خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً
٨
قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
٩
-مريم

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل: فماذا قال عليه الصلاة والسلام حينئذ: فقيل: قال: {رَبّ} ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابِه تعالى إليه بتوسط الملَك، للمبالغة في التضرع، والمناجاة والجِدِّ في التبتل إليه تعالى، والاحترازِ عما عسى يُوهم خطابُه للملك من توهُّم أن علمَه تعالى بما يصدُر عنه متوقِّفٌ على توسطه، كما أن علمَ البشرِ بما يصدر عنه سبحانه متوقِّفٌ على ذلك في عامة الأوقات {أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَـٰمٌ} كلمة أنىٰ بمعنى كيف أو من أين، وكان إما تامةٌ وأنىٰ واللام متعلقتان بها وتقديمُ الجار على الفاعل لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويقِ إلى ما أُخّر، أي كيف أو من أين يحدث لي غلامٌ؟ ويجوز أن تتعلق اللامُ بمحذوف وقع حال من غلامٌ إذ لو تأخر لكان صفةً له أي أنىٰ يحدث كائناً لي غلام، أو ناقصةٌ اسمُها ظاهرٌ وخبرُها إما أنىٰ ولي متعلقٌ بمحذوف كما مر، أو هو الخبر وأنىٰ نصبٌ على الظرفية، وقوله تعالى: {وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا} حال من ضمير المتكلم بتقدير قد وكذا قوله تعالى: {وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} حالٌ منه مؤكدةٌ للاستبعاد إثرَ تأكيد، أي كانت امرأتي عاقراً لم تلِدْ في شبابها وشبابـي فكيف وهي الآن عجوزٌ وقد بلغتُ أنا من أجل كِبَر السنِّ جساوة وقحولاً في المفاصل والعِظام، أو بلغتُ من مدارج الكِبَر ومراتبه ما يسمى عِتيًّا من عتا يعتو وأصله عُتُووٌ كقعود فاستُثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم قلبت الثانية أيضاً لاجتماع الواو والياء وسبْقِ إحداهما بالسكون وكُسرت العينُ إتباعاً لها لما بعدها، وقرىء بضمها. ولعل البداءة هٰهنا بذكر حال امرأتِه على عكس ما في سورة آل عمرانَ لِما أنه قد ذُكر حالُه في تضاعيف دعائِه وإنما المذكورُ هٰهنا بلوغُه أقصى مراتبِ الكِبَر تتمةً لما ذكر قبل، وأما هنالك فلم يسبِقْ في الدعاء ذكرُ حاله فلذلك قدّمه على ذكر حال امرأتِه لِما أن المسارعةَ إلى بـيان قصورِ شأنه أنسبُ، وإنما قاله عليه الصلاة والسلام ـ مع سبق دعائِه بذلك وقوةِ يقينه بقدرة الله لا سيما بعد مشاهدتِه للشواهد المذكورة في سورة آلِ عمران ـ استعظاماً لقدرة الله تعالى وتعجيباً منها واعتداداً بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من محضِ لطفِ الله عز وعلا وفضله مع كونه في نفسه من الأمور المستحيلةِ عادة لا استبعاداً له. وقيل: إنما قاله ليُجابَ بما أجيب به فيزدادَ المؤمنون إيقاناً ويرتدعَ المبطلون، وقيل: كان ذلك بطريق الاستبعادِ حيث كان بـين الدعاء والبِشارة ستون سنة وكان قد نسِيَ دعاءه، وهو بعيد.

{قَالَ} استئناف كما مر مبنيٌّ على سؤال نشأ مما سلف، والكافُ في قوله تعالى: {كَذَلِكِ قَالَ رَبُّك} مقحمةٌ كما في: مثلُك لا يبخل محلُّها إما النصبُ على أنه مصدرٌ تشبـيهيُّ لقال الثاني وذلك إشارةٌ إلى مصدره الذي هو عبارةٌ عن الوعد السابقِ لا إلى قول آخرَ شُبِّه هذا به، وقد مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى: { { وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } [البقرة: 143] وقولُه تعالى: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} جملةٌ مقرِّرةٌ للوعد المذكورِ دالةٌ على إنجازه داخلةٌ في حيز قال الأول، كأنه قيل: قال الله عز وجل مثلَ ذلك القولِ البديع، قلت: أي مثلَ ذلك الوعدِ الخارقِ للعادة وعدتُ وهو علي خاصةً هيِّنٌ وإن كان في العادة مستحيلاً، وقرىء وهو علي هينٌ فالجملة حينئذ حالٌ من ربك والياء عبارةٌ عن ضميره كما ستعرفه أو اعتراضٌ، وعلى كل حالٍ فهي مؤكدةٌ ومقرِّرةٌ لما قبلها، ثم أُخرج القولُ الثاني مُخرجَ الالتفات جرياً على سنن الكبرياء لتربـية المهابةِ وإدخال الروعةِ، كقول الخلفاء: أميرُ المؤمنين يرسم لك