خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ
١٩
يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ
٢٠
وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ
٢١
كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ
٢٢
إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ
٢٣
وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ
٢٤
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
٢٥
وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ
٢٦
-الحج

الكشف والبيان

{هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ} أي في دينه وأمره، والخصم اسم شبيه بوصف المصدر فلذلك قال: اختصموا، نظيرها { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } [ص: 21].
واختلف المفسّرون في هذين الخصمين من هما؟ فروى قيس بن عبّاد أنّ أبا ذرّ الغفاري كان يقسم بالله سبحانه أُنزلت هذه الآية في ستّة نفر من قريش تبادروا يوم بدر: حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وعبيدة بن الحارث، قال: وقال علي: إنّي لأوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله سبحانه وتعالى، وإلى هذا القول ذهب هلال بن نساف وعطاء بن يسار. وقال ابن عباس: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً ونبيّنا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحقّ بالله، آمنّا بمحمد صلى الله عليه وسلم وآمنّا بنبيّكم وبما أنزل الله سبحانه من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، وكان ذلك خصومتهم في ربّهم.
وقال مجاهد وعطاء أبن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي: هم المؤمنون والكافرون كلّهم من أيّ ملّة كانوا.
وقال عكرمة: هما الجنة والنار اختصمتا فقالت النار: خلقني الله سبحانه وتعالى لعقوبته، وقالت الجنّة: خلقني الله عزّ وجلّ لرحمته، فقد قصّ الله عليك سبحانه من خبرهما ما تسمع، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو سعيد بن حمدونرحمه الله بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو حامد ابن الشرقي قال: حدَّثنا محمد بن يحيى الذهلي وعبد الرَّحْمن بن بشر العبدي وأحمد بن يوسف السلمي قالوا: حدَّثنا عبد الرزاق بن همام الحميري قال: أخبرنا معمر بن راشد عن همام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"تحاجّت الجنة والنار فقالت النار: أوثرتُ بالمتكبّرين المتجبّرين،وقالت الجنة: لا يدخلني إلاّ ضعفاء الناس وسقاطهم، فقال الله سبحانه للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابي أُعذّب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحد منكما ملؤها، فأما النار فإنّهم يُلقون فيها وتقول: هل من مزيد؟ فلا تمتلئ حتى يضع الله سبحانه رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم من خلقه أحداً. وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقاً" .
ثم بيّن مآل الخصمين وحال أهل الدارين فقال سبحانه وتعالى {فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ}.
قال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس من نار، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشدّ حرّاً منه.
{يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} الماء الحار.
روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال:
"إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جنبه فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان" {يُصْهَرُ} يذاب، يقال: صهرت الألية والشحم بالنار أذبتها، أصهرها صهراً، قال الشاعر:

