خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
٩٥
حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ
٩٦
وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ
٩٧
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ
٩٨
لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ
٩٩
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ
١٠٠
إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ
١٠١
لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ
١٠٢
لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
١٠٣
يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ
١٠٤
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ
١٠٥
إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ
١٠٦
وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
١٠٧
قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٠٨
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ وَإِنْ أَدْرِيۤ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ
١٠٩
إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ
١١٠
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ
١١١
قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ
١١٢
-الأنبياء

الكشف والبيان

{وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} قرأ أهل الكوفة: وحِرْم بكسر الحاء وجزم الراء من غير ألف، وقرأ الآخرون: وحرام، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، هما لغتان مثل حِلْ وحلال.
قال ابن عباس: معنى الآية "وحرامٌ على قرية" أي أهل قرية {أَهْلَكْنَاهَآ} أي يرجعون بعد الهلاك وعلى هذا التأويل يكون لا صلة مثل قول العجاج:

في سر لا حورى سرى وما شعر

أي في سر حور.
وقال الآخرون: الحرام بمعنى الواجب كقول الخنساء:

وإنّ حراما لا أرى الدهر باكياًعلى شجوه إلاّ بكيت على عمرو

وعلى هذا التأويل يكون لا ثابتاً.
وقال جابر الجعفي: سألت أبا جعفر عن الرجعة فقرأ هذه الآية.
{حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ} قرأه العامة بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد على الكسرة.
{يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} ومعنى الآية فرّج السد عن يأجوج ومأجوج، وقد ذكرنا قصتهما بالشرح.
وروى منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أوّل الآيات الدجّال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان والدابّة، ثم يأجوج ومأجوح.
قال حذيفة: قلت: يارسول الله ما يأجوج ومأجوج؟
قال: أُمم، كلّ أُمّة أربعمائة ألف أُمّة، لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، وهم ولد آدم (عليه السلام) فيسيرون إلى خراب الدنيا، ويكون مقدمتهم بالشام وساقهم بالعراق، فيمرّون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحر الطبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولوا: قد قتلنا أهل الدنيا، فقاتلوا من في السماء فيرمون بالنشّاب إلى السّماء، فيرجع نشابهم مخضّبة بالدم فيقولون: قد قتلنا من في السّماء.
وعيسى والمسلمون بجبل طور سينين فيوحي الله سبحانه إلى عيسى أن احرز عبادي بالطور وما يلي، ثمَّ إنّ عيسى يرفع يديه إلى السّماء، ويؤمّن المسلمون، فيبعث الله سبحانه عليهم دابّة يقال لها النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى من حاقّ الشام إلى حاق المشرق حتى تنتن الأرض من جيَفهم ويأمر الله سبحانه السماء فتمطر كأفواه القرب فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم، فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها."
{وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ} أي نشز وتلّ {يَنسِلُونَ} يخرجون مشاة مسرعين كنسلان الذئب.
واختلف العلماء في هذه الكناية فقال قوم: عنى بهم يأجوج ومأجوج، واستدَلّوا بحديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله سبحانه {مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} فيغشون الأرض.
وروى عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكر عن عيسى قال:
"قال عيسى: عهد إليَّ ربي أنّ الدجّال خارج وأنّه مهبطي إليه، فذكر أنّ معه قصبتين فإذا رآني أهلكه الله، قال: فيذوب كما يذوب الرصاص حتى أنَّ الشجر والحجر ليقول: يا مسلم هذا كافر فاقتله، فيهلكهم الله عزّ وجلّ ويرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج من كلّ حدب ينسلون، لا يأتون على شيء إلاّ أهلكوه ولا يمرّون على ماء إلاّ شربوه" .
وقال آخرون: أراد جميع الخلق، يعني أنّهم يخرجون من قبورهم ومواضعهم فيحشرون إلى موقف القيامة، تدلّ عليه قراءة مجاهد: وهم من كلّ جدث بالجيم والثاء يعني القبر اعتباراً بقوله سبحانه { فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } [يس: 51].
{وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ} يعني القيامة، قال الفرّاء وجماعة من العلماء: الواو في قوله "واقترب" مقحم ومجاز الآية: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحقّ، نظيرها قوله
{ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ } [الصافات: 103-104] أي ناديناه. قال امرؤ القيس:

