خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ
٨٨
إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
٨٩
وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
٩٠
وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ
٩١
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ
٩٢
مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ
٩٣
فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ
٩٤
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ
٩٥
قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ
٩٦
تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٩٧
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
٩٨
وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ
٩٩
فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ
١٠٠
-الشعراء

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما نبه على أن المقصود هو الآخرة، صرح بالتزهيد في الدنيا بتحقير أجل ما فيها فقال: { يوم لا ينفع } أي أحداً { مال } أي يفتدي به أو يبذله لشافع أو ناصر مقاهر { ولا بنون* } ينتصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم { إلا من أتى الله } أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في هذا الموطن { بقلب سليم* } أي عن مرض غيّره عن الفطرة الأولى التي فطره الله عليها، وهي الإسلام الذي رأسه التوحيد، والاستقامة على فعل الخير، وحفظ طريق السنة كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن { المال والبنون } ينفعانه بما تصرف فيهما من خير، والاستثناء مفرغ، والظاهر أن قوله { وأزلفت } أي قربت بأيسر وجه حال من واو "يبعثون" { الجنة للمتقين* } وعرف أهل الموقف أنها لهم خاصة تعجيلاً لسرورهم وزيادة في شرفهم { وبرزت } أي كشفت كشفاً عظيماً سهلاً { الجحيم } أي النار الشديدة التأجج، وأصلها نار عظيمة في مهواة بعضها فوق بعض { للغاوين* } أي الضالين الهالكين بحيث عرف أهل الموقف أنها لهم { وقيل لهم } تبكيتاً وتنديماً وتوبيخاً، وأبهم القائل ليصلح لكل أحد، تحقيراً لهم، ولأن المنكىء نفس القول لا كونه من معين: { أين ما كنتم } بتسلك الأخلاق التي هي كالجبلات { تعبدون* } أي في الدنيا على سبيل التجديد والاستمرار. وحقر معبوداتهم بقوله: { من دون } أي من أدنى رتبة من رتب { الله } أي الملك الذي لا كفوء له، وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ويقونكم شر هذا اليوم { هل ينصرونكم } فيمنعون عنكم ما برز لكم { أو ينتصرون* } أي هم بالدفع عن أنفسهم.
ولما تسبب عن هذا التبريز والقول إظهار قدرته تعالى وعجزهم بقذفهم فيها قال: { فكبكبوا } أي الأصنام ونحوها، قلبوا وصرعوا ورموا، قلباً عظيماً مكرراً سريعاً من كل من أمره الله بقلبهم بعد هذا السؤال، إظهاراً لعجزهم بالفعل حتى عن الجواب قبل الجواب { فيها } أي في مهواة الجحيم قلباً عنيفاً مضاعفاً كثيراً بعضهم في أثر بعض { هم } أي الأصنام وما شابهها مما عبد من الشاطين ونحوهم { والغاوون* } أي الذي ضلوا بهم { وجنود إبليس } من شياطين الإنس والجن { أجمعون* }.
ولما علم بهذا أنهم لم يتمكنوا من قول في جواب استفامهم توبيخاً، وكان من المعلوم أن الإنسان مطبوع على أن يقول في كل شيء ينوبه ما يثيره له إدراكه مما يرى أنه يبرد من غلته، وينفع من علته، تشوف السامع إلى معرفة قولهم بعد الكبكبة، فأشير إلى ذلك بقوله: { قالوا } أي العبدة { وهم فيها } أي الجحيم { يختصمون } أي مع المعبودات: { تالله } أي الذي له جميع الكمال { إن كنا لفي ضلال مبين* } أي ظاهر جداً لمن كان له قلب { إذ } أي حين { نسويكم } في الرتبة { برب العالمين* } أي الذين فطرهم ودبرهم حتى عبدناكم { وما أضلنا } أي ذلك الضلال المبين عن الطريق البين { إلا المجرمون* } أي العريقون في صفة الإجرام، المقتضي لقطع كل ما ينبغي أن يوصل { فما } أي فتسبب عن ذلك أنه ما { لنا } اليوم؛ وزادوا في تعميم النفي بزيادة الجارّ فقالوا: { من شافعين* } يكونون سبباً لإدخالنا الجنة، لأنا صرفنا ما كان يجب علينا لذي الأمر إلى من لا أمر له؛ ولعله لم يفرد الشافع لأنهم دخلوا في الشفاعة العظمى.