خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ
٢١٦
وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ
٢١٧
ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ
٢١٨
وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّاجِدِينَ
٢١٩
إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ
٢٢٠
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَاطِينُ
٢٢١
تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
٢٢٢
يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ
٢٢٣
-الشعراء

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{فَإِنْ عَصَوْكَ} ولم يتَّبعوك {فَقُلْ إِنّي بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ} أي ممَّا تعملُون أو من أعمالكم.

{وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} الذي يقدرُ على قهرِ أعدائِه ونصرِ أوليائِه يكفِك شرَّ من يصيبك منهُم ومن غيرهم وقرىء فتوكل على أنَّه بدلٌ من جواب الشَّرطِ.

{ٱلَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} أي إلى التَّهجد {وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ} وتردُّدك في تصفُّحِ أحوالِ المتهجديَن كما (روي أنه لما نسخ فرضُ قيام اللَّيلِ طاف عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تلك الليلةَ ببـيوت أصحابِه لينظرَ ما يصنعون حرصاً على كثرةِ طاعتِهم فوجدها كبـيوتِ الزَّنابـيرِ لمَا سمع منها من دندنِتهم بذكر الله تعالى والتِّلاوةِ) أو تصرّفَك فيما بـين المصلِّين بالقيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقُعودِ إذا أممتهم. وإنَّما وصفَ الله تعالى ذاتَه بعلمِه بحالِه عليه الصلاة والسلام التي بها يستأهلُ ولايتَه بعد أنْ عبَّر عنه بما يُنبىء عن قهرِ أعدائِه ونصرِ أوليائِه من وصفي العزيزِ الرَّحيمِ تحقيقاً للتَّوكلِ وتوطيناً لقلبه عليه.

{إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ} لما تقولُ: {ٱلْعَلِيمُ} بمَا تنويِه وتعمله.

{هَلْ أُنَبّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَـٰطِينُ} أي تتنزلُ بحذف إحدى التَّاءينِ وهو استئناف مسوق لبـيان استحالةِ تنزُّلِ الشيَّاطينِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بـيانِ امتناع تنزُّلهم بالقرآنِ. ودخولُ حرفِ الجرِّ على مَن الاستفهاميةِ لما أنَّها ليستْ موضوعةً للاستفهامِ بل الأصلُ أمن فحذف حرفُ الاستفهامِ واستمر الاستعمالُ على حذفِه كما حُذف من هَلْ والأصل أهَلْ.

وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} قصرٌ لتنزُّلهم على كل من اتَّصف بالإفكِ الكثيرِ والإثمِ الكبـيرِ من الكهنةِ والمتنبّئة وتخصيصٌ له بهم بحيثُ لا يتخطَّاهم إلى غيرِهم وحيثُ كانت ساحةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم منزَّهةً عن أنْ يحومَ حولَها شائبةُ شيءٍ من تلك الأوصافِ اتَّضح استحالةُ تنزلهم عليه عليه الصَّلاة والسَّلام.

