خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
٨٧
يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ
٨٨
إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
٨٩
-الشعراء

التفسير الكبير

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}؛ أي لا تَفْضَحْنِي ولا تُهْتِكْ سَتْرِي يومَ القيامةِ، يوم تبعثُ الخلقَ. وَقِيْلَ: معناهُ: ولا تعذِّبْني يومَ تبعثُ الخلائقَ، وإنَّما قال ذلكَ مع علمهِ أنه لا يخزيهِ، إمَّا على طريق التَّعَبُّدِ وإنا حَثّاً لغيرهِ على أن يقتدي بهِ في مِثْلِ هذا الدُّعاء.
ثُم فَسَّرَ ذلكَ اليوم؛ فقال: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ}؛ أي لا ينفعُ ذا المالِ مالهُ الذي كان في الدُّنيا، ولا ينفعهُ بَنُوهُ ولا يواسُونَهُ بشيءٍ مِن طاعتِهم، ولا يحملونَ شيئاً من معاصيهِ، وقولهُ تعالى: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}؛ يعني من الشِّرْكِ والنفاقِ، فإنه ينفعهُ سلامةُ قلبهِ. وَقِيْلَ: القلبُ السَّليمُ هو الصحيحُ وهو قلبُ المؤمنِ، وقلبُ الكافرِ المنافقِ مريضٌ.
وقال أهلُ الْمَعَانِي في تفسيرِ هذه الآياتِ أقوالاً غيرُ هذه، فقال بعضُهم: معنى
{ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } [الشعراء: 78] أي الذي خلَقَني في الدُّنيا على فطرتهِ فهو يهدينِ في الآخرة إلى جنَّتِهِ، وقولهُ تعالى { وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } [الشعراء: 79] أي يُطعِمُني أيَّ طعامٍ شاءَ، ويسقينِي أيَّ شرابٍ شاءَ.
قال محمَّدُ بن كثير: (صَحِبْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ بمَكَّةَ، فَكَانَ يَأْكُلُ مِنَ السَّبْتِ إلَى السَّبْتِ كَفّاً مِنَ الرَّمْلِ). وعن الحجَّاج بن عبدِالكريم قالَ: (خَرَجْتُ مِنْ بَلَخَ فِي طَلَب إبْرَاهِيْمَ بْنَ أدْهَمٍ فَوَجَدْتُهُ بحِمْصَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَبثْتُ مَعَهُ يَوْمِي ذلِكَ، فَقَالَ: لَعَلَّ نَفْسَكَ تُنَازِعُكَ إلَى شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَخَذ رَمَاداً وَتُرَاباً وَخَلَطَهُمَا وَأعْطَانِيَهُ فَأَكَلْتُهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ وَأنْشَأَ يَقُولُ:

اخْلِطِ التُّرَابَ بالرَّمَادِ وَكُلْهُ وَازْجُرِ النَّفْسَ عَنْ مَقَامِ السُّؤَالِ

وقال أبو بكرٍ الورَّاقُ: (مَعْنَى يُطْعِمُنِي بلاَ طَعَامٍ، وَيَسْقِينِي بلاَ َشَرَابٍ) يُشْبعُنِي رَبي وَيَرْوِيْنِي مِنْ غَيْرِ علاقة، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: "إنِّي أبيْتُ يُطْعِمُنِي رَبي وَيَسْقِينِي" . وقال عليُّ بن قادمٍ: (كَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي نُعَيْمٍ لاَ يَأْكُلُ فِي شَهْرٍ إلاَّ مَرَّةً! فَبَلَغَ ذلِكَ الْحَجَّاجَ، فَدَعَاهُ فَأَدْخَلَهُ بَيْتاً وَأغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، ثُمَّ فَتَحَهُ، وَلَمْ يَشُكَّ أنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَوَجَدَهُ قَائِماً يُصَلِّي، فَقَالَ: يَا فَاسِقُ أتُصَلِّي بغَيْرِ وُضُوءٍ؟! فَقَالَ: يَا حَجَّاجُ؛ إنَّمَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ مَنْ يُخْرِجُ وَيَشْرَبُ، فَأَنَا عَلَى الطَّهَارَةِ الَّتِي أدْخَلْتَنِي عَلَيْهَا هَذا الْبَيْتَ)، وقال ذُو النُّونُ: (مَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } [الشعراء: 79] أيْ يُطْعِمُنِي طَعَامَ الْمَعْرِفَةِ، وَيَسْقِيْنِي شَرَابَ الْمَحَبَّةِ. ثُمَّ أنْشَأَ يَقُولُ:

شَرَابُ الْمَحَبَّةِ خَيْرُ شَرَاب وَكُلُّ شَرَابٍ سِوَاهُ سَرَابُ

وقال أبو يزيدٍ البُسطَامِيُّ: (إنَّ للهِ شَرَاباً يُقَالُ لَهُ شَرَابَ الْمَحَبَّةِ، إدَّخَرَهُ لأَفَاضِلِ عِبَادِهِ، فَإذا وَصَلُواْ اتَّصَلُواْ، فَهُمْ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِرٍ). وقال الْجُنَيْدُ: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً إلاَّ مَنْ لَبسَ لِبَاسَ التَّقَوَى، وَجِيَاعاً إلاَّ مَنْ أكَلَ طَعَامَ الْمَعْرِفَةِ، وَعَطَاشَى إلاَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابَ الْمَحَبَّةِ), وقولهُ تعالى { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [الشعراء: 80] قال جعفرُ الصَّادِقُ: (إنِّي إذا مَرِضْتُ بالذُنُوب فَهُوَ يَشْفِيْنِي بالتَّوْبَةِ). وقال بسطامُ بن عبدِالله: (إذا أمْرَضَتْنِي مُقَاسَاةُ الْخَلْقِ شَفَانِي بذِكْرِهِ وَالأُنْسِ بهِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى:
{ وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } [الشعراء: 81]، قال أهلُ المعرفةِ: يُمِيتُنِي بالعدلِ ويُحييني بالفضلِ، يُمِيتُني بالمعصيةِ ويُحييني بالطاعةِ، يُمِيتُني بالفراقِ ويُحييني بالتَّلاقِ، يُمِيتُني بالجهلِ ويُحييني بالعقلِ، يُمِيتُني بالخذلانِ ويُحييني بالتوفيقِ.