خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
١٩
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ
٢٠
وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ
٢١
فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ
٢٢
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ
٢٣
وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ
٢٤
-الدخان

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان استعباد عبد الغير بغير حق في صورة العلو على مالك العبد قال: {وأن لا تعلوا} أي تفعلوا باستعبادكم لبني إسرائيل نبي الله ابن خليل الله فعل العالي {على الله} الذي له مجامع العظمة ومعاقد العزة بنفوذ الكلمة وجميع أوصاف الكمال فإنكم إن فعلتم ذلك أخذكم بعزته ودمركم بعظمته.
ولما كان علو من يتصرف في العبد على مالك العبد لا يثبت إلا بعد ثبوت أنه ملكه وأنه لا يحب التصرف فيه، علل ذلك بقوله مؤكداً لأجل أن ما أتى به بصدد أن ينكروه لأن النزوع عما استقر في النفس ومضى عليه الإلف بعيد: {إني آتيكم} وهو يصح أن يكون اسم فاعل وأن يكون فعلاً مضارعاً. ولما كان فعلهم فعل العالي على السلطان، قال: {بسلطان} أي أمر باهر قاهر من عند مالكهم، لا يسوغ لأحد الاستعلاء عليه فكيف بالاستعلاء على من هو بأمره {مبين *} أي واضح في نفسه سلطنته ومظهر لغيره ذلك.
ولما كان من العجائب أن يقتل منهم نفساً ثم يخرج فاراً منهم ثم يأتي إليهم لا سيما إتياناً يقاهرهم فيه في أمر عظيم من غير أن يقع بينهم وبينه ما يمحو ما تقدم منه، نبههم على إتيانه هذا على هذا الحال آية أخرى دالة على السلطان، فقال مؤكداً تكذيباً لظنهم أنه في قبضتهم: {وإني عذت} أي اعتصمت وامتنعت {بربي} الذي رباني على ما اقتضاه لطفه بي وإحسانه إليّ {وربكم} الذي أعاذني من قتلكم لي بكم على ما دعت إليه حكمته من جبروتكم وتكبركم وقوة مكنتكم {أن ترجمون *} أي أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي، ما أتيتكم حتى توثقت من ربي في ذلك، فإني قلت {إني أخاف أن يقتلون} فقال
{ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا } [القصص: 38] فهو من أعظم آياتي أن لا تصلوا على قوتكم وكثرتكم إلى قتلي منع أنه لا قوة لي بغير الله الذي أرسلني.
ولما كان التقدير: فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم، عطف عليه قوله: {وإن لم تؤمنوا لي} أي تصدقوا لأجلي ما أخبرتكم به {فاعتزلون *} أي وإن لم تعتزلوني هلكتم، ولا تقدرون على قتلي بوجه وأنا واحد ممن تسومونهم سوء العذاب، وما قتلتم أبناءهم إلا من أجلي، فرباني على كف من ضاقت عليه الأرض بسببي وسفك الدماء في شأني، ومنعه الله من أن يصل إليّ منه سوء قبل أن أعوذ به، فكيف به بعد أن أرسلني وعذت به فأعاذني، واستجرت به فأجارني.
ولما كان التقدير: لم يؤمنوا به ولا لأجله ولم يعتزلوه، بل بغوا له الغوائل وراموا أن يواقعوا به الدواهي والقواصم، فلم يقدروا على ذلك وآذوا قومه وطال البلاء، سبب عنه قوله: {فدعا ربه} الذي أحسن إليه وضمن له سياسته وسياسة قومه، ثم فسر ما دعا به بقوله: {أن هٰؤلاء} أي الحقيرون الأراذل الذليلون {قوم} أي لهم قوة على القيام بما يحاولونه {مجرمون *} أي عريقون في قطع ما أمرت به أن يوصل، وذلك متضمن وصل ما أمرت به أن يقطع، فكان المعنى: فدعا بهذا المعنى، ولذلك أتى "بأن" الدالة على المصدرية.
ولما كان ممن يستجيب دعاءه ويكرم نداءه، سبب عن ذلك قوله: {فأسر} أي فقلنا له: سر عامة الليل - هذا على قراءة المدنيين وابن كثير بوصل الهمزة وعلى قراءة غيرهم بالقطع المعنى: أوقع السرى وهو السير عامة الليل {بعبادي} الذين هم أهل لإضافتهم إلى جنابي، قومك الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ممن يظلمهم وتفريغهم لعبادتي لا لعبادة غيري.
ولما كان سبحانه قد تقدم إلى بني إسرائيل في أن يكونوا متهيئين في الليلة التي أمر بالسرى فيها بحيث لا يكون لأحد منهم عاقة أصلاً كما تقدم بيانه في الأعراف عن التوراة، بين تأكيده لذلك بقوله: {ليلاً} فصار تأكيداً بغير اللفظ، وإنما أمره بالسير في الليل لأنه أوقع بالقبط موت الأبكار ليلاً، فأمر فرعون موسى عليه الصلاة والسلام أن يخرج بقومه في ذلك خوفاً من أن يموت القبط.
ولما علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم الموت، منعوهم الخروج، وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى البحر فيقتلوهم، علل هذا الأمر بقوله مؤكداً له لأن حال القبط عندما أمروهم بالخروج كان حال من لا يصدق له ترجع في قوله: {إنكم متبعون *} أي مطلوبون بغاية الشهوة والجهد من عدوكم، فلا يغرنكم ما هم فيه عند أمركم بالخروج من الجزع من إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج عنهم بسب وقوع الموت الفاشي فيهم، فإن القلوب بيد الله، فهو يقسي قلب فرعون بعد رؤية هذه الآيات حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم فيطلبكم لما دبرته في القدم من سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك وأدفع عنكم روع مدافعتهم فإني أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بهم، فلم أكلفكم لمباشرة شيء من أمرهم.
ولما أمره بالإسراء وعلله، أمره بما يفعل فيه وعلله فقال: {واترك البحر} أي إذا أسريت بهم وتبعك العدو ووصلت إليه وأمرناك بضربه لينفتح لتدخلوا فيه فدخلتم ونجوتم {رهواً} بعد خروجكم منه بأجمعكم أي منفرجاً واسعاً ساكناً بحيث يكون المرتفع من مائه مرتفعاً والمنخفض منخفضاً كالجدار، وطريقه الذي سرتم به يابساً ذا سير سهل على الحالة التي دخلتم فيها ليدخل فيه عدوكم فنمجد بإغراقهم كما وعدناكم، وقال البغوي: راهياً أي ذا رهو فسمي بالمصدر - وعزاه إلى مقاتل - انتهى. ولما كانت هذه أسباباً لدخول آل فرعون فيه، علل بما يكون عنها تسكيناً لقلوبهم في ترك البحر طريقاً مفتوحاً يدخله العدو، فقال مؤكداً لأجل استبعاد بني إسرائيل مضمون الخبر لأنه من خوارق العادات مع ما لفرعون وآله في قلوبهم من الهيبة الموجبة لأن يستبعدوا معها عمومهم بالإهلاك {إنهم جند مغرقون *} أي متمكنون في هذا الوصف وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة الموجبة للعلو في الأمور.