خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
٨٨
وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ
٨٩
كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ
٩٠
ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ
٩١
-الحجر

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} لا تطمَحْ ببصرك طُموحَ راغب ولا تُدِمْ نظرك {إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ} من زخارفِ الدنيا وزينتها ومحاسنِها وزَهْرتِها {أَزْوٰجاً مّنْهُمْ} أصنافاً من الكفرة فإن ما في الدنيا من أصناف الأموالِ والذخائر بالنسبة إلى ما أوتيتَه مستحقَرٌ لا يُعبأ به أصلاً، وفي حديث أبـي بكر رضي الله تعالى عنه: "مَنْ أوتيَ القرآنَ فرآىٰ أن أحداً أوتيَ أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً" وروي (أنه وافَتْ من بُصرىٰ وأذْرِعاتَ سبعُ قوافلَ ليهود بني قُريظةَ والنّضِير فيها أنواعُ البَزِّ والطيب والجواهر وسائرُ الأمتعة فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموالُ لنا لتقوَّيْنا بها وأنفقناها في سبـيل الله، فقيل لهم: قد أُعطِيتم سبعَ آياتٍ وهي خير من هذه القوافل السبْع) {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} حيث لم يؤمنوا ولم ينتظِموا أتباعك في سلك ليتقوى بهم ضعفاءُ المسلمين، وقيل: أو أنهم المتمتعون به ويأباه كلمة على فإن تمتّعهم به لا يكون مداراً للحزن عليهم {وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي تواضَعْ لهم وارفُق بهم وألِنْ جانبك لهم وطِبْ نفساً من إيمان الأغنياء.

{وَقُلْ إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} أي المنذِرُ المُظْهِر لنزول عذاب الله وحلولِه.

{كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ} قيل: إنه متعلق بقوله تعالى: { وَلَقَدْ ءاتَيْنَـٰكَ } [الحجر، الآية 87] الخ، أي أنزلنا عليك كما أنزلنا على أهل الكتاب.

{ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْءانَ عِضِينَ} أي قسَموه إلى حق وباطل، حيث قالوا عِناداً وعدواناً: بعضُه حقٌّ موافقٌ للتوراة والإنجيل، وبعضُه باطلٌ مخالفٌ لهما، أو اقتسموه لأنفسهم استهزاءً حيث كان يقول بعضُهم: سورةُ البقرة لي، وبعضُهم: سورةُ آلِ عمران لي وهكذا، أو قسموا ما قرأوا من كتبهم وحرّفوه فأقرّوا ببعضه وكذبوا ببعضه، وحُمل توسيطُ قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} [الحجر، الآية 88] على إمداد ما هو المرادُ بالكلام من التسلية، وعُقّب ذلك بأنه جلّ المقامُ عن التشبـيه، ولقد أوتيَ عليه الصلاة والسلام ما لم يؤتَ أحدٌ قبله ولا بعده مثلَه، وقيل: إنه متعلق بقوله: {إِنّى أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ} فإنه في قوة الأمرِ بالإنذار، كأنه قيل: أنذِرْ قريشاً مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين، يعني اليهودَ، وهو ما جرى على بني قريظةَ والنضير بأن جُعل المتوقَّعُ كالواقع وقد وقع كذلك، وأنت خبـيرٌ بأن ما يُشبَّه به العذابُ المنذَرُ لا بد أن يكون محققَ الوقوعِ معلومَ الحالِ عند المنذَرين إذ به تتحققُ فائدةُ التشبـيهِ، وهي تأكيدُ الإنذار وتشديدُه، وعذابُ بني قريظةَ والنضير مع عدم وقوعِه إذ ذاك لم يسبِقْ به وعدٌ ووعيد فهم منه في غفلة محضةٍ وشك مُريب، وتنزيلُ المتوقَّع منزلةَ الواقع له موقعٌ جليلٌ من الإعجاز لكن إذا صادف مقاماً يقتضيه كما في قوله تعالى: { { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } [الفتح، الآية 1] ونظائرِه. على أن تخصيصَ الاقتسام باليهود بمجرد اختصاصِ العذاب المذكور بهم مع شِرْكتهم للنصارى في الاقتسام المتفرِّع على الموافقة والمخالفة، وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشاملِ للكتابـين بل تخصيصُ العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسامِ تخصيصٌ من غير مخصِّص، وقد جُعل الموصولُ مفعولاً أولَ لأنذر أي أنذر المُعَضِّين الذين يجزّئون القرآن إلى سحر وشعر وأساطيرَ، مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشرَ الذين اقتسموا مداخلَ مكة أيام الموسم فقعد كل منهم في مدخل لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضُهم: لا تغترّوا بالخارج منا فإنه ساحرٌ، ويقول الآخر: كذابٌ، فأهلكهم الله تعالى يوم بدر، وقبله بآفات وفيه ـ مع ما فيه من الاشتراك لما سبق في عدم كون العذابِ الذي شُبه به العذابُ المنذَرُ واقعاً ولا معلوماً للمنذَرين ولا موعودَ الوقوع ـ أنه لا داعيَ إلى تخصيص وصفِ التعضِيةِ بهم وإخراجِ المقتسمين من بـينهم مع كونهم أسوةً لهم في ذلك، فإن وصفهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما وصفوا من السحر والشعر والكذب متفرعٌ على وصفهم للقرآن بذلك، وهل هو إلا نفسُ التعضيةِ، ولا إلى إخراجهم من حكم الإنذارِ على ما نزل بهم من العذاب لم يكن من الشدة بحيث يُشبه به عذابُ غيرِهم ولا مخصوصاً بهم، بل عامًّا لكلا الفريقين وغيرِهم مع أن بعضَ المنذَرين كالوليد بنِ المغيرةَ والعاصِ بن وائل والأسودِ بن المطلب قد هلكوا قبل مهلِك أكثرِ المقتسمين يوم بدر، ولا إلى تقديم المفعول الثاني على الأول كما ترى، وقيل: إنه وصفٌ لمفعول النذيرِ أقيمَ مُقامه والمقتسمون هم القاعدون في مداخل مكة كما حرر.