{يُلْقُون} أي الأفَّاكون {ٱلسَّمْعَ} إلى الشَّياطينِ فيتلَّقَون منهم أوهاماً وأماراتٍ لنقصان علمهم فيضمُّون إليها بحسبِ تخيلاتِهم الباطلةِ خرافاتٍ لا يُطابق أكثرُها الواقعَ وذلك قوله تعالى: {وَأَكْثَرُهُمْ كَـٰذِبُونَ} أي فيما قالُوه من الأقاويلِ وقد ورد في الحديثِ "الكلمة يخطفُها الجنيُّ فيقرُّها في أذنِ وليَّهِ فيزيد فيها أكثرَ من مائةِ كذبةٍ" أو يلقون السَّمعَ أي المسموعَ من الشَّياطينِ إلى النَّاسِ وأكثرُهم كاذبون يفترُون على الشَّياطينِ ما لم يوحوا إليهم وإلا ظهر أنَّ الأكثريةَ باعتبار أقوالهم على معنى أنَّ هؤلاء قلَّما يصدُقون فيما يحكون عن الجنيِّ، وأما في أكثره فهم كاذبونَ ومآلُه وأكثرُ أقوالِهم كاذبةٌ لا باعتبار ذواتِهم حتى يلزمَ من نسبة الكذبِ إلى أكثرهم كونُ أقلِّهم صادقينَ على الإطلاقِ وليس معنى الأفَّاكِ من لا ينطقُ إلا بالإفكَ حتَّى يمتنعَ منه الصِّدقُ بل من يكثُر الإفكَ فلا ينافيه أن يصدقَ نادراً في بعض الأحايـين وقيل: الضَّميرُ للشَّياطينِ أي يلقون السَّمعَ أي المسموعَ من الملأ الأعلى أنْ رجموا من بعضِ المغيبات إلى أوليائِهم وأكثرُهم كاذبونَ فيما يُوحون به إليهم إذ لا يسمعُونهم على نحو ما تكلَّمت به الملائكةُ لشرارتِهم أو لقصورِ فهمهم أو ضبطهم أو إفهامِهم ولا سبـيلَ إلى حملِ إلقاء السَّمعِ على تسمُّعهم وإنصاتِهم إلى الملأ الأعلى قبل الرَّجمِ كما جَوَّزه الجمهورُ لما أن يلقون كما صرَّحوا به إما حالٌ من ضمير تنزل مفيدة لمقارنة التنزل للإلقاءِ أو استئناف مبـيِّنٌ للغرض من التَّنزلِ مبنيٌّ على السَّؤالِ عنه، ولا ريبَ في أن إلقاء السَّمعِ إلى الملأ الأعلى بمعزلٍ من احتمال أنْ يقارن التَّنزل أو يكون غرضاً منه لتقدُّمهِ عليه قطعاً، وإنَّما المحتملُ لهما الإلقاء بالمعنى الأول فالمعنى على تقدير كونِه حالاً تنزل الشَّياطينِ على الأفَّاكين ملقين إليهم ما سمعُوه من الملأ الأعلى، وعلى تقديرِ كونِه جواباً على سؤالِ من قال لِمَ تنزلُ عليهم وماذا يفعلون بهم: يُلقون إليهم ما سمعُوه وحمله على استئناف الأخبارِ كما فعله بعضهم غيرُ سديدٍ لأنَّ ذكرَ حالِهم السَّابقةِ على تنُّزلهم المذكورِ قبله غيرُ خليقٍ بَجزَالةِ التَّنزيل وأمَّا على تقديرِ كونِ ضميرِ يُلقون للأفَّاكين فهو صفةٌ لكلِّ أفَّاكٍ لأنَّه في معنى الجمعِ سواء أُريد بإلقاء السَّمعِ الإصغاءُ إلى الشَّياطينِ أو إلقاء المسموعِ إلى النَّاس ويجوزُ أنْ يكونَ استئنافُ إخبارٍ بحالِهم على كِلا التَّقديرينِ لما أنَّ كُلاًّ من تلقيهم من الشَّياطينِ وإلقائِهم إلى الناسِ يكون بعد التَّنزيلِ وأنْ يكونَ استئنافاً مبنيَّاً على السُّؤالِ على التَّقديرِ الأوَّلِ فقط كأنَّه قيل: ما يفعلونَ عند تنزلِ الشَّياطينِ عليهم فقيل يُلقون إليهم أَسماعَهم ليحفظُوا ما يُوحون به إليهم. وقولُه تعالى: وأكثرُهم كاذبونَ على التَّقدير الأوَّلِ استئنافٌ فقط وعلى الثَّاني يحتملُ الحاليَّةُ من ضميرِ يُلقون أي يُلقون ما سمِعُوه من الشَّياطين إلى النَّاس، والحالُ أنهم في أكثرِ أقوالِهم كاذبونَ فتدبَّرْ.