خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً
١
وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً
٢
وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً
٣
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ
٤
ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٥
-الأحزاب

الكشف والبيان

قوله عزّ وجلّ: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الاعور عمرو بن [أبي] سفيان السلمي، وذلك أنّهم قدموا المدينة فنزلوا على عبدالله بن أُبي رأس المنافقين بعد قتال أحُد، وقد أعطاهم النبيّ صلّى الله عليه الأمان على أنْ يُكلّموه، فقام معهم عبدالله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده عمر ابن الخطّاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزّى ومنات وقل: إنّ لها شفاعة ومنفعة لمن عَبَدَها وندعك وربّك، فشقّ على النبي صلّى الله عليه قولهم، فقال عمر بن الخطّاب: ائذن لنا يارسول الله في قتلهم، فقال النبي (عليه السلام): "إنّي قد أعطيتهم الأمان" ، فقال عمر بن الخطّاب: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبيّ صلّى الله عليه عمر أنْ يُخرجهم من المدينة فأنزل الله عزّ وجلّ {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ]}.
{وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ} من أهل مكّة يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة {وَٱلْمُنَافِقِينَ} عبد الله بن أُبي وعبد الله بن سعد وطعمة بن أبيرق.
{إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} بالياء. أبو عمرو، وغيره بالتاء.
{وَتَوَكَّلْ عَلَىٰ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} أخبرني ابن فنجويه، عن موسى بن علي [عن الحسن ابن علويه]، عن إسماعيل بن عيسى، عن المسيب، عن شيخ من أهل الشام قال: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وفد من ثقيف فطلبوا إليه أن [يمتعهم] باللات والعزّى سنة وقالوا: لتعلم قريش منزلتنا منك، فَهَمَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك، فأنزل الله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} الآيات.
قوله: {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} نزلت في أبي معمر جميل [بن معمر] بن حبيب بن عبدالله الفهري، وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلاّ وله قلبان. وكان يقول: إنّ لي قلبين أعقل بكلّ واحد منهما أفضل من عقل محمّد، فلمّا كان يوم بدر وهُزم المشركون وفيهم يومئذ أبو معمر تلقّاه أبو سفيان بن حرب، وهو معلِّق إحدى نعليه بيده والأُخرى في رِجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأُخرى في رجلك، فقال له أبو معمر: ما شعرت إلاّ أنّهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنّه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده.
وقال الزهري ومقاتل: هذا مثل ضربه الله للمُظاهر من امرأته، وللمتبنّي ولد غيرهِ، يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أُمّه حتى يكون له أُمّان، ولا يكون ولد أحد ابن رجُلين.
قوله: {وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ ٱللاَّئِي} قرأ أبو جعفر وأبو عمر ووَرش بغير مدّ ولا همز، ممدودة مهموزة بلا ياء، نافع غير ورش {ٱللاَّئِي} وأيّوب ويعقوب والأعرج، وأنشد:

من اللاّءِ لم يحججن يبغين حسبةولكن ليقتلن البريء المغفّلا

وقرأ أهل الكوفة والشام بالمدّ والهمز وأثبات الياء واختاره أبو عبيد للاشباع واختلف فيه، عن ابن كثير وكلّها لغات معروفة {تُظَاهِرُونَ} بفتح التاء وتشديد الظاء شامي. بفتح التاء وتخفيف الظاء كوفي غير عاصم، واختاره أبو عبيد بضمّ التاء وتخفيف الظاء وكسر الهاء عاصم والحسن.
قال أبو عمرو: هذا منكر لأنّ المظاهرة من التعاون والآية نزلت في أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم أخي عبادة، وفي امرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك يقول الله تعالى: مَا جَعَلَ نساءكم اللاتي تقولون: هنّ علينا كظهور أمّهاتنا في الحرام كما تقولون، ولكنّها منكم معصية وفيها كفّارة وأزواجكم لكم حلال، وسنذكر القصّة والحكم في سورة المجادلة إن شاء الله.
قوله: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ} يعني من تبنّيتموه {أَبْنَآءَكُمْ} نزلت في زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من بني عبد ودّ، كان عبداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبنّاه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطّلب في الإسلام، فجعل الفقير أخاً للغني ليعود عليه، فلمّا تزوّج النبي صلّى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدي وكانت تحت زيد بن حارثة، فقالت اليهود والمنافقون: تَزَوج محمّد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآيات وقال: {ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} ولا حقيقة له، يعني قولهم: زيد ابن محمّد {وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ * ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْْ} الذين ولدوهم {هُوَ أَقْسَطُ} أعدل {عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ} أي فهم إخوانكم {فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} إنْ كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم.
أنبأني عقيل بن محمد الجرجاني، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية عن عيينة بن عبد الرحمن،عن أبيه، قال: قال أبو بكر: قال الله تعالى: {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} فأنا ممّن لا يُعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال: قال أُبي إنّي لأظنّه لو علم أنَّ أباه كان حماراً لانتمى إليه {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} قبل النهي، فنسبتموه إلى غير أبيه، وقال قتادة: يعني أنْ تدعوه لغير أبيه وهو يرى أنّه كذلك {وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} فنسبتموه إلى غير أبيه بعد النهي، وأنتم تعلمون أنّه ليس بابنهِ. ومحلّ ما في قوله: {مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} خفض ردّاً على (ما) التي في قوله: {فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ} ومجازهُ: ولكن فيما تعمّدت قلوبكم {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:
"مَن ادّعى إلى غير أبيه أو إلى غير أهل نعمته فعليهِ لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين" .
وأخبرنا محمد بن عبدالله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى قال: أخبرني أبو صالح، حدّثني الليث، حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان ممّن شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنّى سالماً وأنكحهُ ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار فتبنّاه، كما تبنّى رسول الله صلّى الله عليه زيداً وكان مَن تبنّى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من ميراثه حتّى نزلت {ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} الآية.