خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ
٨
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ
٩
وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ
١٠
-الشعراء

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

{إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى مصدرِ أنبتنا أو إلى كلِّ واحدٍ من تلك الأزواجٍ، وأيَّا ما كان فما فيه من معنى البُعد للإيذانِ ببُعد منزلتِه في الفضلِ {لآيَةً} أي آيةً عظيمةً دالَّةً على كمالِ قُدرةِ مُنبتها وغايةِ وفُورِ علمهِ وحكمتِه ونهايةِ سعَةِ رحمتِه موجبةً للإيمانِ وازعةً عن الكُفرِ.

{وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ} أي أكثرُ قومِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {مُّؤْمِنِينَ} قيل أي في علم الله تعالى وقضائِه حيثُ علم أزلاً أنَّهم سيُصرفون فيما لا يزالُ اختيارُهم الذي عليه يدورُ أمر التَّكليفِ إلى جانب الشَّرِّ ولا يتدبَّرون في هذه الآياتِ العظامِ. وقال سيبويِه: كانَ صلةٌ، والمعنى وما أكثرُهم مؤمنين وهو الأنسبُ بمقامِ بـيانِ عُتوِّهم وغلوِّهم في المكابرةِ والعنادِ مع تعاضدِ موجباتِ الإيمانِ من جهتِه تعالى. وأما نسبةُ كفرِهم إلى علمهِ تعالى وقضائِه فرُبَّما يتُوهَّم منها كونُهم معذورينَ فيه بحسبِ الظَّاهرِ لأنَّ ما أُشير إليه من التَّحقيقِ ممَّا خفيَ على مَهَرةِ العُلماء المُتقنين، كأنَّه قيل: إنَّ في ذلك لآيةً باهرةً موجبةً للإيمانِ وما أكثرُهم مُؤمنين مع ذلكَ لغايةِ تمادِيهم في الكُفرِ والضَّلالةِ وانهماكِهم في الغِيِّ والجَهَالةِ. ونسبةُ عدمِ الإيمانِ إلى أكثرِهم لأنَّ منهم مَن سُيؤمن.

{وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالبُ على كلِّ ما يُريده من الأمورِ التي من جُملتِها الانتقامُ من هؤلاءِ {ٱلرَّحِيمِ} المبالغُ في الرَّحمةِ ولذلك يُمهلهم ولا يُؤاخذهم بغتةً بما اجتزؤُا عليهِ من العظائمِ المُوجبةِ لفُنون العُقُوباتِ، وفي التَّعرضِ لوصفِ الرُّبوبـيَّةِ مع الإضافةِ إلى ضميرهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من تشريفهِ والعِدَةِ الخفيَّةِ بالانتقامِ من الكَفَرةِ ما لا يَخفْى.
{وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} كلامٌ مستأنف مسوق لتقريرِ ما قبله من إعراضِهم عن كلِّ ما يأتيهم من الآيات التنَّزيليةِ وتكذيبِهم بما إثرَ بـيانِ إعراضهم عمَّا يُشاهدونه من الآيات التَّكوينَّيةِ. وإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرٍ خُوطب به النبـيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أي وأذكرُ لأولئك المعرضين المكذِّبـين وقت ندائه تعالى إيَّاه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وذكِّرهم بما جَرى على قوم فرعونَ بسبب تكذيبِهم إيَّاه زجراً لهم عمَّا هم عليه من التَّكذيبِ وتحذيراً من أنْ يحيقَ بهم مثلُ ما حاق بأضرابهم المكذِّبـين الظَّالمين حتَّى يتَّضحَ لك أنَّهم لا يُؤمنون بما يأتيهم من الآيات، لكنْ لا بقياس حالِ هؤلاء بحالِ أُولئك فقط بل بمشاهدةِ إصرارهم على ما هُم عليه بعد سماع الوحي النَّاطقِ بقصَّتِهم وعدم اتِّعاظِهم بذلك كما يُلوِّحُ به تكريرُ قولِه تعالى: { { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } [سورة الشعراء: الآية 8] عقيب كلِّ قصَّةٍ، وتوجيهُ الأمر بالذِّكرِ إلى الوقت مع أن المقصودَ تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مرَّ سردُه مراراً {أَنِ ٱئْتَ} بمعنى أي ائت على أنّ أنْ مفسِّرة أو بأن ائت على أنَّها مصدريةٌ حُذف منها الجارُّ {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي بالكُفر والمعاصي واستعبادِ بني إسرائيلَ وذبحِ أبنائِهم وليس هذا مطلعَ ما ورد في حيِّزِ النَّداءِ وإنَّما هو ما فُصِّل في سورةِ طه من قوله تعالى: { { إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } [سورة طه: الآية 12] إلى قوله: { { لِنُرِيَكَ مِنْ ءايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ } [سورة طه: الآية 23] وإيراد ما جرى في قصَّةٍ واحدةٍ من المقالاتِ بعباراتٍ شَتَّى وأساليبَ مختلفةٍ قد مرَّ تحقيقُه في أوائل سورةِ الأعرافِ عند قوله تعالى: { { قَالَ أَنظِرْنِى } [سورة الأعراف: الآية 14].