خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً
١١٨
وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً
١١٩
يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً
١٢٠
أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً
١٢١
وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً
١٢٢
لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
١٢٣
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً
١٢٤
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً
١٢٥
وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً
١٢٦
-النساء

الكشف والبيان

{لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَقَالَ} يعني إبليس {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} يعني حظاً معلوماً فما اطاع فيه إبليس فهو مفروضه. قال الفراء ما جعل عليه سبيل، وهو كالمفروض، في بعض التفسير وكل ألف الله عز وجل وسائرهم لإبليس.
وأصل الفرض في اللغة القطع ومنه الفرضة في النهر وهي الثلمة تكون فيه يقال معناها بالفراض والفرض، والفرض الجز الذي يكون في الشباك يشد فيه الخيط، والفريض في القوس الجز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة في سائر ما افترض الله عز وجل. ما أمر به العباد وجعله أمراً حتماً عليهم قاطعاً وقوله
{ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } [البقرة: 237] يعني لهن قطعة من المال.
وقد فرضت للرجل أي جعلت له قطعة من المال.
قول الشاعر:

إذ أكلت سمكاً وفرضاًذهبت طولا وذهبت عرضاً

فالفرض ههنا التمر، وقد سمي التمر فرضاً لأنه يؤخذ في فرائض الصدقة.
ثم قال إبليس {وَلأُضِلَّنَّهُمْ} [بمعنى هؤلاء] {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} أنّه لا جنة، ولا نار، ولابعث.
وقال بعضهم: ولأمنينّهم أي أُلقي في قلوبهم [الهيمنة] {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَامِ} أي يقطعونها ويشقونها وهي البحيرة {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ} . قال ابن عباس عن الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير: يعني دين الله نظير قوله تعالى:
{ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } [الروم: 30] أي لدين الله.
وقال عكرمة وقوم من المفسرين: معناه: فلنغيرنّ خلق الله [بالخضاب] والوشم وقطع الآذان وفقء العيون.
قال أهل المعاني: معنى قوله (فليغيرن خلق الله) إن الله خلق الانعام لتركبوها وتأكلوها فحرموها على أنفسهم، وخلق الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون فغيروا خلق الله {وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَانَ وَلِيّاً} أي ربّاً {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} فيطيعوه {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} يعدهم إلا يلقون خيراً {وَيُمَنِّيهِمْ} الفقر ألاّ ينفقون في خير ولايصلون رحماً، فقال يمنيهم ان لا بعث ولا جنة ولا نار {وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} أي باطلاً {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} يعني مصيرهم جهنم {وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً} أي منعاً قال عوف: بلغني من المؤمن بكيده من الشيطان بأكثر من مضر لو أبدلهم الله له لمات، وإن قيل خبرونا عن قول إبليس {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 118] كيف علم ذلك؟
يقال: قد قيل في هذا أجوبة، منها: إن قالوا إنّ الله تبارك وتعالى كان خاطبه بقوله
{ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ } [هود: 119] فعلم إبليس انه ينال من ذرية آدم ما يتمناه.
ومنها: ان قالوا إنه لما وسوس لآدم نال منه ما نال، طمع في ولده ولم ينل من آدم جميع ما يتمناه من الغواية فكذلك طمع في بعض ولده وأيس من جميعهم.
ومنها ان قالوا ان ابليس قد عاين الجنة والنار وعلم ان الله خلقهما لأن يسكنهما من الناس والشياطين، فعلى هذا التأويل قال {لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} [النساء: 118] وإن قيل: لخبرونا عن إضلال الشيطان هل إليه نجح فعله وانفاذ أمره أم لا؟
يقال له: معنى إضلاله الدعاء إلى الضلالة والتزين له ولو كانت الضلالة إليه لأضل الخلق جميعاً ولذلك مَنّ به أباهم {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من تحت الغرف والمساكن {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}.
قال قتادة والضحاك: إن المسلمين وأهل الكتاب تناظروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابكم، ونحن أولى بالله منكم، فقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا (يفي) على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله تعالى {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} الآية.
وقال مجاهد: قالت قريش: لا نبعث ولانحاسب.
وقال أهل الكتاب
{ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً } [البقرة: 80] فأنزل الله {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}.
وإسم ليس مضمر المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} لا ينفعه يمينه {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس:
"لمّا نزلت هذه الآية شقّت على المسلمين مشقّة شديدة، وقالوا: يا رسول الله وأيّنا لم يعمل سوءاً غيرك وكيف الجزاء؟ فقال: منه ما يكون في الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات، ومن يجازي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلب إحداه عشراه.
وأما ما كان جزاءه في الآخرة فإنه يؤخر إلى يوم القيامة فيقابل بين حسناته وسيئاته، وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة، فيعطى كل ذي عمل فضله"
.
وروى إسماعيل عن أبي خالد عن أبي بكر بن أبي زهير عن أبي بكر الصديق قال: " يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أية آية؟ فقال يقول الله {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال: ما عَلِمنا جزينا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم قد هلك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تغبْ ألست يصبك القرف قال: بلى، قال: فهو ما يجزون به" .
وعن عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق(رضي الله عنه) قال: "كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية في سورة النساء {مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَ لاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ألا اقرئك آية نزلت عليَّ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاقرأنيها فلا أعلم أني وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطّيت لها فقال: مالك يا أبا بكر.
