خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
٢٦
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٢٧
فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٨
وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ
٢٩
قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ
٣٠
يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
٣١
وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٣٢
-الأحقاف

الكشف والبيان

{وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ} أي فيما لا يمكنكم فيه من بسطة الأجسام، وقوّة الأبدان، وطول العمر، وكثرة المال.
{وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ} يا أهل مكّة.
{مِّنَ ٱلْقُرَىٰ} كحجر ثمود، وأرض سدوم ونحوهما.
{وَصَرَّفْنَا ٱلآيَاتِ} الحجج والبيّنات وأنواع العبر والعظات {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن كفرهم، فلم يرجعوا، فأهلكناهم، يخوّف مشركي قريش. {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ} يعني الأوثان، قال الكسائي: القربان كلّ ما يُتقرّب به إلى الله تعالى من طاعة، ونسكة، والجمع قرابين، كالرهبان والرهابين.
{بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنّها تقرّبهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم عنده. وقرأ ابن عبّاس وابن الزبير {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} بفتح (الألف) و(الفاء) على الفعل، أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد. وقرأ عكرمة {إِفْكُهُمْ} بتشديد (الفاء) على التأكيد والتفسير. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عمّا كانوا عليه من النعيم. ودليل قراءة العامّة قوله: {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ}.
{وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ} الآية. قال المفسِّرون: لمّا مات أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف يلتمس ثقيف النصرة، والمنعة له من قومه، فروى محمّد بن أحمد عن يزيد بن زياد عن محمّد بن كعب القرظي، قال:
"لمّا انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم اخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمر بن عمير، عندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله تعالى وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه.
فقال أحدهم، هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله تعالى أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحد يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أُكلّمك كلمة أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول، لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أُكلّمك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموه.
وكره رسول الله أن يبلغ قومه عنه فيديرهم عليه ذلك، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم، وعبيدهم يسبّونه، ويصيحون به، حتّى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة، وشيبة ابني ربيعة، هما فيه، ورجع عنه سفهاء ثقيف.
ولقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المرأة من بني جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟. فلمّا اطمئن رسول الله، قال: اللَّهم إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس، يا أرحم الراحمين أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدوَ ملّكته أمري. إن لم يكن بك عليَّ غضب، فلا أُبالي، ولكن عافيتك هي أوسع، وأعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، ويحلّ عليَّ سخطك، لك العتبى حتّى ترضى، لا حول، ولا قوّة إلاّ بك.
فلمّا رأى أبناء ربيعة ما لقي تحرّكت له رحمهما، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً، يقال له: عداس. فقالا له: خذ قطفاً من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثمّ اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا وضع رسول الله يده، قال: بسم الله.
ثمّ أكل، فنظر عداس إلى وجهه، ثمّ قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. قال له رسول الله: ومن أي أهل البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟. قال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى.
فقال له رسول الله: من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى. قال له: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال له رسول الله: ذاك أخي، كان نبيّاً وأنا نبيّ. فأكبّ عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبّل رأسه، ويديه، ورجليه. قال: فيقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه، أما غلامك فقد أفسده عليك. فلمّا جاءهم عداس، قالا له: ويلك يا عداس ما لكَ تقبّل رأس هذا الرجل، ويديه، ورجليه؟ قال: يا سيّدي ما في الأرض خيرٌ من هذا، لقد خبّرني بأمر ما يعلمه إلاّ نبي. فقال: ويحك يا عداس لا يصرفنّك عن دينك، فإنّ دينك خيرٌ من دينه.