مكان أنا أرسم، أُسند إلى اسم الربِّ المضاف إلى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريفاً له وإشعاراً بعلة الحُكم، فإن تذكيرَ جرَيانِ أحكامِ ربوبـيتِه تعالى عليه عليه الصلاة والسلام من إيجاده من العدم وتصريفِه في أطوار الخلقِ من حال إلى حال شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ كمالَه اللائقَ به، مما يقلَع أساسَ استبعاده عليه الصلاة والسلام لحصول الموعودِ ويورثه عليه الصلاة والسلام الاطمئنانَ بإنجازه لا محالة، ثم التُفت من ضمير الغائبِ العائدِ إلى الرب إلى ياء العظمةِ إيذاناً بأن مدارَ كونه هيّناً عليه سبحانه هو القدرةُ الذاتيةُ لا ربوبـيتُه تعالى له عليه الصلاة والسلام خاصة وتمهيداً لما يعقُبه، وقيل: ذلك إشارةٌ إلى مبهم يفسّره قولُه تعالى: {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} على طريقة قوله تعالى: { { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَـؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } [الحجر، الآية 66] ولا يخرج هذا الوجهُ على القراءة بالواو لأنها لا تدخل بـين المفسِّر والمفسَّر. وإما الرفع على أنه مبتدأ محذوفٌ وذلك إشارةٌ إلى ما تقدم من وعده تعالى، أي قال عز وعلا: "الأمرُ كما وعدتُ" وهو واقعٌ لا محالة، وقوله تعالى: {قَالَ رَبُّك} الخ، استئنافٌ مقرِّر لمضمونه والجملةُ المحكية على القراءة الثانية معطوفةٌ على المحكية الأولى، أو حالٌ من المستكن في الجار والمجرور أياً ما كان، فتوسيطُ قال بـينهما مُشعرٌ بمزيد الاعتناءِ بكل منهما والكلامُ في إسناد القولِ إلى الرب ثم الالتفاتِ إلى التكلم كالذي مر آنفاً، وقيل: ذلك إشارةٌ إلى ما قاله زكريا عليه الصلاة والسلام، أي قال تعالى: "الأمرُ كما قلت" تصديقاً له فيما حكاه من الحالة المباينةِ للولادة في نفسه وفي امرأته، وقوله تعالى: {قَالَ رَبُّك} الخ، استئنافٌ مَسوقٌ لإزالة استبعادِه بعد تقريره، أي قال تعالى: "هو مع بعده في نفسه عليّ هيّنٌ" والقراءة الثانية أَدخلُ في إفادة هذا المعنى على أن الواو للعطف، وأما جعلُها للحال فمُخِلٌّ بسِداد المعنى لأن مآلَه تقريرُ صعوبته حال سهولتِه عليه تعالى مع أن المقصودَ بـيانُ سهولتِه عليه سبحانه مع صعوبته في نفسه، وقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} جملةٌ مستأنَفةٌ مقررة لما قبلها، والمرادُ به ابتداءُ خلق البشرِ إذ هو الواقعُ إثرَ العدم المحضِ لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالدِ المعتادِ، وإنما لم يُنسَبْ ذلك إلى آدمَ عليه الصلاة والسلام وهو المخلوقُ من العدم حقيقةً بأن يقال: وقد خلقتُ أباك أو آدمَ من قبل ولم يك شيئاً مع كفايته في إزالة الاستبعادِ بقياس حالِ ما بُشّر به على حاله عليه الصلاة والسلام لتأكيد الاحتجاجِ وتوضيح منهاجِ القياس حيث نبه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظٌّ من إنشائه عليه الصلاة والسلام من العدم، إذ لم تكن فطرتُه البديعةُ مقصورةً على نفسه به كانت أنموذجاً منطوياً على فطرية سائر آحادِ الجنس انطواءً إجمالياً مستتبعاً لجريان آثارِها على الكل، فكان إبداعُه عليه الصلاة والسلام على ذلك الوجه إبداعاً لكل أحد من فروعه كذلك، ولمّا كان خَلقُه عليه الصلاة والسلام على هذا النمطِ الساري إلى جميع أفراد ذريته أبدعَ من أن يكون ذلك مقصوراً على نفسه كما هو المفهومُ من نسبة الخلقِ المذكور إليه وأدلَّ على عظم قدرتِه تعالى وكمال علمِه وحكمتِه، وكان عدمُ زكريا حينئذ أظهرَ عنده وأجلى وكان حالُه أولى بأن يكون معياراً لحال ما بشر به نُسب الخلقُ المذكور إليه، كما نسب الخَلقُ والتصويرُ إلى المخاطَبـين في قوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } [الأعراف: 11] توفيةً لمقام الامتنان حقَّه، فكأنه قيل: وقد خلقتُك من قبل في تضاعيف خلقِ آدمِ ولم تكن إذ ذاك شيئاً أصلاً بل عدماً بحتاً ونفياً صِرْفاً. هذا وأما حملُ الشيء على المعتدّ به أي ولم تكن شيئاً معتداً به فيأباه المقام ويردّه نظمُ الكلام، وقرىء خلقناك.