خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥
وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ
٦
-النور

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

قولُه تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} استثناءٌ من الفاسقينَ كما يُنبىءُ عنْهُ التَّعليلُ الآتِي ومحلُّ المُستثنى النَّصبُ لأنَّه عن موجبٍ. وقولُه تعالى: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} لتهويلِ المتوبِ عنه أي من بعدِ ما اقترفُوا ذلكَ الذَّنبَ العظيمَ الهائلَ {وَأَصْلَحُواْ} أي أصلحُوا أعمالَهم التي منْ جُملتِها ما فرطَ منهم بالتَّلافي والتَّداركِ ومنهُ الاستسلامُ للحدِّ والاستحلالُ من المقذوفِ {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليلٌ لما يُفيدُه الاستثناءُ من العفوِ عن المؤاخذةِ بموجبِ الفسقِ كأنَّه قيلَ فحينئذٍ لا يؤاخذُهم اللَّهُ تعالى بما فَرَط منهُم ولا ينظمهم في سلكِ الفاسقينَ لأنَّه تعالى مبالغٌ في المغفرةِ والرَّحمةِ هذا وقد علَّق الشَّافعيُّرحمه الله الاستثناءَ بالنَّهيِ فمحلُّ المستثنى حينئذٍ الجرُّ على البدليَّةِ من الضَّميرِ في لهُم وجعل الأبدَ عبارةً عنْ مُدَّةِ كونه قاذفاً فتنتهي بالتَّوبةِ فتُقبل شهادتهُ بعدَها.

{وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰجَهُمْ} بـيانٌ لحكم الرَّامين لأزواجِهم خاصَّة بعد بـيانِ حكم الرامين لغيرهنَّ لكنْ لا بأن يكونَ هذا مخصصاً للمحصناتِ بالأجنبـياتِ ليلزم بقاءُ الآيةِ السَّابقةِ ظنيةً فلا يثبتُ بها الحدُّ ـ فإنَّ من شرائطِ التَّخصيصِ أنْ لا يكونَ المخصصُ متراخيَ النزولِ ـ بل بكونهِ ناسخاً لعمومها ضرورة تراخي نزولها كما سيأتي فتبقى الآيةُ السَّابقةُ قطعية الدِّلالةِ فيما بقيَ بعدَ النَّسخِ لما بُـيِّن في موضعِه أنَّ دليلَ النَّسخِ غيرُ مُعلَّلٍ {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء} يشهدُون بما رَموهنَّ به من الزِّنى. وقُرىء بتأنيثِ الفعل {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} بدلٌ من شهداءُ أو صفةٌ لها على أن إلاَّ بمعنى غير جعلوا من جُملة الشُّهداء إيذاناً من أولِ الأمرِ بعدمِ إلغاءِ قولهم بالمرَّةِ ونظمِه في سلكِ الشَّهادةِ في الجُملةِ وبذلكَ ازدادَ حسنُ إضافةِ الشَّهادةِ إليهم في قوله تعالى: {فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ} أي شهادةُ كلِّ واحدٍ منهُم وهو مبتدأٌ وقولهُ تعالى: {أَرْبَعُ شَهَـٰدَاتٍ} خبرُه أي فشهادتهم المشروعةُ أربعُ شهاداتٍ {بِٱللَّهِ} متعلِّقٌ بشهاداتٍ لقُربِها وقيلَ بشهادةُ لتقدُّمِها. وقُرىء أربعَ شهاداتٍ بالنَّصبِ على المصدرِ والعاملُ فشهادةُ على أنَّه إمَّا خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي فالواجبُ شهادةُ أحدهم، وإمَّا مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ فشهادةُ أحدهم واجبةٌ {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي فيما رَماها به من الزِّنا، وأصلُه على أنَّه الخ فحُذفَ الجارُّ، وكُسرتْ إنّ وعُلِّق العاملُ عنها للتَّأكيدِ.