاءِ دون الكَافِرينَ من الضُّعفاء.
وقوله: "أتَعْلَمُونَ" في محل نصب بالقول.
و "مِن رَّبِّهِ" متعلق بـ "مُرْسَلٌ"، و "من" لابتداء الغاية مجازاً، ويجوز أن تكون صفةً فتتعلق بمحذوف.
واعلم أنَّ المستكبرين لمَّا سألوا المُسْتَضْعفين عن حال صالح وما جاء به، فأجاب المُسْتَضْعَفُون بقولهم: إنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ صالح مؤمنون، أي: مُصَدّقون، فقال المستكبرون: بل نحن كافرون بما آمنتم به، أي: بالذي جاء به صالح.
قوله: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ} متعلق بـ "مُؤمِنُونَ" قُدِّم للاختصاص والاهتمام وللفاصلة.
قوله: "قَالَ الذي"ما" موصولة، ولا يجوزُ هنا حذف العائد وإن اتحد الجار للموصول وعائده؛ لاختلاف العامل في الجارين وكذلك قوله: {بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}.
قوله: "فَعَقَرُوا النَّاقَةَ" أصل العَقْرِ: كَشْفُ العَراقِيبِ في الإبل، وهو أن يضرب قَوَائمَ البَعِيرِ أو النَّاقَةِ فتقع، وكانت هذه سنتهم في الذَّبْحِ.
قال امرؤ القيس: [الطويل]

2505 - وَيَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذَارَى مَطِيَّتِي فَيَا عَجَباً مِنْ رَحْلِهَا المُتَحَمَّلِ

ثم أطلق على كل نَحْرٍ "عَقْرٌ"، وإن لم يكن فيه كشف عراقيب تسمية للشَّيء بما يلازمه غالباً، إطلاقاً للمسبّب على مسبّبه هذا قول الأزهري.
وقال ابن قتيبة: "العَقْرُ: القتل كيف كان، عَقَرْتُها فهي معقورة".
وقيل: العقر: الجرح. وعليه قول امرىء القيس: [الطويل]

2506 - تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الغَبِيطُ بِنَا معاً عَقَرْتَ بَعِيرِي يَا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ

يريد: جَرَحْتَهُ بثقلك وتمايلك، والعَقْر والعُقر بالفتح، والضمّ [الأصل]، ومنه عَقَرْتُه أي: أصبتُ عقره يعني أصله كقولهم: كَبَدْتُه ورَأسْتُه أي: أصبت كَبِدَهُ ورأسه، وعَقَرْتُ النخل: قطعته من أصله، والكَلْبُ العقور منه، والمرأة عَاقِرٌ، وقد عُقِرَت.
والعقر بالضَّمِّ آخر الولد وآخر بيضة يقال: عُقر البيض.
والعَقار بالفتح: الملك من الأبنية، ومنهُ "ما غُزِيَ قومٌ في عُقْرِ دارِهمِ إلاَّ ذُلُّوا"، وبعضهم يخصه بالنَّخل.
والعُقارُ بالضمِّ: الخمر؛ لأنَّها كالعَاقِرَة للعقل، ورفع عَقِيْرَتَهُ أي: صَوْتَهُ، وأصله أن رجلاً عَقَر رجْلَه فرفع صوته فاستعير لكلِّ صائحٍ، والعُقر بالضمِّ: المَهْرُ.
وأضاف العقر إليهم مع أنَّه ما كان باشره إلا بعضهم؛ لأنَّهُ كان برضاهم.
قوله: "وَعَتَوْا" العُتُوُّ، والعُتِيُّ: النُّبُوُّ أي: الارتفاع عن الطَّاعة يقال منه: عَتَا يَعْتُو عُتُوّاً وعُتِيّاً بقلب الواوين ياءين، والأحسن فيه إذا كان مصدراً تصحيح الواوين كقوله:
{ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً } [الفرقان: 21] وإذا كان جمعاً الإعلالُ نحو: قوم عُتِيٌّ، لأنَّ الجمع أثقلُ، قياسُه الإعلال تخفيفاً.
وقوله:
{ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً } [مريم: 66] محتمل للوجهين قوله: { وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً } [مريم: 8] أي: حالة تتعذر مداواتي فيها كقوله: [الكامل]