ثمّ إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعاً إلى مكّة حتّى يئس من خير ثقيف، حتّى إذا كان بنخلة، قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ أهل نصيبين اليمن، وكان سبب ذلك أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلمّا حرست السماء ورجموا بالشهب. قال إبليس: إنّ هذا الذي حدث في السماء لشيء في الأرض، فبعث سراياه لتعرف الخبر، فكان أوّل بعث بُعث ركب من أهل نصيبين وهم أشراف الجنّ وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتّى بلغوا وادي نخلة، فوجدوا رسول الله صلّى الله عليه يصلّي صلاة الغداة، ببطن نخلة ويتلو القرآن، فاستمعوا إليه، وقالوا: أنصتوا. هذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة من أئمّة الخبر، ورواية العوفي عن ابن عباس، وقال آخرون: بل أُمر رسول الله أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نفراً من الجنّ من نينوى وجمعهم له، فقال رسول الله: إنّي أُمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة فأيّكم يتبعني؟ فأطرقوا ثمّ استتبعهم فأطرقوا، ثمّ استتبعهم الثالثة، فاتبعه عبدالله بن مسعود، قال عبدالله: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة دخل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم شعباً يقال له: شعب الحجون وخط إليَّ خطّاً، ثمّ أمرني أن أجلس فيه.
قال: لا تخرج منه حتّى أعود إليك. ثمّ انطلق حتّى قام وافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال النسور تهوي تمشي في رفوفها، وسمعت لغطاً شديداً، حتّى خفت على نبي الله، وغشيته أسورة كثيرة حالت بيني وبينه، حتّى ما أسمع صوته، ثمّ طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب داهنين، ففزغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، ثمّ انطلق إليَّ، وقال: أنمت؟ فقلت: لا والله لقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتّى سمعتك تقرعهم بعصاك. تقول: اجلسوا.
قال: لو خرجت لم آمن أن يتخطّفك بعضهم. ثمّ قال: هل رأيت شيئاً؟. قلت: نعم رأيت رجالاً سوداً مسفري ثياب بيض. فقال: أولئك جنّ نصيبين سألوني المتاع والمتاع الزاد فمتعتهم بكلّ عظم حائل وبعرة وروثة. فقالوا: يا رسول الله يقذرها الناس علينا. فنهى النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يُستنجى بالعظم والروث. قال: فقلت: يا رسول الله وما يعني ذلك عنهم؟ قال: إنّهم لا يجدون عظماً إلاّ وجدوا عليه لحمة يوم أُكل، ولا روثة إلاّ وجدوا فيها حبّها يوم أُكلت.
فقلت: يا رسول الله، لغطاً شديداً. فقال: إنّ الجنّ يدارك في قتيل قتل بينهم وقيل: قتل فتحاكموا إليَّ، فقضيت بينهم بالحقّ. قال: ثمّ تبرّز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ أتاني فقال: هل معك ماء؟ . قلت: يا رسول الله معي أداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه فصببت على يديه فتوضّأ. وقال: تمرة طيبة وماء طهور"
. قال قتادة: فذكر لنا ابن مسعود لمّا قدم الكوفة رأى شيوخاً شمُطاً من الزط، فأفزعوه حين رآهم. وقال: اظهروا. فقيل له: إنّ هؤلاء قوم من الزط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الجنّ.
قال: أخبرنيه ابن منجويه، حدّثنا ابن حنش المقري، حدّثنا ابن زنجويه، حدّثنا سلمة، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن قتادة بمثل معناه إلاَّ إنّه لم يذكر قصة نبيذ التمر.
أخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي، حدّثنا محمّد بن الحسن الصوفي، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن صالح بن ذريح، حدّثنا مسروق بن المرزبان، حدّثنا ابن أبي زائدة، حدّثنا داود بن أبي هند،
"عن علقمة، قال: سألت عبد الله بن مسعود، هل كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الجنّ؟.
فقال: لا لم يصحبه منّا أحدٌ. ولكنّا فقدناهُ ذات ليلة، فقلنا استطير أو اغتيل، فتفرّقنا في الشعاب والأودية نلتمسه، فلمّا أصبحنا رأيناه مقبلاً من نحو حراء.
فقلنا:يا رسول الله، بتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، نقول: استطير أو اغتيل.
فقال: إنّه أتاني داع من الجنّ، فذهبت أُقرئهم القرآن. قال: وأراني آثارهم وآثار نيرانهم. قال: فسألوه ليلتيئذ الزاد.
فقال: فكلّ عظم لم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحماً، والبعر لدوابكم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تستنجوا بالعظام ولا بالبعر فإنّه زاد إخوانكم من الجنّ"
.
