خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢٢
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٢٣
-النور

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَلاَ يَأْتَلِ} أي لا يحلفْ، افتعالٌ من الأَليّة وقيل: لا يُقصِّرُ من الأَلْوِ. والأولُ هو الأظهرُ لنزولِه في شأنِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه حينَ حلفَ أنْ لا ينفقَ على مِسْطحٍ بعدُ وكانَ ينفقُ عليه لكونِه ابنَ خالتِه وكانَ من فُقراءِ المُهاجرينَ. ويَعضده قراءةُ مَن قرأَ ولا يألُ {أُوْلُو ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} في الدِّين وكفَى به دليلاً على فضلِ الصِّدِّيقِ رضي الله تعالى عنه {وَٱلسَّعَةِ} في المالِ {أَن يُؤْتُواْ} أيْ على أنْ لا يُؤتوا. وقُرىء بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ {أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ جِيء بها بطريقِ العطفِ تنبـيهاً على أنَّ كلاًّ منها علَّة مستقلَّة لاستحقاقِه الأبناءِ، وقيل: لموصوفاتٍ أقيمتْ هي مقامَها وحُذف المفعولُ الثَّاني لغايةِ ظهورِه أي على أنْ لا يُؤتوهم شيئاً {وَلْيَعْفُواْ} ما فَرَطَ منهم {وَلْيَصْفَحُواْ} بالإغضاءِ عنه. وقد قُرىء الأمرانِ بتاءِ الخطابِ على وفقِ قولِه تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي بمقابلة عفوِكم وصفحِكم وإحسانِكم إلى مَن أساءَ إليكُم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} مبالغٌ في المغفرة والرَّحمةِ مع كمالِ قُدرتِه على المُؤاخذة وكثرةِ ذنوبِ العبادِ الدَّاعيةِ إليها. وفيهِ ترغيبٌ عظيمٌ في العفو ووعدٌ كريمٌ بمقابلتِه كأنَّه قيل: ألا تُحبُّون أنْ يغفرَ الله لكُم فهذا من موجباتِه. رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرأَه على أبـي بكرٍ رضي الله عنه فقالَ: بل أحبُّ أنْ يغفرَ الله لي فرجع إلى مسطحٍ نفقتَه وقال: والله لا أنزعها أبداً.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} أي العفائفَ ممَّا رُمين به من الفاحشةِ {ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ} عنها على الإطلاقِ بحيثُ لم يخطرْ ببالهنَّ شيءٌ منها ولا من مُقدِّماتِها أصلاً. ففيها من الدِّلالةِ على كمالِ النَّزاهةِ ما ليس في المحصناتِ أي السليماتِ الصدورِ النقيَّاتِ القلوبِ عن كلِّ سوءٍ {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي المتصفاتِ بالإيمانِ بكلِّ ما يجبُ أنْ يُؤمن به الواجباتِ والمحظوراتِ وغيرِها إيماناً حقيقياً تفصيلياً كما يُنبىء عنه تأخيرُ المؤمناتِ عمَّا قبلَها من أصالةِ وصفِ الإيمانِ فإنَّه للإيذان بأنَّ المرادَ بها المعنى الوصفيُّ المُعربُ كما ذُكر لا المعنى الاسميُّ المصححُ لإطلاق الاسمِ في الجملةِ كما هو المتبادرُ على تقديرِ التَّقديمِ، والمرادُ بها عائشةُ الصِّدِّيقةُ رضي الله عنهَا. والجمعُ باعتبارِ أنَّ رميَها رميٌ لسائرِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ لاشتراكِ الكلِّ في العصمةِ والنَّزاهةِ والانتسابِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قولِه تعالى: { { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } [الشعراء: 105] ونظائرِه وقيلَ: أمَّهاتُ المؤمنينَ فيدخلُ فيهن الصِّدِّيقةُ دُخولاً أوليًّا وأما ما قيل منْ أنَّ المرادَ هي الصِّدِّيقةُ والجمعُ باعتبارِ استتباعِها للمتَّصفاتِ بالصِّفاتِ المذكورةِ من نساءِ الأمةِ فيأباهُ أنَّ العقوباتِ المترتبةَ على رميِ هؤلاءِ عقوباتٌ مختصَّةٌ بالكفَّارِ والمنافقينِ ولا ريبَ في أنَّ رميَ غيرِ أمَّهاتِ المُؤمنين ليس بكفرٍ فيجبُ أن يكونَ المرادُ إيَّاهُنَّ على أحدِ الوجهينَ فإنهنَّ قد خصصنَّ من بـين سائرِ المُؤمناتِ فجعل رميهنَّ كفراً إبرازاً لكرامتهنَّ على الله عزَّ وجلَّ وحمايةً لحمى الرِّسالة مِنْ أنْ يحومَ حوله أحدٌ بسوءٍ حتَّى إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما جعلَه أغلظَ من سائرِ أفرادِ الكفرِ حينَ سُئل عن هذه الآياتِ فقالَ: مَن أذنبَ ذنباً ثمَّ تابَ منه قُبلت توبتُه إلا مَن خاضَ في أمرِ عائشةَ رضي الله عنها. وهَلْ هُو منه رضي الله عنه إلا لتهويلِ أمرِ الإفكِ والتنبـيهِ على أنَّه كفرٌ غليظٌ {لُعِنُواْ} بما قالُوه في حقهنَّ {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} حيثُ يلعنُهم اللاعنونَ من المؤمنينَ والملائكةِ أبداً {وَلَهُمْ} معَ ما ذُكر من اللَّعنِ الأبديِّ {عَذَابٌ عظِيمٌ} هائلٌ لا يُقادر قدرُه لغاية عظمِ ما اقترفُوه من الجنايةِ.