خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
٢٤
قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي
٢٥
وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي
٢٦
وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي
٢٧
يَفْقَهُواْ قَوْلِي
٢٨
وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي
٢٩
هَارُونَ أَخِي
٣٠
ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
٣١
وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي
٣٢
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً
٣٣
وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً
٣٤
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً
٣٥
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ
٣٦
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ
٣٧
إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ
٣٨
أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ
٣٩
إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ
٤٠
وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
٤١
ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي
٤٢
ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ
٤٣
فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ
٤٤
قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ
٤٥
قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ
٤٦
فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ
٤٧
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ
٤٨
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ
٤٩
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ
٥٠
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ
٥١
قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى
٥٢
-طه

الكشف والبيان

{ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ} عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطتَ على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك {قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة {وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي} وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون {وَٱحْلُلْ} وابسُط وافتح {عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي}.
قال ابن عباس: كانت في لسانه رُتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انَّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأُخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرُتّة {يَفْقَهُواْ قَوْلِي} كي يفهموا كلامي {وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً} معيناً وظهيراً { مِّنْ أَهْلِي} ثمَّ بين من هو فقال {هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} قوِّ به ظهري {وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي} يعني النبوّة وتبليغ الرسالة {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً} نصلّي لك {وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً}.
وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشدد به أزري بفتح الألف وأُشركه بضم الألف على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} قد أُعطيت مرادك وسؤالك يا موسى.
{وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ} قبل هذا وهي {إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ} وحي إلهام مثل وحي النحل {مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ} أن اجعليه {فِي ٱلتَّابُوتِ}.
قال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي {فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ} يعني نهر النيل {فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ} يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ} يعني فرعون، فاتّخذت تابوتاً وجعلت فيه قطناً محلوجاً، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وَخصَاصه يعني شقوقه ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجهاً، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي} قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مُسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه مَن رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلاّ عشقه.
{وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ} أي ولتربّى وتغذّى بمرأىً ومنظر منّي {إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ} واسمها مريم متعرّفة خبره {فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ} يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أُخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأُمّ فقبل ثديها فذلك قوله {فَرَجَعْنَاكَ} فرددناك {إِلَىٰ أُمِّكَ} . وفي مصحف أُبي فرددناك إلى أُمّك {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها} بلقائك وبقائك {وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً} قال ابن عباس: قتل قبطياً كافراً.
قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة {فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ} أي من غّم القتل وكربته {وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} . قال ابن عباس: اختبرناك اختباراً. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاءً. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصاً {فَلَبِثْتَ سِنِينَ} يعني عشر سنين { فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ} وهي بلدة شعيب على ثلاث مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى وُلد لَه.
{ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ} . قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء.
قال عبد الرَّحْمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة.
{وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} اخترتك واصطفيتك واختصصتك بالرسالة أو النبوّة {ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي} اليد والعصا {وَلاَ تَنِيَا} قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السُدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وقي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا.
{ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد.
وقال مقاتل: يعني بالقول اللين هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربّك فتخشى.
وقال أهل المعاني: معناه الطُفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأُبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شباباً لا يهرم وملكاً لا يُنزع عنه إلاّ بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.
قال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله عزّ وجلّ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أُوحي إليه فقال له موسى: إن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي عزّ وجلّ أن يجعلك معي. وقوله {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} أي يسلم.
فإن قيل: كيف قال: لعله يتذكر أو يخشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟.
قال الحسين بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني.
وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ ها هنا من الله واجب، ولقد تذّكر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين الجمَهُ الغرقُ في البحر
{ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } [يونس: 90].
سمعت أبا القاسم الحسنن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول وقرأ هذه الآية: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله ؟
قال أبو القاسم الحسين فبنيت عليه ألفاظاً اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟
هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟
هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟
هذا رفقك بمن يقول لك نِدّاً فكيف رفقك بمن يقول فرداً؟
هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟
هذا رفقك بمن أصرَّ فكيف رفقك بمن أقرَّ؟
هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟
{قَالاَ} يعني موسى وهارون {رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ} . قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} يتكبرّ ويستعصي علينا.
{قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ} بالدفع عنكما {أَسْمَعُ} قولكما وقوله {وَأَرَىٰ} فعله وفعلكما {فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ} أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل ابناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه.
قال موسى {قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ} قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمَّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يُره العصا إلاّ بعد ذلك يوم الزينة.
{وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} يعني من أسلم {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ} أنبياء الله {وَتَوَلَّىٰ} أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنَّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن.
{قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي.
{قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شئ صلاحه وهداه لما يصلحه.
وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فقدّره تقديراً.
وقال عطيّة: أعطى كلّ شئ خلقه يعني صورته.
وقال الضحّاك: أعطى كلّ شيء خلقه، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأُذن للسمع.
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرَّحْمن بن محمد الزهري قال: حدَّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدَّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أعطى كل شي خلقه {ثُمَّ هَدَىٰ} قال: هداه لمعيشته.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: {أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ} يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثمَّ هدى أي عرَّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأُنثى في النكاح. وقرأ نصير خلَقه بفتح اللام على الفعل.
{قَالَ} فرعون {فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} وإنَما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى:
{ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ } [غافر: 30-31]، فقال فرعون حينئذ له: فما بال القرون الاولى التي ذكرت؟ فقال موسى {عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ} يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنَما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي} أي لا يخطئ {وَلاَ يَنسَى} فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.
{ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً} قرأه أهل الكوفة بغير ألف أي فرشاً، وقرأ الباقون مهاداً أي فراشاً واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله:
{ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً } [النبأ: 6] ولم يختلفوا فيه أنّه بالألف.
{وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} أي أدخل وبيّن وطرّق لكم فيها طرقاً. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً} أصنافاً {مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ} مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، ووهب كلّ صنف زوجاً، ومنها للدوابّ ومنها للناس ثمَّ قال { كُلُواْ وَٱرْعَوْا} أي ارتعوا {أَنْعَامَكُمْ} يقول العرب: رعيتُ الغنم فرَعَتْ لازم ومتعدّ.
{إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الذي ذكرت { لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} أي لذوي العقول، واحدها نُهية، سُمّيت بذلك لأنّها تنهى صاحبها عن القبائح والفضائح وارتكاب المحظورات والمحرّمات.
وقال الضحّاك: {لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} يعني الذين ينتهون عمّا حُرَّم عليهم.
وقال قتادة: لذوي الورع، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لذوي التقى.