خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ
٤٦
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ
٤٧
لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ
٤٨
نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
٤٩
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ
٥٠
وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ
٥١
إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
٥٢
-الحجر

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة والأنس والأمن، قال تعالى: {ادخلوها} أي يقال لهم ذلك {بسلام} أي سالمين من كل آفة، مرحباً بكم ومسلماً عليكم حال الدخول {آمنين *} من ذلك دائماً.
ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة وصفاء القلوب عن الكدر، قال: {ونزعنا} أي بما لنا من العظمة {ما في صدورهم من غل} أي حقد ينغل أي ينغرز في القلب حال كونهم {إخواناً} أي متصافين، حال كونهم {على سرر} جمع سرير، وهو مجلس رفيع موطأ للسرور {متقابلين *} لا يرى بعضهم قفا بعض؛ في آخر الثقفيات عن الجنيدرحمه الله أنه قال: ما أحلى الاجتماع مع الأصحاب! وما أمرّ الاجتماع مع الأضداد! ولما كان النظر في الدوام والمآل بعد ذلك، قال: {لا يمسّهم فيها نصب} أي إعياء وتعب وجهد ومشقة { وما هم منها} ولما كان المنكى في كل شيء إنما هو الإكراه، بني للمفعول قوله: {بمخرجين *}.
ولما كان المفهوم من هذا السياق أن الناجي إنما هو المتقي المخلص الذي ليس للشيطان عليه سلطان، وكان مفهوم المخلص من لا شائبة فيه، وكان الإنسان محل النقصان، وكان وقوعه في النقص منافياً للوفاء بحق التقوى والإخلاص، وكان ربما أيأسه ذلك من الإسعاد، فأوجب له التمادي في البعاد، قال سبحانه - جواباً لمن كأنه قال: فما حال من لم يقم بحق التقوى؟ {نبىء عبادي} أي أخبرهم إخباراً جليلاً {أني أنا} أي وحدي {الغفور الرحيم *} أي الذي أحاط - محوه للذنوب وإكرامه لمن يريد - بجميع ما يريد، لا اعتراض لأحد عليه.
ولما كان ذلك ربما سبباً للاغترار الموجب للإصرار، قال تعالى: {وأن عذابي هو} أي وحده {العذاب الأليم *} أي الكامل في الإيلام، فعلم أن الأول لمن استغفر، والثاني لمت أصر، وعرف من ذلك أن المتقين إنما دخلوا الجنة بعفوه، والغاوين إنما عذبوا بعدله، فهو لف ونشر مشوش - على ما هو الأفصح.
ولما أتم سبحانه شرح قوله: { وليعلموا أنما هو إله واحد} وما تبعه من الدلالة على البعث، شرع في شرح { وليذكر أولوا الألباب} بقصة الخليل عليه السلام وما بعدها مع الوفاء بذكر المعاد، تارة تلويحاً وتارة تصريحاً، والرجز عن الاجتراء على طلب الإتيان بالملائكة عليهم السلام، والالتفات إلى قوله:
{ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق } [ إبراهيم:39] في أسلوب شارح لما تعقبه هذه القصة، فإن حصول القنوط سبب لآية المغفرة، والإخبار بعذاب الأمم تمثيل لآية العذاب ليزدجر المخاطبون، وأفراد لهم ذكر من هو أقرب إلى بلادهم ممن يعرفونه من المعذبين لأنه أوقع في النفس، فقال تعالى: {ونبئهم} أي خبرهم إخباراً عظيماً {عن ضيف إبراهيم *} والضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى، فهؤلاء سموا بهذا الاسم لأنهم على صورة الضيف، فهو من دلالة التضمن {إذ دخلوا عليه} أي إبراهيم عليه السلام {فقالوا} أي عقب الدخول {سلاماً}.
ولما كان طلبهم في هذه الصورة للملائكة على وجه أوكد مما في سورة هود عليه السلام، أشار لهم إلى ما في رؤية الملائكة من الخوف ولو كانوا مبشرين وفي أحسن صورة من صور البشر - بقوله: {قال} بلسان الحال أو القال: {إنا} أي أنا ومن عندي {منكم وجلون *} وأسقط ذكر جوابه بالسلام، ولا يقدح ذلك فيما في سورة هود وغيرها من ذكره، فإن إذ ظرف زمان بمعنى حين، والحين قد يكون واسعاً، فيذكر ما فيه تارة جميعه على ترتيبه، وأخرى على غير ذلك، وتارة بعضه مع إسقاط البعض مع صدق جميع وجوه الإخبار لكونه كان مشتملاً على الجميع، وتكون هذه التصرفات على هذه الوجوه لمعانٍ يستخرجها من أراد الله.