تروي لقىً ألقى في صفصفتصهره الشمس ولا ينصهر

ومعنى الآية: يذاب بالحميم الذي يصبّ من فوق رؤوسهم ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء وتنشوي جلودهم منه فتتساقط.
{وَلَهُمْ مَّقَامِعُ} سياط {مِنْ حَدِيدٍ} واحدتها مقمعة، سمّيت بذلك لأنّها يُقمع بها المضروب أي يذلّل.
{كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} ردّوا إليها.
روى الأعمش عن أبي ظبيان قال: ذُكر أنّهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي مَن فيها إلى أعلى أبوابها فيريدون الخروج منها فيعذبهم الخزّان فيها ويعيدونهم إليها بالمقامع ويقولون لهم {وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} أي المحرق مثل الأليم والوجيع، والذوق: حاسة يحصل منها إدراك الطعم، وهو ها هنا توسّع، والمراد به إدراكهم الآلام.
{إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} وهي جمع سوار {وَلُؤْلُؤاً}.
قرأ عاصم وأهل المدينة ها هنا وفي سورة الملائكة: ولؤلؤاً بالنصب على معنى ويحلّون لؤلؤاً، واستدلّوا بأنّها مكتوبة في جميع المصاحف بالألف ها هنا.
وقرأ الباقون بالخفض عطفاً على الذهب، ثمَّ اختلفوا في وجه إثبات الألف فيه، فقال أبو عمرو: أُثبتت الألف فيه كما أُثبتت في قالوا وكانوا، وقال الكسائي: أثبتوها فيه للهمزة لأنَّ الهمزة حرف من الحروف، وأمّا يعقوب فإنّه قرأها هنا بالنصب وفي سورة فاطر بالخفض رجوعاً إلى المصحف؛ لأنّه كُتب في جميع المصاحف ها هنا بالألف وهناك بغير ألف.
{وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (*) وَهُدُوۤاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} وهو شهادة أن لا إله إلاّ الله، وقال ابن زيد: لا إله إلاّ الله والله أكبر والحمد لله، نظيرها قوله سبحانه
{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ } [فاطر: 10] {وَهُدُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْحَمِيدِ} إلى دين الله.
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ} فعطف بالمستقبل على الماضي لأنّ الصدّ بمعنى دوام الصفة لهم، ومعنى الآية: وهم يصدّون ومن شأنهم الصدّ، نظيرها قوله
{ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ } [الرعد: 28] وقيل: لفظه مستقبل، ومعناه الماضي، أي: وصدّوا عن سبيل الله {وَٱلْمَسْجِدِ} يعني عن المسجد {ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ} خلقناه وبنيناه {لِلنَّاسِ} كلّهم لم نخصّ منهم بعضاً دون بعض {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ} المقيم {فِيهِ وَٱلْبَادِ} الطاري المنتاب إليه من غيره.
وقرأ عاصم برواية حفص ويعقوب برواية روح: سواء بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأنّ الجعل يتعدّى إلى مفعولين.
وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وما بعده خبره. وتمام الكلام عند قوله {لِلنَّاسِ}. واختلف العلماء في معنى الآية: فقال قوم: سواء العاكف فيه والباد في تعظيم حرمته وقضاء النسك به وحقّ الله الواجب عليهما فيه، وإليه ذهب مجاهد.
وقال آخرون: هما سواء في النزول به فليس أحدهما بأحقّ يكون فيه من الآخر. وحرّموا بهذه الآية كراء دور مكّة وكرهوا إجارتها في أيام الموسم.
قال عبد الله بن عمر: سواء أكلت محرماً أو كراء دار مكة.
وقال عبد الرَّحْمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحقّ بمنزله منهم فكان الرجل إذا وجد سعة نزل، ففشا فيهم السرق، وكلّ إنسان يسرق من ناحيته فاصطنع رجل باباً فأرسل إليه عمر: اتخذت باباً من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنّما جعلته ليحترز متاعهم وهو قوله {سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ}.
قال: البادي فيه كالمقيم ليس أحد أحقّ بمنزله من أُحد إلاّ أن يكون سبق إلى منزل، وإلى هذا القول ذهب ابن عباس وابن جبير وابن زيد وباذان قالوا: هما سواء في البيوت والمنازل، والقول الأول أقرب إلى الصواب.
أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسن بقراءتي عليه قال: حدَّثنا صفوان بن الحسين قال: حدَّثنا أبو محمد بن أبي حاتم قال: سمعت أبا إسماعيل الترمذي بمكة سنة ستين ومائتين قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: جالست الشافعي بمكة فتذاكرنا في كراء بيوت مكة، وكان يرخّص فيه، وكنت لا أرخّص فيه، فذكر الشافعي حديثاً وسكت، وأخذت أنا في الباب، أسرد فلمّا فرغت منه قلت لصاحب لي من أهل مرو بالفارسية: مرد كما لاني هست قرية بمرو، فعلم أني راطنت صاحبي بشيء هجّنته فيه، فقال لي: أتناظر؟ قلتُ: وللمناظرة جئت، فقال: قال الله سبحانه وتعالى {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} نسب الديار إلى مالكيها أو غير مالكيها.؟
وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:
"من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن وهل ترك عقيل لنا من رباع" ؟نسب الدار إلى أربابها أو غير أربابها وقال لي: اشترى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه دار السجن من مالك أو غير مالك؟ فلمّا علمت أنّ الحجة لزمتني قمت.
{وَمَن يُرِدْ فِيهِ} أي في المسجد الحرام {بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} يعني إلحاداً بظلم وهو الميل إلى الظلم، والباء فيه زائدة كقوله: تنبت بالدهن أي تنبت الدهن.
قال الفرّاء: وسمعت أعرابياً من ربيعة وسألته عن شيء فقال: أرجو بذلك يريد أرجو ذلك.
وقال الشاعر:

بواد يمان ينبت الشت صدرهوأسفله بالمرخ والشبهان

أي المرخ. وقال الأعشى:

ضمنت برزق عيالنا أرماحنابين المراجل والصريح الأجرد

بمعنى ضمنت رزق عيالنا أرماحنا وقال آخر:

ألم يأتيك والأنباء تنميبما لاقت لبون بني زياد

واختلفوا في معنى الآية، فقال مجاهد وقتادة {وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} هو الشرك أن يعبد فيه غير الله سبحانه وتعالى.
وقال آخرون: هو استحلال الحرام وركوب الآثام فيه.
قال ابن مسعود: ما من رجل يهمّ بسيّئة فيكتب عليه، ولو أنّ رجلاً بعدن أو ببلد آخر يهمّ أن يقتل رجلاً بمكّة، أو يهمّ فيها بسيّئة ولم يعملها إلاّ أذاقه الله العذاب الأليم.
وقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه ما لا يقتلك، أو تظلم من لا يظلمك، وهذا القول معنى قول الضحاك وابن زيد.
أخبرنا أحمد بن أُبي قال: أخبرنا المغيرة بن عمرو قال: حدَّثنا المفضل بن محمد قال: حدَّثنا محمد بن يوسف قال: حدَّثنا أبو قرّة قال: ذكر سفيان عن ليث عن مجاهد أنّه قال: تُضاعف السيئات بمكّة كما تضاعف الحسنات.
ابن جريج: هو استحلال الحرام متعمّداً، عن حبيب بن أبي ثابت: احتكار الطعام بمكة، بعضهم: هو كل شيء كان منهيّاً عنه من القول والفعل حتى قول القائل: لا والله، وبلى والله.
وروى شعبة: عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمر أنّه كان له فسطاطان أحدهما في الحلّ والآخر في الحرم، فإن أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كّنا نحدّث أنّ من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلاّ والله وبلى والله.
{وَإِذْ بَوَّأْنَا} وطّأنا. قال ابن عباس: جعلنا، الحسن: أنزلنا، مقاتل بن سليمان: دللناه عليه، ابن حبان: هيأنا، نظيره
{ تُبَوِّئُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 121] { وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ } [الأعراف: 74] وقوله { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } } [العنكبوت: 58]. {لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ} والمكان جوهر يمكن أن يثبت عليه غيره، كما أن الزمان عرض يمكن أن يحدث فيه غيره، وأراد بالبيت الكعبة.
{أَن لاَّ تُشْرِكْ} يعني أمرناه وعهدنا إليه أن لا تشرك {بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ} يعني المصلّين { وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ}.