2507 -.................... وَمِنَ العَنَاءِ رِيَاضَةُ الهَرِمِ

وقيل: العاتي: الجاسي أي اليَابِسُ. ويقال: عَثَا يَعْثُو عُثُوّاً بالثاء المثلثة من مادة أخرى؛ لأنَّهُ يقال: عَثِي يَعْثَى عِثِيّاً وعثا يَعْثُوا عُثُواً، [فهو في إحْدَى لغتيه يشاركه "عَتَا" بالمثناة وزناً ومعنى، ويقاربه في حروفه. والعيث أيضاً - بتقديم الياء من أسْفَل] على الثاء المثلثة - هو الفساد، فيحتمل أن يكون أصلاً، وأن يكون مقلوباً فيه.
وبعضهم يجعل العَيْث الفساد المدرك حِسّاً، والعِثِيَّ في المدرك حكماً، وقد تقدَّم طرفٌ من هذا.
ومعنى الآية: استكبروا عن امتثال أمر ربّهم وكذّبوا بنبيهم.
قوله: {وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا} يجوزُ لك على رواية من يسهِّل الهمزة وهو وَرْشٌ والسوسي أن تقلب الهمزة واواً، فتلفظ بصورة "يَا صالح وُتِنا" في الوصل خاصة تُبْدل الهمزة بحركة ما قبلها، وإن كانت منفصلة من كلمة أخْرَى.
وقرأ عاصمْ وعيسى بْنُ عُمَرَ "أُوْتِنَا" بهمزة وإشباع ضم ولعله عاصم الجحدريّ لا عاصم بن أبي النجود، وهذه القراءة لا تبعد عن الغلطِ؛ لأن همزة الوصل في هذا النحو مكسورة فمن أين جاءت ضمة الهمزة إلاَّ على التوهُّم؟
قوله: "بِمَا تَعِدُنَا" العائِدُ محذوف أي: "تَعِدُناه" ولا يجوز أن تقدر "تَعِدُنا" متعدياً إليه بالباء، وإنْ كان الأصْلُ تعديته إليه بها، لئلا يلزم حذف العائد المجرور بحرف من غير اتّحاد متعلقهما لأن "بِمَا" متعلِّقٌ بـ "الإتيان"، و "به" متعلق بـ "الوعد" ثم قالوا {إِن كُنتَ مِنَ ٱلمُرْسَلِينَ} وإنما قالوا ذلك؛ لأنَّهم كانوا مكذبين في كل ما أخبر عنه من الوَعْدِ والوَعيدِ.
قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} قال الفراء والزجاج هي الزلزلة الشديدة يُقالُ رَجَفَتِ الأرْضُ تَرْجُفُ رَجْفاً وَرَجيفاً ورجفاناً قال تعالى:
{ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ } [المزمل: 14].
وقال اللَّيثُ: الرَّجْفَةُ: الطَّامة التي يتزعزع لها الإنسان ويضطرب. ومنه قيل للبحر رجَّافٌ لاضطرابه.
وقيل: أصله مِنْ رَجفَ به البعيرُ إذا حركه في سيره، كما يرجف الشجر إذا رجفه الريح.
قال ابن أبي ربيعة: [الطويل]

2508 - ولمَّا رَأيْتُ الحَجَّ قَدْ حَانَ وَقْتُهُ وَظَلَّتْ جِمَالُ الحَيِّ بالقَوْمِ تَرْجُفُ

والإرْجَافُ إيقاعُ الرَّجْفَةِ، وجمعه الأرَاجِيفُ، ومنه "الأراجِيفُ ملاقيحُ الفتنِ".
وقوله:
{ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ } [النازعات: 6].
كقوله:
{ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا } [الزلزلة: 1].
ومنه [الطويل]