وفيه مع ما مر أن قوله تعالى: {كَمَآ أَنْزَلْنَا} [الحجر، الآية 90] صريحٌ في أنه من قول الله تعالى لا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام، والاعتذارُ بأن ذلك من باب ما يقوله بعضُ خواصِّ المَلِك أُمرْنا بكذا وإن كان الأمرُ هو الملكَ حسبما سلف في قوله تعالى: { { قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ } [الحجر، الآية 60] تعسُّفٌ لا يخفى، وأن إعمالَ الوصفِ الموصوف مما لم يجوِّزْه البصريون فلا بد من الهرب إلى مسلك الكوفيـين، أو المصير إلى جعله مفعولاً غيرَ صريح أي أنا النذيرُ المبـين بعذاب مثلِ عذاب المقتسمين، وقيل: المراد بالمقتسمين الرهطُ الذين تقاسموا على أن يبـيّتوا صالحاً عليه الصلاة والسلام فأهلكهم الله تعالى، وأنت تدري أن عذابَهم حيث كان متحققاً ومعلوماً للمنذرين حسبما نطق به القرآنُ العظيم صالحٌ لأن يقعَ مشبَّهاً به العذابُ المنذَر، لكن الموصولَ المذكورَ عَقيبَه حيث لم يمكن كونُه صفةً للمقتسمين حينئذ، فسواءٌ جعلناه مفعولاً أول للنذير أو لما دل هو عليه من أنذر لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في حيز الصلة ولا لعنوان الاقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني فائدة، لما أن ذلك إنما يكون للإشعار بعلّية الصلة والصفةِ للحكم الثابتِ للموصول والموصوف، فلا يكون هناك وجهُ شبَهٍ يدور عليه تشبـيهُ عذابهم بعذابهم خاصة لعدم اشتراكِهم في السبب فإن المُعَضّين بمعزل من التقاسم على التبـيـيت الذي هو السبب لهلاك أولئك، كما أن أولئك بمعزل من التعضية التي هي السبب لهلاك هؤلاء، ولا علاقة بـين السببـين مفهوماً ولا وجوداً تصحّح وقوعَ أحدِهما في جانب والآخرِ في جانب، واتفاقُ الفريقين على مطلق الاتفاقِ على الشر المفهوم من الاتفاق على الشر المخصوص الذي هو التبـيـيتُ المدلولُ المدلولُ عليه بالتقاسم غيرُ مفيد إذ لا دِلالةَ لعنوان التعضيةِ على ذلك وإنما يدل عليه اقتسامُ المداخِلِ، وجعلُ الموصولِ مبتدأً على أن خبرَه الجملةُ القسَميةُ لا يليق بجزالة التنزيلِ وجلالة شأنِه الجليل.

