خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً
٥١
فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً
٥٢
وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً
٥٣
-الفرقان

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} نبـيَّاً يُنذرُ أهلَها فيخفف عليك أعباءَ النبوةِ لكن لم نشأْ ذلك فلم نفعلْه بل قصرنا الأمرَ عليك حسبما ينطقُ به قوله تعالى: { { لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً } [سورة الفرقان: الآية 1] إجلالاً لك وتعظيماً وتفضيلاً لك على سائر الرُّسلِ {فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي فقابل ذلك بالثَّباتِ والاجتهاد في الدَّعوةِ وإظهار الحقِّ والتَّشددِ معهم كأنَّه نهيٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن المُداراة معهم والتَّلطفِ في الدَّعوةِ لما أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان يودُّ أنْ يدخلُوا في الإسلام ويجتهدُ في ذلك بتأليفِ قلوبهم أشدَّ الاجتهاد {وَجَـٰهِدْهُمْ بِهِ} أي بالقُرآن بتلاوةِ ما في تضاعيفِه من القوارع والزَّواجرِ والمَواعظِ وتذكير أحوال الأممِ المكذِّبةِ {جِهَاداً كَبيراً} فإنَّ دعوةَ كلِّ العالمينَ على الوجهِ المذكورِ جهادٌ كبـيرٌ لا يُقادرُ قدرُه كمًّا وكيفاً وقيل: الضَّميرُ المجرورُ لتِركِ الطَّاعةِ المفهوم من النَّهي عن الطَّاعةِ وأنتَ خبـيرٌ بأنَّ مجرَّد تركِ الطَّاعةِ يتحقَّقُ بلا دعوةٍ أصلاً وليس فيه شائبةُ الجهادِ فضلاً عن الجهاد الكبـيرِ اللهمَّ إلاَّ أنْ تجعلَ الباء للملابسةِ ليكون المعنى وجاهِدْهم بما ذُكر من أحكامِ القُرآن الكريم ملابَساً بتركِ طاعتِهم كأنَّه قيل: فجاهدْهم بالشِّدَّةِ والعُنفِ لا بالمُلاءمةِ والمُداراةِ كما في قوله تعالى: { { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } [سورة التوبة: الآية 73] وقد جُعل الضَّميرُ لما دلَّ عليه قولُه تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } [سورة الفرقان: الآية 51] من كونه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نذيرَ كافَّةِ القُرى لأنَّه لو بُعث في كلِّ قرية نذيراً لوجبَ على كلِّ نذير مجاهدةُ قريتِه فاجتمعتْ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تلك المجاهداتُ كلُّها فكبُر من أجلِ ذلك جهادُه وعظُم فقيل له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وجاهدْهم بسببِ كونِك نذيرَ كافَّةِ القُرى جهاداً كبـيراً جامعاً لكلِّ مُجاهدةٍ. وأنت خبـيرٌ بأنَّ بـيانَ سبب كِبَرِ المُجاهدةِ بحسب الكميَّةِ ليس فيه مزيدُ فائدةٍ فإنَّه بـيِّنٌ بنفسِه وإنَّما اللائقُ بالمقامِ بـيانُ سببِ كبرِها وعظمِها في الكيفيَّةِ.

{وَهُوَ ٱلَّذِى مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ} أي خلاَّهما متجاورينِ مُتلاصقين بحيثُ لا يتمازجانِ، من مَرَجَ دابَّته إذا خلاَّها {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} قامعٌ للعطشِ لغايةِ عذوبتِه {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} بليغُ المُلوحةِ. وقُرىء مَلْحٌ فلعلَّه تخفيفُ مالحٍ كبَرْدٍ في باردٍ {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} حاجزاً غيرَ مرئيَ من قُدرتِه كما في قولِه تعالى: { { بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } [سورة الرعد: الآية 2], [سورة لقمان: الآية 10] {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} وتنافراً مُفرِطاً كأنَّ كلاًّ منهما يتعوَّذُ من الآخرِ بتلك المقالِة وقيل: حَدَّاً محدُوداً وذلك كدجلةَ تدخلُ البحرَ وتشقُّه وتجري في خلالِه فراسخَ لا يتغيَّرُ طعمُها، وقيل: المرادُ بالبحرِ العذبِ النَّهرُ العظيمُ وبالمالحِ البحرُ الكبـيرُ وبالبرزخ ما بـينهما من الأرضِ فيكون أثرُ القُدرة في الفصلِ واختلافِ الصِّفةِ، مع أنَّ مُقتضى طبـيعةِ كلِّ عُنصرٍ التَّضامُّ والتَّلاصقُ والتَّشابهُ في الكيفيَّةِ.