خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

الۤمۤصۤ
١
كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ
٢
-الأعراف

إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم

(مكية غير ثماني آيات من قوله {واسألهم} إلى قوله {وإذ نتقنا الجبل} وآيها مائتان وخمس)

{المص} إما مسرودٌ على نمط التعديدِ بأحد الوجهين المذكورين في فاتحة سورةِ البقرة فلا محلَّ له من الإعراب، وإما اسمٌ للسورة فمحلُّه الرفعُ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، والتقديرُ هذا ألمص أي مسمّىً به، وتذكيرُ اسمِ الإشارة مع تأنيث المسمَّى لما أن الإشارةَ إليه من حيث إنه مسمّىً بالاسم المذكور لا من حيث إنه مسمّىً بالسورة وإنما صحت الإشارةُ إليه مع عدم سبقِ ذكرِه لما أنه باعتبار كونِه بصدد الذكرِ صار في حكم الحاضِر المشاهَد وقوله عز وجل: {كِتَابٌ} على الوجه الأولِ خبرُ مبتدإ محذوفٍ وهو ما ينبىء عنه تعديدُ الحروفِ كأنه قيل: المؤلَّفُ من جنس هذه الحروفِ مراداً به السورةُ كتابٌ الخ، أو اسمُ إشارةٍ أشير به إليه تنزيلاً لحضور المؤلَّفِ منه منزلةَ حضورِ نفسِ المؤلّف، أي هذا كتابٌ الخ، وعلى الوجه الثاني خبرٌ بعد خبرٍ جيء به إثرَ بـيانِ كونه مترجماً له باسمٍ بديع مُنبىءٍ عن غرابته في نفسه إبانةً لجلالة محلِّه ببـيان كونِه فرداً من أفراد الكتبِ الإلٰهيةِ حائزاً للكمالات المختصَّة بها وقد جُوّز كونُه خبراً، وألمص مبتدأٌ أي المسمّى بألمص كتابٌ وقد عرفتَ ما فيه من أن ما يجعل عنواناً للموضوع حقُّه أن يكون قبل ذلك معلومَ الانتسابِ إليه عند المخاطَب، وإذْ لا عهدَ بالتسمية قبلُ فحقُّها الإخبارُ بها {أَنزَلَ إِلَيْكَ} أي من جهته تعالى بُني الفعلُ للمفعول جرياً على سَنن الكبرياءِ وإيذاناً بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهورِ تعيُّنِه وهو السرُّ في ترك ذكرِ مبدأ الإنزال كما في قوله جل ذكره: { بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } [المائدة، الآية 67] ونظائرِه والجملةُ صفةٌ لكتابٌ مشرِّفةٌ له ولمن أُنزل إليه وجعلُه خبراً له على معنى: كتابٌ عظيمُ الشأنِ أُنزل إليك خلاف الأصل {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ} أي شك كما في قوله تعالى: { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } [يونس، الآية 94] خلا أنه عبّر عنه بما يلازمه من الحَرَج فإن الشاكَّ يعتريه ضيقُ الصدرِ كما أن المتيقِّنَ يعتريه انشراحُه وانفساخُه مبالغةً في تنزيه ساحتِه عليه الصلاة والسلام، وما قد يقع من نسبته إليه في ضمن النهي فعلى طريقةِ التهيجِ والإلهاب والمبالغة في التنفير والتحذيرِ بإيهام أن ذلك من القبح والشرِّية بحيث ينهىٰ عنه من لا يمكنُ صدورُه عنه أصلاً فكيف بمن يُمكن ذلك منه، والتنوينُ للتحقير والجرُّ في قوله تعالى: {مِنْهُ} متعلقٌ بحرَجٌ يقال: حرِج منه أي ضاق به صدرُه أو بمحذوف وقع صفةً به أي حرجٌ كائنٌ منه أي لا يكن فيك ما في حقِّيته أو في كونه كتاباً منزلاً إليك من عنده تعالى، فالفاءُ على الأول لترتيب النهي أو الانتهاء على مضمون الجملةِ فإنه مما يوجب انتفاءَ الشكِّ فيما ذُكر بالكلية وحصولَ اليقينِ به قطعاً، وأما على الثاني فهي لترتيب ما ذُكر على الإخبار بذلك لا على نفسه فتدبر. وتوجيه النهي إلى الحرَج مع أن المرادَ نهيُه عليه الصلاة والسلام عنه إما لما مر من المبالغة في تنزيهه عليه الصلاة والسلام عن الشك فيما ذُكر فإن النهيَ عن الشيء مما يوهم إمكانَ صدورَ المنهيِّ عنه عن المنْهيّ، وإما للمبالغة في النهي فإن وقوعَ الشكِّ في صدره عليه الصلاة والسلام سببٌ لاتصافه عليه الصلاة والسلام به، والنهيُ عن السبب نهيٌ عن المسبَّب بالطريق البرهاني ونفيٌ له من أصله بالمرة كما في قوله تعالى: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } [المائدة، الآية 2]، وليس هذا من قبـيل لا أُرَيَنّك هٰهنا فإن النهيَ هناك واردٌ على المسبب مرادٌ به النهيُ عن السبب فيكونُ المآلُ نهيَه عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يُورِثُ الحرَجَ فتأملْ. وقيل: الحرجُ على حقيقته أي لا يكنْ فيك ضيقُ صدرٍ من تبليغه مخافةَ أن يكذّبوك وأن تُقصِّر في القيام بحقه فإنه عليه الصلاة والسلام كان يخاف تكذيبَ قومِه له وإعراضَهم عنه فكان يضيق صدرُه من الأداء ولا ينبسِطُ له فآمنه الله تعالى ونهاه عن المبالاة بهم، فالفاءُ حينئذ للترتيب على مضمون الجملةِ أو على الإخبار به فإن كلاًّ منهما موجبٌ للإقدام على التبليغ وزوالِ الخوفِ قطعاً وإن كان إيجابُه الثاني بواسطة الأول، وقولُه تعالى: {لِتُنذِرَ بِهِ} أي بالكتاب المنزل متعلقٌ بأُنزل وما بـينهما اعتراضٌ توسّط بـينهما تقريراً لما قبله وتمهيداً لما بعده وحسماً لتوهم أو موردَ الشكِّ هو الإنزالُ للإنذار وقيل: متعلقٌ بالنهي فإن انتفاءَ الشكِّ في كونه منزلاً من عنده تعالى موجبٌ للإنذار به قطعاً وكذا انتفاءُ الخوفِ منهم أو العلمُ بأنه موفقٌ للقيام بحقه موجبٌ للتجاسر على ذلك. وأنت خبـيرٌ بأنه لا يتأتى على التفسير الأولِ لأن تعليلَ النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكيرِ ـ مع إيهامه لإمكان صدورِه عنه عليه الصلاة والسلام ـ مُشعرٌ بأن المنهيَّ عنه ليس محذوراً لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذارِ والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظمُ غائلتِه ولا ريب في فساده، وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى التعليلُ بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبةُ خوفٍ حتى يُجعل غايةً لانتفائه، وقوله تعالى: {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} في حيز النصبِ بإضمار فعلِه معطوفاً على تنذرَ أي وتذكّرَ المؤمنين تذكيراً، أو الجرِّ عطفاً على محل أن تنذرَ أي للإنذار والتذكير، وقيل: مرفوعٌ عطفاً على كتابٌ أو خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ، وتخصيصُ التذكيرِ بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذارِ بالكفرة أي لتنذرَ به المشركين وتذكرَ المؤمنين، وتقديمُ الإنذار لأنه أهمُّ بحسب المقام.