إذا عرفت هذا فاعلم أن الأقربَ من الأقوال المذكورةِ أنه متعلِّق بالأول، وأن المرادَ بالمقتسمين أهلُ الكتابـين، وأن الموصولَ مع صلته صفةٌ مبـينة لكيفية اقتسامِهم، ومحلُّ الكاف النصبُ على المصدرية، وحديثُ جلالة المقام عن التشبـيه من لوائح النظرِ الجليل، والمعنى لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآنَ العظيم إيتاءً مماثلاً لإنزال الكتابـين على أهلهما، وعدمُ التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابـين لأن الغرضَ بـيانُ المماثلة بـين الإيتاءين لا بـين متعلَّقَيهما، والعدولُ عن تطبـيق ما في جانب المشبَّه به على ما في جانب المشبَّه بأن يقال: كما آتينا المقتسِمين حسبما وقع في قوله تعالى: { { ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } [الأنعام، الآية 20] الخ، للتنبـيه على ما بـين الإيتاءين من التنائي فإن الأول على وجه التكرِمة والامتنان وشتان بـينه وبن الثاني.

ولا يقدح ذلك في وقوعه مشبَّهاً به، فإن ذلك إنما هو لمُسلَّميته عندهم وتقدمِ وجودُه على المشبه زماناً لا لمزيةٍ تعود إلى ذاته كما في الصلاة الخليلية، فإن التشبـيه فيها ليس لكون رحمة الله تعالى الفائضةِ على إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله أتمَّ وأكملَ مما فاض على النبـي عليه الصلاة والسلام، وإنما ذلك للتقدم في الوجود والتنصيصِ عليه في القرآن العظيم، فليس في التشبـيه شائبةُ إشعار بأفضلية المشبَّه به من المشبه، فضلاً عن إيهام أفضليةِ ما تعلق به الأولُ مما تعلق به الثاني، وإنما ذُكروا بعنوان الاقتسام إنكاراً لاتصافهم به مع تحقق ما ينفيه من الإنزال المذكورِ، وإيذاناً بأنه كان من حقهم أن يؤمنوا بكله حسب إيمانِهم بما أنزل عليهم بحكم الاشتراكِ في العلة والاتحادِ في الحقيقة التي هي مطلقُ الوحي، وتوسيطُ قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ} [الحجر، الآية 88] الخ، لكمال اتصالِه بما هو المقصودُ من بـيان حالِ ما أوتيَ النبـي عليه الصلاة والسلام، ولقد بُـيِّن أولاً علوُّ شأنِه ورفعة مكانِه بحيث يستوجب اغتباطَه عليه الصلاة والسلام بمكانه واستغناءَه به عما سواه، ثم نُهي عن الالتفات إلى زَهرة الدنيا، وعُبّر عن إيتائها لأهلها بالتمتيع المنْبىءِ عن وشك زوالِها عنهم ثم عن الحزَن بعدم إيمانِ المنهمكين فيها، وأُمر بمراعاة المؤمنين والاكتفاءِ بهم عن غيرهم وبإظهار قيامِه بمواجب الرسالة ومراسمِ النذارة حسبما فُصّل في تضاعيف ما أوتي من القرآن العظيم، ثم رُجِع إلى كيفية إيتائه على وجه أُدمج فيه ما يُزيح شُبَهَ المنكِرين ويستنزِلهم عن العِناد من بـيان مشاركتِه لما لا ريب لهم في كونه وحياً صادقاً فتأمل، والله عنده علم الكتاب، هذا وقد قيل: المعنى وقل إني أنا النذير المبـين كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً، على أن المقتسِمين أهلُ الكتاب انتهى.

يريد أن ما في (كما) موصولةٌ، والمراد بالمشابهة المستفادة من الكاف الموافقةُ وهي مع ما في حيزها في محل النصبِ على الحالية من مفعول قل، أي قل هذا القولَ حالَ كونِه كما أنزلنا على أهل الكتابـين أي موافقاً لذلك، فالأنسبُ حينئذ حملُ الاقتسام على التحريف ليكون وصفُهم بذلك تعريضاً بما فعلوا من تحريفهم وكِتمانهم لنعت النبـيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {عِضِينَ} جمعُ عِضة وهي الفِرقة، أصلها عِضْوَةٌ، فِعْلة من عضَّى الشاةَ تعضيةً إذا جعلها أعضاءَ، وإنما جُمعت جمع السلامةِ جبراً للمحذوف كسنينَ وعِزينَ، والتعبـيرُ عن تجزئة القرآن بالتعضية التي هي تفريقُ الأعضاء من ذي الروح المستلزمُ لإزالة حياتِه وإبطالِ اسمِه دون مطلق التجزئةِ والتفريق اللذَيْن ربما يوجدان فيما لا يضره التبعيضُ من المِثليات، للتنصيص على كمال قبحِ ما فعلوه بالقرآن العظيم، وقيل: هي فِعلة من عضهتُه إذا بهتُّه. وعن عكرِمةَ: العضه السحرُ بلسان قريشٍ، فنقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاء.