خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ
٢٠٠
لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ
٢٠١
فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
٢٠٢
فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ
٢٠٣
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
٢٠٤
أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ
٢٠٥
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ
٢٠٦
مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ
٢٠٧
وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ
٢٠٨
ذِكْرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ
٢٠٩
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَاطِينُ
٢١٠
-الشعراء

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان ذلك محل عجب، وكان ربما ظن له أن الأمر على غير حقيقته، قرر مضمونه وحققه بقوله: {كذلك} أي مثل هذا السلك العجيب - الذي هو سماع وفهم ظاهري - في صعوبة مدخله وضيق مدرجه.
ولما لم يكن السياق مقتضياً لما اقتضاه سياق الحجر من التأكيد، اكتفى بمجرد الحدوث فقال: {سلكناه} أي كلامنا والحق الذي أرسلنا به رسلنا بما لنا من العظمة، في قلوبهم - هكذا كان الأصل، ولكنه علق الحكم بالوصف، وعم كل زمن وكل من اتصف به فقال: {في قلوب المجرمين*} أي الذين طبعناهم على الإجرام، وهو القطيعة لما ينبغي وصله، كما ينظم السهم إذا رمي به، أو الرمح إذا طعن به في القلب، لا يتسع له، ولا ينشرح به، بل تراه ضيقاً حرجاً.
ولما كان هذا المعنى خفياً، بينه بقوله: {لا يؤمنون به} أي من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام، وجعل على قلوبهم من الطبع والختام {حتى يروا العذاب الأليم*} فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان.
ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد. وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير مهلة يحصل فيها نوع استعداد أصلاً، دل على ذلك مصوراً لحاله بقوله دالاًّ بالفاء على الأشدية والتعقيب: {فيأتيهم بغتة}.
ولما كان البغت الإتيان على غفلة، حقق ذلك نافياً للتجوز بقوله: {وهم لا يشعرون*} ودل على تطاوله في محالهم، وجوسه لخلالهم، وتردده في حلالهم، بقوله دالاًّ على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك: {فيقولوا} أي تأسفاً واستسلاماً وتلهفاً في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به بوجه: {هل نحن منظرون*} أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع.
ولما حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به، تسبب عنه ما يستحقون باستعجاله من الإنكار في قوله، منبهاً على أن قدره يفوق الوصف بنون العظمة: {أفبعذابنا} أي وقد تبين لهم كيف كان أخذه للأمم الماضية، والقرون الخالية، والأقوام العاتية! {يستعجلون*} أي بقولهم: أمطر علينا حجارة من السماء، أسقط السماء علينا كسفاً، ائت بالله والملائكة قبيلاً، كما قال هؤلاء الذين قصصنا أمرهم، وتلونا ذكرهم {فأسقط علينا كسفاً من السماء} ونحو ذلك.
ولما تصورت حالة مآبهم، في أخذهم بعذابهم، وكان استعجالهم به يتضمن الاستخفاف والتكذيب والوثوق بأنهم ممتعون، وتعلق آمالهم بأن تمتيعهم بطول زمانه، وكان من يؤذونه يتمنى لو عجل لهم، سبب عن ذلك سبحانه سؤال داعيهم مسلياً ومؤسياً ومعزياً فقال: {أفرأيت} أي هب أن الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني {إن متعناهم} أي في الدنيا برغد العيش وصافي الحياة.
ولما كانت حياة الكافر في غاية الضيق والنكد وإن كان في أصفى رغد، عبر بما يدل على القحط بصيغة القلة وإن كان السياق يدل على أنها للكثرة فقال: {سنين ثم جاءهم} أي بعد تلك السنين المتطاولة، والدهور المتواصلة {ما كانوا يوعدون*} أي مما طال إنذارك إياهم به وتحذيرك لهم منه على غاية التقريب لهم والتمكين في إسماعهم، أخبرني {ما} أي أيّ شيء {أغنى عنهم} أي فيما أخذهم من العذاب {ما كانوا} أي كوناً هو في غاية المكنة وطول الزمان {يمتعون*} تمتيعاً هو في غاية السهولة عندنا، وصوره بصورة الكائن تنديماً عليه، والمعنى أنه ما أغنى عنهم شيئاً لأن عاقبته الهلاك، وزادهم بعداً من الله وعذابه بزيادة الآثام الموجبة لشديد الانتقام.
ولما كان التقدير: لم يغن عنهم شيئاً لأنهم ما أخذوا إلا بعد إنذار المنذرين، لمشافهتك إياهم به، وسماعهم لمثل ذلك عمن مضى قبلهم من الرسل، عطف عليه قوله: {وما أهلكنا} أي بعظمتنا، واعلم بالاستغراق بقوله: {من قرية} أي من القرى السالفة، بعذاب الاستئصال {إلا لها منذرون*} رسولهم ومن تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم مع أممهم من قبل، وأعراها من الواو لأن الحال لم يقتض التأكيد كما في الحجر، لأن المنذرين مشاهدون. وإذا تأملت آيات الموضعين ظهر لك ذلك؛ ثم علل الإنذار بقوله: {ذكرى} أي تنبيهاً عظيماً على ما فيه من النجاة، وتذكيراً بأشياء يعرفونها بما أدت إليه فطر عقولهم، وقادت إليه بصائر قلوبهم، وجعل المنذرين نفس الذكرى كما قال تعالى
{ قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً } [الطلاق: 10] وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه.
ولما كان التقدير: فما أهلكنا قرية منها إلا بالحق، عطف عليه قوله: {وما كنا} أو الواو للحال من نون {أهلكنا} {ظالمين*} أي في إهلاك شيء منها لأنهم كفروا نعمتنا، وعبدوا غيرنا، بعد الإعذار إليهم، ومتابعة الحجج، ومواصلة الوعيد.
ولما أخبر سبحانه أن غاية إنزال هذا القرآن كونه صلى الله عليه وسلم من المنذرين، وأتبع ذلك ما لاءمه حتى ختم بإهلاك من كذب المنذرين، عطف على قوله: {نزل به الروح} قوله إعلاماً بأن العناية شديدة في هذا السياق بالقرآن لتقرير أنه من عند الله ونفى اللبس عنه بقوله: {وما تنزلت به} أي القرآن {الشياطين*} أي ليكون سحراً أو كهانة أو شعراً أو أضغاث أحلام كما يقولون.