فقلت: بأبي أنت وأمّي، وأينا لم يعمل سوءاً وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما أنت يا أبابكر وأصحابك المؤمنون فتُجزون ذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب"
.
وأما الآخرون فتجمع ذنوبهم حتى يجزوا يوم القيامة. وقال عطاء: "لما نزلت {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}. [قال أبو بكر: يا رسول الله ما أشدّ هذه الآية قال: يا أبا بكر إنّك تمرض، وإنّك تحزن، وإنك يصيبك أذى، فذاك بذاك" ، وقال عطاء]:
قال أبو بكر:
"جاءت قاصمة الظهر يا رسول الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم إنّما هي المصيبات في الدنيا" .
وروى عبد الله بن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قلت: إني لأعلم أي آية من كتاب الله نزلت ببعض من يعمل سوءاً يجز به. قال: إن المؤمن يجازى بأسوء عمله في الدنيا ثم ذكر أشياء منه المرض والنصب وكان آخرون يذكر نصبه إليك كله كل يجازي بعمله، يا عائشة ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا يعذب قالت: فقلت: أليس يقول الله تعالى { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } [الانشقاق: 8] قال: ما ذلك [العرض] إنه من نوقش في العذاب عذِب فقال بيده: على المصيبة كان ينكث.
وروى ابن ميثم بن يزيد عن عبد الله بن الأرقم قال عن أبي هريرة يقول:
"لما نزلت {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} بكينا وحزنّا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء، قال: أما المذنب فمن يده إنها لكم انزلت ولكن أبشروا وقاربوا وسدّدوا إلاّ أنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ كفَّر الله به خطيئة حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه" .
وقال الحسن: في قوله تعالى {مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال: هو الكافر، لايجزي الله المؤمن يوم القيامة، ولكن المؤمن يجزى بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته. ثم قرأ { لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } [الزمر: 35] الآية، وقرأ أيضاً، { وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } [سبأ: 17].
قال الثعلبي: وقلت: لولا السيئة لأُتيَ [الجزاء] في الكفار. لقوله في سياق الآية {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} ومن لم يكن له في القيامة نصير ولا ولي كان كافراً فإن الله عز وجل قد ضمن بنصرة المؤمنين في الدارين بقوله
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } [غافر: 51] الآية.!
ولكن الخطاب متى ورد مجملاً وبيّن الرسول [ذلك على] لسانه إذ البيان إليه قال الله تعالى {مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} وأنزل إليهم ثم بين الله تعالى فضل المؤمنين على مخالفيهم فقال {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} الآية يعني تكون في ظهر النواة.
عن مسروق قال: لما نزلت هذ الآية {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء حتى نزلت {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} ونزل فيهم أيضاً {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً} [قد علم ربّنا] {مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله}.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: يعني أخلص لله عمله، وقيل: فوّض أمره إلى الله، وقيل: مفلح {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي موحد {واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} يعني دين إبراهيم {حَنِيفاً} مسلماً مخلصاً.
قال ابن عباس: ومن دين إبراهيم الكعبة والصلاة ويطوفون بها وحولها والسعي بين الصفا والمروة ورمى الجمرات وحلق الرأس والموقفان، وسائر المناسك فمن صلى نحو القبلة وأقرّ بهذه الصفة فقد اتبع ابراهيم (عليه السلام) {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، في قوله تعالى {وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} صفياً وخليلا من [قولهم]: أبا الضيفان يضيف من مرّ بهِ من الناس، وكان منزله على ظهر الطريق، فأصاب الناس سنة وجهدوا عنها واجتمعوا على باب داره يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل إلى ذلك الخليل فسأله الميرة. قال خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم إنّما يريده لنفسه احتملنا ذلك له فقد دخل علينا مادخل على الناس من الشدة، فرجع رُسُلُ إبراهيم إليه فمروا بالبطحاء يعني السهلة، فقالوا: لو انا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس إنا قد جئنا بميرة، إنا نستحي أن نمر بهم وإبلنا فارغة، قال: فملأوا تلك الغرائر سهلة ثم إبراهيم (عليه السلام) وساره نائمة، فأعلموا ذلك، واهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة، وقد ارتفع النهار، فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان فقالوا لها: بلى قالت: فما جاءوا بشيء، قالوا: بلى، فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود حواري يكون فأمرت الخبازين فخبزوا وطعموا، قال: فلمّا استيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام، فقال: ياسارة من أين هذا الطعام؟ قالت: من عند خليلك المصري؟
قال: هذا من عند خليلي الله، لا من عند خليلي المصري. قال: فيومئذ إتخذه الله خليلاً مصافياً.
وقال الزجاج: الخليل الذي ليس في محبته خلل فجائز أن يكون سمي خليل الله بانه الذي أحبه واصطفاه بالجنة تامة.
وجائز أن يسمّى خليل الله أي فقير إلى الله لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلاّ إلى الله مخلصاً في ذلك.
قال الله {أْنُتُم الفُقَرَاءُ إلى ٱللَّهُ} لإن معنى الخليل في اللغة. قد قيل: هو الفقير.
قال زهير يمدح هرم بن سنان:

فإن أتاه خليل يوم مسألةيقول لا غايب مالي ولا حرم

والخلة: الصداقة، والخلة: [الحاجة]، فإذا جعلنا اشتقاق الخليل من الخلة فهو الإخلال الذي يلحق الانسان فيما يحتاج إليه، وإن جعلنا من الخلة فهو أصل الصداقة ومعناهما جميعاً واحد لأن كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه.
والخلل: كل فرجة يقع في شيء، والخلال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلالاً لأنه منع به الخلل من الأسنان، والخل: الطريق في الرمل، معناه إنه إنفرجت فيه فرجة، فصارت طريقاً في الأرض والخلّ الذي يؤكل إنما سمي خلا لأنه أخل منه طعم الحلاوة {وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً} أي لبساطة عمله لجميع الاشياء.