أخبرنا أبو عبد الله بن منجويه، حدّثنا أبو بكر بن خرجه، حدّثنا محمّد بن أيّوب، أخبرنا سلمان بن داود الشاذكوي، عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن خالد الحذّاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لم أكن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ وودت أنّي كنت معه.
أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا موسى بن محمّد بن علي، حدّثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله، أكان عبد الله مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الجنّ؟ قال: لا. قال: وسألت إبراهيم. فقال: ليت صاحبنا كان ذاك.
قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ} اختلفوا في مبلغ عددهم، فقال ابن عبّاس: كانوا سبعة نفر من جنّ نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رُسلاً إلى قومهم.
أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا طلحة بن محمّد بن جعفر، وعبيدالله بن أحمد بن يعقوب، قالا: أخبرنا أبو بكر بن مجاهد، حدّثني أحمد بن حرب، حدّثنا سنيد، حدّثنا حجاج، قال: قال ابن جريح: أخبرني وهب بن سلَمان، عن شعيب الحماني. إنّ أسماء الجنّ الّذين صرفهم الله تعالى إلى رسوله شاصر، وماصر، ومنشي، وماشي، والأحقب وقال آخرون: كانوا تسعة.
أخبرني أبو علي السراج، أخبرنا أبو بكر القطان، حدّثنا أحمد بن يوسف السّلمي، حدّثنا محمّد بن يوسف الفريابي، قال: ذكر سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: كان زوبعة من التسعة الّذين استمعوا القرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم.
{فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ} قالوا: صه. وبإسناده عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ثابت بن قطبة الثقفي، قال: جاء أُناسٌ إلى عبدالله بن مسعود، قالوا: كنّا في سفر فرأينا حيّة متشحّطة في دمها مقتولة، فأخذها رجل منّا، فواريناها، فلمّا ولّوا جاءهم ناس، فقالوا: إنّكم دفنتم عمراً، فقالوا ومَنْ عمر؟ قالوا: الحيّة التي دفنتم في مكان كذا وكذا. أمّا إنّه كان من النفر الّذين استمعوا القرآن من النبي (عليه السلام) وكان بين حيّتين من الجنّ من المسلمين وغيرهم، فزال، فقتل.
أخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عمر بن الخطّاب، حدّثنا عبدالله بن الفضل، حدّثنا سهل بن حمزة، حدّثنا عبد الله بن صالح، حدّثني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الحشي إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"الجنّ على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلّون ويظعنون" .
فلمّا حضروه، قالوا: قال: بعضهم لبعض أنصتوا، فأنصتوا واستمعوا القرآن، حتّى كاد يقع بعضهم على بعض من شدّة حرصهم، نظيرما في سورة الجنّ.
{فَلَمَّا قُضِيَ} فرغ من تلاوة القرآن واستماع الجان. وقرأ لاحق بن حميد (قَضَى) بفتح (القاف) و(الضاد)، يعني النبيّ صلى الله عليه وسلم . {وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} مخوّفين داعين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ} يعني محمّد صلى الله عليه وسلم {وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} قال ابن عبّاس: فاستجاب لهم من فوقهم نحو من سبعين رجلاً من الجنّ فرجعوا إلى رسول الله فوافقوه بالبطحاء. فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم. واختلف العلماء في حكم مؤمني الجنّ، فقال قوم: ليس لمؤمني الجنّ ثواب إلاّ نجاتهم من النار، وتأوّلوا قوله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة.
أخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الحسن بن نجيويه، حدّثنا عمرو بن ثور، وإبراهيم بن أبي سفيان، قالا: حدّثنا محمّد بن يوسف الفرباني، حدّثنا سفيان، عن ليث، قال: الجنّ ثوابهم أن يجاروا من النار، ثمّ يقال لهم: كونوا تراباً مثل البهائم.
وقال آخرون: إن كان عليهم العقاب في الإساءة وجب أن يكون لهم الثواب في الإحسان مثل الإنس. وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى.
أخبرنا أبو عبد الله الثقفي الدينوري، حدّثنا أبو علي بن حبش المقري، حدّثنا محمّد بن عمران، حدّثنا ابن المقري وأبو عبيد الله. قالا: حدّثنا العبدي، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحّاك، قال: الجنّ يدخلون الجنّة ويأكلون ويشربون.
{وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءُ أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.