2509 - تُحْيِي العِظَامَ الرَّاجِفَاتِ مِنَ البِلَى فَلَيْسَ لِدَاءِ الرُّكْبَتَيْنِ طبِيبُ

قوله: {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [يعني في بلدهم، كما يقال: دار الحرب، ودار البزّازين].
الجثوم: اللُّصوق بالأرْضِ من جثوم الطَّائر والأرْنَبِ، فإنَّهُ يلصق بطنه بالأرْضِ، ومنه رجل جُثَمَةٌ وجثَّامَةٌ كناية عن النَّؤوم والكَسْلان، وجثمانُ الإنسان شَخْصُه قاعداً وقال أبو عبيد: "الجُثُوم للنَّاس والطير كالبرول للإبل" وأنشد لجرير: [الوافر]

2510 - عَرَفْتُ المُنْتَأى وعَرَفْتُ مِنْهَا مَطَايَا القِدْرِ كالْحِدَأ الجُثُومِ

قال الكَرْمَانِيّ: حيث ذُكِرَت الرجفة وُحدت الدَّار، وحيث ذكرت الصيحة جُمِعَت الدار، لأنَّ الصيحة كانت من السماء فبلوغها أكبر وأبلغ من الزلزلة، فذكر كل واحد بالأليق [به] وقيل: في دارهم أي في بلدهم كما تقدَّم، وقيل: المراد بها الجنس.
فصل في بيان فائدة موضع الفاء في الآية
الفاء في "فأخذتهم" للتَّعقيب، وقوله: {فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} يقتضي أنَّ الرَّجفة أخذتهم عقيب قولهم: {ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ} وليس الأمر كذلك لقوله تعالى في آية أخرى:
{ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } [هود: 65]
فالجوابُ: أنَّ أسباب الهلاك وجدت عقيب قولهم: {ائتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ}، وهو أنَّهم اصفرت وجوههم في اليوم الأوَّل، واحمرّت في اليوم الثاني: واسودَّت في اليوم الثالث، فكان ابتداء العذاب متعقباً قولهم.
ويمكن أن تكون عاطفة على الجملة من قوله: "فَائْتِنَا" أيضاً وذلك على تَقْديرِ قرب زمان الهلاك من زمان طلبِ الإتيان. ويجوز أن يقدر ما يصحُّ العطف عليه بالفاءِ، والتقديرُ: فوعدهم العذاب بعد ثلاث فانقضت فأخذتهم.
فصل في دحض شبهة للملاحدة.
لا يلتفت إلى ما ذكره بعض الملاحدةِ في قوله: {فأخَذَتْهُم الرَّجْفَةُ}، وفي موضع آخر
{ ٱلصَّيْحَةُ } [هود: 67]، وفي موضع آخر { بِٱلطَّاغِيَةِ } [الحاقة: 5] واعتقد ما لا يجوز من وجوب التناقض إذ لا منافاة بين ذلك فإن الرجفة مترتبة على الصَّيحة؛ لأنَّهُ لمَّا صيح بهم؛ رجفت قلوبهم فماتوا، فَجَازَ أن يسند الإهلاكُ إلى كل منهما.
وأمّا "بالطَّاغية" فالباء للسببية، والطَّاغية: الطغيان مصدر كالعاقبة، ويقال للملك الجبَّار: طاغية، والتّاء فيه كعلاَّمةٍ ونسَّابةٍ، ففي أهلكوا بالطاغية، أي: بطغيانهم كقوله:
{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ } [الشمس: 11].
قال أبو مسلمٍ: الطَّاغية: اسم لكلِّ ما تجاوز عن حدِّه سواء كان حيواناً أو غير حيوان، قال تعالى: في الحيوان:
{ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ } [العلق: 6]، وقال: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ } [الشمس: 11].
وقال في غير الحيوان:
{ إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ } [الحاقة: 11] أي: غلب وتجاوز عن الحدِّ.
فصل في شهود الناقة
قيل إنَّ القوم قد شاهدوا خُرُوج النَّاقةِ من الصخرة، وذلك معجزة قاهرة تلجىء المكلف، وأيضاً شاهدوا الماء الذي كان شرباً لكل أولئك الأقوام في أحد اليومين، كان شَرباً لتلك النَّاقة الواحدة في اليَوْمِ الثَّانِي، وذلك معجزة قَاهِرَةٌ تقرب الملكف من الإلجاء.
وأيضاً إنَّ القوم لما نحروها توعدهم صالح بالعذابِ، وشاهدوا صدقه على ما روي أنَّهم احمروا في اليوم الأوَّل، واصفرُّوا في اليوم الثَّاني، واسودُّوا في اليوم الثالث، مع مشاهدة تلك المعجزة العظيمة، ثم شاهدوا علامات نُزول العذاب الشديد في آخر الأمر، هل يحتمل أن يبقى العاقل مع هذه الأحوال مُصرّاً على كفره؟
فالجوابُ: أن يقال: إنَّهَم قبل مشاهدتهم تلك العلامات من نزول العذاب كانُوا يكذبون، فلما نزلت بهم أول علامات العذاب وشاهدوها خرجوا عند ذلك عن حد التكليف فلم تكن توبتهم مَقْبُولَةً.
قوله: "فَأصْبَحُوا" يجوز أن تكون النَّاقصة و "جَاثِمينَ" خبرها و "في دَارِهِم" متعلّق به، ولا يجوز أن يكُونَ الجارُّ خبراً و "جَاثِمِين" حال، لعدم الفائدة بقولك: {فَأصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ}، وإن جاز الوجهان في قولك: أصبح زيد في الدَّار جالساً.
ويجوز أن تكون التامة، أي: دخلوا في الصباح، و "جَاثِمِين" حال، والأول أظهر.
قوله: "فَتَوَلَّى عَنْهُمْ".
قيل: إنه تولى عنهم بعد موتهم لقوله تعالى: {فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ فَتَوَلَّىٰ} و "الفاءُ" تقتضي التعقيب.
وقيل: تولّى عنهم قبل موتهم لقوله: {يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِينَ} فدلَّ ذلك على كونهم أحياء من ثلاثة أوْجُهٍ:
[الأول]: قوله لهم "يَا قَوْم"، والأموات لا يوصفون بالقوم، لاشتقاق لفظ القوم من القيام، وهو مفقود في حقِّ الميت.
والثاني: أنَّ هذه الكلمات خِطَاب معهم، وخطاب الميت لا يجوز.
والثالث: قوله: {وَلَكِن لاَّ تُحِبُّونَ ٱلنَّاصِحِينَ} يقتضي كونهم بحيث تصحُّ حصول المحبّة فيهم.
ويمكن الجوابُ: بأنَّه قد يقولُ الرَّجلُ لصاحبه الميت، وقد كان نصحه فلم يقبل النَّصيحة، حتى ألقى نفسه في الهلاك: يا أخي منذ كم نصحتك فلم تقبل، وكم منعتك فلم تمتنع، فكذا هاهنا.
وفائدتُهُ: إمّا لأن يسمعه الحيُّ فيعتبر به، وينزجِر عن مثل تلك الطريقة، وإما لإحراق قلبه بسبب تلك الواقعة، فإذا ذكر ذلك الكلام فرَّجت تلك القضية من قلبه.
وذكروا جواباً آخر، وهو أن صالحاً - عليه السلامُ - خاطبهم بعد كونهم "جَاثِمينَ"، كما خاطب نبينا - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - قتلى "بدر".
فقيل: تتكلم مع هؤلاء الجيف؟ فقال: "مَا أنْتُم بأسْمَعَ مِنْهُم، ولكنْ لا يَقْدِرُونَ على الجوابِ".
وقيل: في الآية تقديمٌ وتأخير، تقديره: فتولَّى عنهم وقال: يا قَوْم لَقَدْ أبْلَغْتُكُم رسالةَ ربِّي، فأخذتهم الرجفة.