خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً
١٠
فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً
١١
يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً
١٢
-مريم

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{قَالَ رَبّ ٱجْعَل لِّى ءايَةً} أي علامةً تدلني على تحقق المسؤولِ ووقوعِ الحبَل، ولم يكن هذا السؤالُ منه عليه الصلاة والسلام لتأكيد البِشارة وتحقيقِها كما قيل فإن ذلك مما لا يليق بمنصِب الرسالة، وإنما كان ذلك لتعريف وقت العُلوق حيث كانت البشارةُ مطلقةً عن تعيـينه وهو أمرٌ خفيٌّ لا يوقف عليه، فأراد أن يُطلعَه الله تعالى عليه لتلقِّي تلك النعمةِ الجليلةِ بالشكر من حين حدوثِها ولا يؤخّرَه إلى أن تظهر ظهوراً معتاداً، وقد مرت الإشارةُ في تفسير سورة آل عمران إلى أن هذا السؤالَ ينبغي أن يكون بعد ما مضى بعد البشارة بُرهةٌ من الزمان، لما روي أن يحيـى كان أكبرَ من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاث سنين، ولا ريب في أن دعاءَ زكريا عليه الصلاة والسلام كان في صِغَر مريمَ لقوله تعالى: { { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } [آل عمران: 38] وهي إنما ولدت عيسى عليه الصلاة والسلام وهي بنتُ عشرِ سنين أو بنتُ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، والجعلُ إبداعيٌّ واللامُ متعلقة به وتقديمُها على المفعول به لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخَّر، أو بمحذوف وقع حالاً من آيةً إذ لو تأخر لكان صفةً لها، وقيل: بمعنى التصيـير المستدعي لمفعولين أولُهما آيةً وثانيهما الظرفُ، وتقديمُه لأنه لا مسوِّغَ لكون آيةً مبتدأً عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديمِ الظرف فلا يتغير حالُهما بعد ورودِ الناسخ.

{قَالَ ءَايَتُكَ أَن لا تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ} أي لا تقدر على أن تكلمهم بكلام الناسِ مع القدرة على الذكر والتسبـيح {ثَلَـٰثَ لَيَالٍ} مع أيامهن للتصريح بها في سورة آل عمران {سَوِيّاً} حال من فاعل تكلم مفيدٌ لكون انتفاءِ التكلم بطريق الاضطرار دون الاختيار أي تُمنع الكلامَ فلا تطيق به حال كونك سوى الخلق سليمَ الجوارحِ ما بك شائبةُ بَكَم ولا خَرَس.

{فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ} أي من المصلّى أو من الغرفة وكانوا من وراء المحرابِ ينتظرونه أن يفتح لهم البابَ فيدخلوه ويصلّوا إذْ خرج عليهم متغيِّراً لونُه فأنكروه وقالوا: ما لك؟ {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ} أي أومأ إليهم لقوله تعالى: {إِلاَّ رَمْزًا}، وقيل: كتب على الأرض وأنْ في قوله تعالى: {أَن سَبّحُواْ} إما مفسرةٌ لأوحىٰ أو مصدريةٌ والمعنى أن صلّوا أو بأن صلوا {بُكْرَةً وَعَشِيّاً} هما ظرفا زمانٍ للتسبـيح.

عن أبـي العالية: أن المرادَ بهما صلاةُ الفجر وصلاةُ العصر، أو نزِّهوا ربكم طرفي النهار ولعله كان مأموراً بأن يسبِّح شكراً ويأمرَ قومه بذلك.

{يَا يَحْيَىٰ} استئناف طُويَ قبله جملٌ كثيرةٌ مسارعةً إلى الإنباء بإنجاز الوعدِ الكريم أي قلنا: يا يحيـى {خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ} التوراةَ {بِقُوَّةٍ} أي بجد واستظهار بالتوفيق {وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً} قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحكمُ النبوةُ استنبأه وهو ابنُ ثلاثِ سنين، وقيل: الحُكمُ الحِكمةُ وفهمُ التوراة والفقهُ في الدين. روي أنه دعاه الصبـيانُ إلى اللعب، فقال: ما لِلَّعب خُلقنا.