خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي
٢٩
هَارُونَ أَخِي
٣٠
ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
٣١
وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي
٣٢
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً
٣٣
وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً
٣٤
-طه

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَٱجْعَل لّي وَزِيراً مّنْ أَهْلِي * هَـٰرُونَ أَخِي} أي مؤازراً يعاونني في تحمّل أعباء ما كُلّفتُه، على أن اشتقاقَه من الوِزْر الذي هو الثِقَلُ أو ملجأً أعتصمُ برأيه على أنه من الوَزَر وهو الملجأ، وقيل: أصله أَزير من الأزْر بمعنى القوة فعيل بمعنى فاعل كالشعير والجليسِ قُلبت همزتُه واواً كقلبها في مُوازِر، ونصبُه على أنه مفعولٌ ثانٍ لاجْعل قُدّم على الأول الذي هو قوله تعالى: {هَـٰرُونَ} اعتناءً بشأن الوزارة، ولي صلةٌ للجعل أو متعلقٌ بمحذوف هو حالٌ من وزيراً إذ هو صفةٌ له في الأصل ومن أهلي إما صفةٌ لوزيراً أو صلةٌ لاجعل، وقيل: مفعولاه: لي وزيراً وهارونَ عطفُ بـيانٍ للوزير ومن أهلي كما مر من الوجهين، وأخي في الوجهين بدلٌ من هارونَ أو عطفُ بـيان آخرَ، وقيل: هما وزيراً من أهلي ولي تبـيـينٌ كما في قوله تعالى: { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } [الإخلاص: 4] ورُدّ بأن شرطَ المفعولين في باب النواسخِ صحةُ انعقاد الجملةِ الاسمية ولا مساغَ لجعل وزيراً مبتدأً ويُخبر عنه بما بعده {ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} كلاهما على صيغة الدعاءِ أي أحكِمْ به قوتي واجعله شريكي في أمرالرسالةِ حتى نتعاونَ على أدائها كما ينبغي، وفصلُ الأول عن الدعاء السابق لكمال الاتصالِ بـينهما فإن شدَّ الأزْر عبارةٌ عن جعله وزيراً، وأما الإشراكُ في الأمر فحيث كان من أحكام الوزارة توسّطَ بـينهما العاطف.

{كَيْ نُسَبّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً} غايةٌ للأدعية الثلاثةِ الأخيرة فإن فعل فيها كل واحد منهما من التسبـيح والذكر مع كونه مكثِراً لفعل الآخر ومضاعفاً له بسبب انضمامِه إليه مكثرٌ له في نفسه أيضاً بسبب تقويتِه وتأيـيدِه، إذ ليس المرادُ بالتسبـيح والذكر ما يكون منهما بالقلب أو في الخلَوات حتى لا يتفاوت حالُه عند التعدد والانفرادِ، بل ما يكون منهما في تضاعيف أداءِ الرسالة ودعوةِ المَرَدة العُتاة إلى الحق، وذلك مما لا ريب في اختلاف حالِه في حالتي التعددِ والانفراد فإن كلاًّ منهما يصدر عنه بتأيـيد الآخر من إظهار الحقِّ ما لا يكاد يصدر عنه مثلُه في حال الانفراد. وكثيراً في الموضعين نعتٌ لمصدر محذوف أو زمانٍ محذوف أي ننزّهك عما لا يليق بك من الصفات والأفعال التي من جملتها ما يدّعيه فرعونُ الطاغيةُ ويقبَلُه منه فئتُه الباغية من ادّعاء الشِرْكةِ في الألوهية، ونصفُك بما يليق بك من صفات الكمالِ ونعوتِ الجمالِ والجلالِ تنزيهاً كثيراً أو زماناً كثيراً من جملته زمانُ دعوةِ فرعون وأوانُ المُحاجّة معه. وأما ما قيل من أن المعنى كي نصليَ لك كثيراً ونحمَدَك ونُثنيَ عليك فلا يساعده المقام.