فلمّا أجزنا ساحة الحىّ وانتحىبباطن خبت ذي قفاف عقنقل

يُريد انتحى، ودليل هذا التأويل حديث حذيفة قال: لو أنّ رجلاً اقتنى فلْواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتّى تقوم الساعة.
وقال الزجّاج: البصريون لا يجيزون طرح الواو ويجعلون جواب حتى إذا فتحت في قوله "يا ويلنا" وتكون مجازاً الآية {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ} {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا}.
{فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} في قوله {هِيَ} ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون هي كناية عن الأبصار ويكون الأبصار الظاهرة بياناً عنها كقول الشاعر:

لعمر أبيها لا تقول ظعينتيألا فرَّعنّي مالك بن أبي كعب

فكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها فيكون تأويل الكلام: فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا.
والثاني: أن تكون هي عماداً كقوله "فَإنّها لا تَعْمى الأبصارُ"، وكقول الشاعر:

فهل هو مرفوع بما هاهنا رأس

والثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله {هِيَ} على معنى هي بارزة واقفة يعني: من قربها كأنّها آتية حاضرة، ثم ابتدأ {شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} على تقديم الخبر على الابتداء مجازها: أبصار الذين كفروا شاخصة من هول قيام الساعة، وهم يقولون {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} أي من هذا اليوم {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} بمعصيتنا ربَّنا ووضعنا العبادة في غير موضعها.
{إِنَّكُمْ} أيها المشركون {وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يعني الاصنام {حَصَبُ جَهَنَّمَ} قراءة العامة بالصاد أي وقودها عن ابن عباس.
وقال مجاهد وقتادة وعكرمة: حطبها، وذُكر أنَّ الحصب في لغة أهل اليمن الحطب.
الضحّاك: يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء، وأصل الحصب الرمي يقال: حصبت الرجل إذا رميته، قال الله سبحانه وتعالى
{ إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً } [القمر: 34] يعني ريحاً ترميهم بالحجارة وقرأ ابن عباس: حَضَب بالضاد، وهو كل ما هيّجت وأُوقدت به النار، ومنه قيل لدقاق النار: حَضبٌ، وقرأ علي وعائشة: ولاهو بن حميد: حطب بالطاء نظيرها قوله سبحانه "وقودها الناس والحجارة".
{أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} أي فيها داخلون {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ} الأصنام {آلِهَةً} على الحقيقة {مَّا وَرَدُوهَا} يعني ما دخل عابدوها النار، بل منعتها {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} يعني العابد والمعبود.
{لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} قال ابن مسعود في هذه الآية: إذا بقي في النار من يخلد فيها جُعلوا في توابيت من نار، ثم جُعل التوابيت في توابيت أُخرى، ثم جعلت التوابيت في أُخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار أحداً يُعذّب غيره.
ثم استثنى فقال سبحانه وتعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ} قال قوم من العلماء: إنّ ها هنا بمعنى إلاّ وليس في القرآن سواه، والسبق تقدّم الشيء على غيره.
{لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} السعادة والعدة الجميلة بالجنّة {أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} والإبعاد: تطويل المسافة. واختلفوا في هؤلاء من هم؟ فقال أكثر المفسرين: عني بذلك كلّ من عُبد من دون الله وهو طائع ولعبادة من يعبده كاره، وذلك
"أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنماً فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلّمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الآيات الثلاث، ثمَّ قام فأقبل عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي السهمي فرآهم يتهامسون قال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعرى: أنت قلت: إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك وربّ الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيراً والنصارى تعبد المسيح وبنو مليح يعبدون الملائكة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم، بل هم يعبدون الشياطين، هي التي أمرتهم بذلك، فأنزل الله سبحانه {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ} الآية يعني عزيراً وعيسى والملائكة"
.
قال الحسن بن الفضل: إنما أراد بقوله {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الأوثان دون غيرها لأنّه لو أراد الملائكة والنّاس لقال: «ومن تعبدون»، قلت: ولأنّ المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام.
وقال بعضهم: هذه الآية عامّة في كلّ من سبقت له من الله السعادة.
قال محمّد بن حاطب: سمعت عليّاً كرّم الله وجهه يخطب، فقرأ هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ} فقال: عثمان (رضي الله عنه) منهم.
وقال الجنيد في هذه الآية: سبقت لهم من الله العناية في البداية، فظهرت الولاية في النهاية.
أخبرني أبو عبد الله محمد بن عبد الله قال: حدَّثنا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين السبيعي بحلب قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي قال: حدَّثنا عبيد الله القواريري قال: حدَّثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني قال: حدَّثنا ليث عن ابن عمّ النعمان بن بشير وكان من سمّار علىّ قال: تلا علّي ليلةً هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرَّحْمن بن عوف منهم، ثم أُقيمت الصلاة فقام علىّ يجرّ رداءهُ وهو يقول {لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} يعني صوتها إذا نزلوا منازلهم من الجنة {وَهُمْ فِي مَا ٱشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} والشهوة طلب النفس اللذّة، نظيرها قوله
{ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ } [الزخرف: 71].
{لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} وقرأ أبو جعفر بضمّ الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء وضمّ الزاي، واختلفوا في الفزع الأكبر، فقال ابن عباس: النفخة الآخرة، دليله قوله سبحانه
{ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } [النمل: 87].
وقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار.
سعيد بن جبير والضحّاك: إذا أُطبقت على أهل النار.
ابن جريج: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح على الأعراف والفريقان ينظران فينادى: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النّار خلود فلا موت.
ذو النون المصري: هو القطيعة والهجران والفِراق.
{وَتَتَلَقَّاهُمُ} تستقبلهم {ٱلْمَلاَئِكَةُ} على أبواب الجنة يهنّونهم ويقولون لهم {هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ} قرأ أبو جعفر تُطوى السماء بضم التاء والهمزة على المجهول، وقرأ الباقون بالنون السماء نصب {كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} قرأ أهل الكوفة على الجمع، غيرهم: للكتاب على الواحد واختلفوا في السجلّ، فقال ابن عمر و السدىّ: السجل: ملك يكتب أعمال العباد فإذا صعد بالاستِغفار قال الله سبحانه: أُكتبها نوراً.
وقال ابن عباس ومجاهد: هو الصحيفة، واللام في قوله للكتب بمعنى على تأويلها كطىّ الصحيفة على مكتوبها.
وروى أبو الجوزاء وعكرمة عن ابن عباس أنّ السجلّ اسم كاتب لرسول الله، وهذا قول غير قوي لأنّ كتّاب رسول الله كانوا معروفين وقد ذكرتهم في كتاب «الربيع»، والسجلّ اسم مشتقّ من المساجلة وهي المكاتبة، وأصلها من السجل وهو الدلو، يقال: سجلت الرجل إذا نزعت دلواً ونزع دلواً ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة، قال الشاعر:

من يساجلني يساجل ماجداًيملأ الدلو إلى عقد الكرب

ثم بنى هذا الاسم على فعل مثل طمر وقلز. والطي في هذه الآية يحتمل معنيين: أحدهما: الدرج الذي هو ضدّ النشر قال الله سبحانه { { وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } [الزمر: 67].
والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو والطمس لأنّ الله سبحانه يمحو رسومها ويكدر نجومها، قال الله سبحانه وتعالى
{ { إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ } [التكوير: 1-2] تقول العرب: اطو عن فلان هذا الحديث أي استره وأخفه.
ثمَّ ابتدأ واستأنف الكلام فقال عزَّ من قائل {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } قال أكثر العلماء: كما بدأناهم في بطون أُمهاتهم حفاة عُزّلا كذلك نعيدهم يوم القيامة، نظيرها قوله سبحانه
{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الأنعام: 94] وقوله { وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [الكهف: 48].
ودليل هذا التأويل ما روى ليث
"عن مجاهد عن عائشة رضي الله عنه قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟ فقلت: إحدى خالاتي، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنّة فقال: إنّ الجنّة لا يدخلها العجّز، فأخذ العجوز ما أخذها.
فقال (عليه السلام): إنّ الله ينشئهنّ خلقاً غير خلقهن، قال الله تعالى {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً} [الواقعة: 35] الآية ثمّ قال: يُحشرون يوم القيامة عراة حفاة غلفاً، فأوّل مَنْ يكسى إبراهيم صلوات الله عليه.
فقالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: واسوأتاه فلا تحتشم الناس بعضهم بعضاً؟ قال: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]، ثم قرأ رسول الله {كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} كيوم ولدته أُمهُ"
.
وقال ابن عباس: يقول: نهلك كلّ شيء كما كان أول مرّة، وقيل: كما بدأناه من الماء نعيده من التراب.
{وَعْداً عَلَيْنَآ} نصب على المصدر يعني وعدناه وعداً علينا {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} يعني الإعادة والبعث.
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ} قرأ الأعمش وحمزة: الزبور بضم الزاي، وغيرهما يقرؤون بالنصب وهو بمعنى المزبور كالحلوب والركوب، يقال: زبرت الكتاب وذبرته إذا كتبته، واختلفوا في معنى الزبور في هذه الآية، فقال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد: عنى بالزبور الكتب المنزلة وبالذكر أُمّ الكتاب الذي عنده.
وقال ابن عباس والضحّاك: الذكر التوراة والزبور الكتب المنزلة من بعد التوراة.
وقال الشعبي: الزبور كتاب داود والذكر التوراة.
وقال بعضهم: الزبور زبور داود والذكر القرآن، وبعد بمعنى قبل كقوله
{ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ } [الكهف: 79] أي أمامهم، وقوله { وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } [النازعات: 30] أي قبل ذلك.
{أَنَّ ٱلأَرْضَ} يعني أرض الجنّة {يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّالِحُونَ} يعني أُمة محمد (عليه السلام) قاله مجاهد وأبو العالية، ودليل هذا التأويل قوله
{ { وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ } [الزمر: 74].
وقال ابن عباس: أراد أنّ الأرضَ في الدُنيا تصير للمؤمنين، وهذا حكم من الله سبحانه بإظهار الدّين وإعزازِ المسلمين وقهر الكافرين.
قال وهب: قرأت في عدّة من كتب الله أنّ الله عزّ وجلّ قال: إنّي لأُورث الأرض عبادي الصالحين من أُمة محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلاَغاً} وصولاً إلى البغية، من اتّبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب، فالقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر.
{لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} أي مؤمنين يعبدون الله سبحانه وتعالى.
وقال ابن عباس: عالمين، وقال كعب الأحبار: هم أُمّة محمد أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان، سمّاهم الله سبحانه وتعالى عابدين.
{وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ} يا محمّد {إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} قال ابن زيد: يعني المؤمنين خاصة، وقال ابن عباس: هو عامّ فمن آمن بالله واليوم الآخر كتب له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي ممّا أصاب الأُمم من المسخ والخسف والقَذف.
{قُلْ إِنَّمَآ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} يعني أعلمتكم على بيان أنا وإيّاكم حرب لا صلح بيننا، وإنّي مخالف لدينكم، وقيل: معناه على سواء من الإنذار لم أُظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره، وقيل: لتستووا في الإيمان به، وهذا من فصيحات القرآن.
{وَإِنْ أَدْرِيۤ} وما أعلم {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} يعني القيامة، نسخها قوله {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ}.
{إِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ} أي لعّل تأخير العذاب عنكم، كناية عن غير مذكور {فِتْنَةٌ} اختبار {لَّكُمْ} ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} إلى أجل يقضي الله فيه ما شاء.
أخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة قال: حدَّثنا محمد بن أبي غالب قال: أخبرنا هشام قال: أخبرنا مجالد قال: حدَّثني السبعي قال: لما سلم الحسن بن عليّ لمعاوية الأمر، قال له معاوية: قم فاخطب واعتذر إلى الناس، فقام الحسن فخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ أكْيَسَ الكيس التُقى، وإنّ أحْمَق الحُمْق الفجور،وإنّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إمّا حقّ امرئ كان أحقّ به، وإمّا حقّ كان لي فتركته التماس الصلاح لهذه الأُمّة، ثم قال: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}.
{قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} افعل بيني وبين من كذبني بالحق، والله لا يحكم إلاّ بالحق، وفيه وجهان من التأويل:
قال أهل التفسير: الحق ها هنا بمعنى العذاب كأنّه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر وليله، نظيره قوله
{ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ } [الأعراف: 89].
وقال قتادة: كان رسول الله (عليه السلام) إذا شهد قتالا قال: ربّ احكم بالحق.
وقال أهل المعاني: معناه: رب احكم بحكمك الحق، فحذف الحكم وأُقيم الحق مقامهُ، واختلف القراء في هذه الآية فقرأ حفص {قَالَ رَبِّ} بالألف على الخبر، الباقون: {قَالَ} على الأمر، وقرأ أبو جعفر: ربِّ احكم برفع الباء على النداء والمفرد، وقرأ الضحاك ويعقوب: ربي احكم باثبات الياء على وجه الخبر بأنَّ الله سبحانه أحكم بالحق من كل حاكم وهذه قراءة غير مرضية لمخالفة المصحف، والقرّاء الباقون: {رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} على الدعاء {وَرَبُّنَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}.