خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً
٢١
وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً
٢٢
مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً
٢٣
لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً
٢٤
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً
٢٥
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
٢٦
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
٢٧
-الأحزاب

مقاتل بن سليمان

ثم قال عز وجل: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أن كسرت رباعيته وجرح فوق حاجبه وقتل عمه حمزة وآساكم بنفسه فى مواطن الحرب والشدة {لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} يعنى لمن كان يخشى الله عز وجل ويخشى البعث الذى فيه جزاء الأعمال {وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} [آية: 21] ثم نعت المؤمنين فقال: {وَلَمَّا رَأَى ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلأَحْزَابَ} يوم الخندق، أبا سفيان وأصحابه وأصابهم الجهد وشدة القتال {قَالُواْ هَـٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} فى البقرة حين قال: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ } [الآية: 214].
وقالوا: {وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} ما قال فى سورة البقرة، يقول الله عز وجل: {وَمَا زَادَهُمْ} الجهد والبلاء فى الخندق {إِلاَّ إِيمَاناً} يعنى تصديقاً بوعد الله عز وجل فى سورة البقرة أنه يبتليهم {وَتَسْلِيماً} [آية: 22] لأمر الله وقضائه، ثم نعت المؤمنين فقال: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} ليلة العقبة بمكة {فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} يعنى أجله فمات على الوفاء يعنى حمزة وأصحابه قتلوا يوم أحد، رضى الله عنهم، {وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ} يعنى المؤمنين من ينتظر أجله على الوفاء بالعهد {وَمَا بَدَّلُواْ} العهد {تَبْدِيلاً} [آية: 23] كما بدل المنافقين، ثم قال: {لِّيَجْزِيَ ٱللَّهُ} بالإيمان والتسليم {ٱلصَّادِقِينَ} بوفاء العهد {بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ٱلْمُنَافِقِينَ} بنقض العهد {إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فيهديهم من النفاق إلى الإيمان {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [آية: 24] يقول: الله عز وجل: {وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ} يعنى أبا سفيان وجموعه من الأحزاب بغيظهم {لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً} فى ملكه {عَزِيزاً} [آية: 25] فى حكمة، ثم ذكر يهود أهل قريظة حُيي بن أخطب ومن معه الذين أعانوا المشركين يوم الخندق على قتال النبى صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ} يعنى أعانوهم، تعنى اليهود أعانوا المشركين على قتال النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وذلك
"أن الله عز وجل حين هزم المشركين عن الخندق بالريح والملائكة أتى جبريل عليه السلام على فرس، فقال صلى الله عليه وسلم يا جبريل، ما هذا الغبار على وجه الفرس، فقال: هذا الغبار من الريح التى أرسلها الله على أبى سفيان ومن معه فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه، فقال له جبريل عليه السلام: سر إلى بنى قريظة فإن الله عز وجل داقهم لك دق البيض على الصفا.
فسار النبى صلى الله عليه وسلم إلى يهود بنى قريطة فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ الأنصارى فحكم عليهم سعد أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم فكبر النبى صلى الله عليه وسلم وقال: لقد حكم الله عز وجل ولقد رضى الله على عرشه بحكم سعد"
، وذلك أن جبريل كان قال للنبى صلى الله عليه وسلم: سر إلى بنى قريظة فاقتل مقاتلتهم واسب ذراريهم فإن الله عز وجل قد أذن لك فهم لك طعمة، فذلك قوله عز وجل {وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم} يعنى اليهود أعانوا أبا سفيان {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} يعنى قريظة {مِن صَيَاصِيهِمْ} يعنى من حصونهم {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً} يعنى طائفة {تَقْتُلُونَ} فقتل منهم أربعمائة وخمسين رجلاً {وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً} [آية: 26] يعنى وتسبون طائفة سبعمائة وخمسين {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا} يعنى خيبر {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من القرى وغيرها {قَدِيراً} [آية: 27] أن، يفتحها على المسلمين.
فقال عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، ألا تخمس كما خمست يوم بدر، قال: هذا قد جعله الله لى دون المؤمنين، فقال عمر، رضى الله عنه: رضينا وسملنا لرسول الله عز وجل فقسم النبى صلى الله عليه وسلم فى أهله منها عشرين رأسا ثم جعل النبى صلى الله عليه وسلم بقيته نصفين فبعث النصف مع سعد بن عبادة الأنصارى إلىالشام وبعث بالنصف الباقى مع أوس بن قيظى من الأنصار إلى غطفان وأمرهما أن يبتاعا الخيل فجلبا خيلا عظيمة فقسمها النبى صلى الله عليه وسلم فى المسلمين وتوفى سعد بن معاذ، رضى الله عنه، من رمية أصابت أكحله يوم الخندق فانتفضت جراحته فنزفت الدم فمارحمه الله وقد اعتقه النبى صلى الله عليه وسلم فاتبع النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون جنازته فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
"لقد اهتز العرش لموت سعد بن معاذ" ، رضى الله عنه.