خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٧
-القصص

التفسير الكبير

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ}؛ لَم يُرِدْ بالوحي وحيَ الرِّسالة، وإنَّما أراد الإلْهَامَ كما في قولهِ تعالى { وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ } [النحل: 68]. ويقالُ: أرَاهَا اللهُ في المنامِ فعرفته بتفسير الرُّؤيا. وقال بعضُهم: أتاها ملائكةٌ خاطَبُوها بهذا الكلامِ. واسمُ أُمِّ موسى نُوخَابدُ بنتُ لاَوي بنِ يعقوبَ.
قال وهبُ بن منبه: (لَمَّا حملَتْ أُمُّ موسَى بموسَى كتَمَتْ أمرَها عن جميعِ النَّاسِ فلم يطَّلِعْ على حَملِها أحدٌ مِن خلقِ الله تعالى، فلما كانت السَّنةُ التي ولِدَ فيها موسَى بَعَثَ فرعون القوابلَ يُفَتِّشْنَ النساء، وحَمَلتْ أمُّ موسى ولَم يَنْتَأْ بطنُها، ولَم يتغيَّر لونُها، ولَم يظهر لبَنُها، وكانت القوابلُ لا تتعرضُ لَها، فلما كانت الليلةُ التي وُلِدَ فيها ولدَتْهُ أُمُّهُ ولا رقيبَ عليها ولا قابلةَ، لَم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ إلاّ أختهُ).
ثُم أوحَى اللهُ إليها: أنْ أرْضِعِيْهِ، {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ}؛ قال: فكتمَتْهُ ثلاثةَ أشهُرٍ ترضعهُ في حِجرِها لا يبكِي ولا يتحرك، فلما خافَتْ عليه عمِلَتْ له تَابُوتاً مطبقاً ومهدت له فيه، ثم ألقتْهُ في البحرِ ليلاً كما أمرَها اللهُ، فلما أصبحَ فرعونُ جلسَ في مجلسهِ على شاطئِ النِّيلِ، فبَصُرَ بالتابوتِ، فقالَ لِمن حولَهُ: ائْتُونِي بهذا التابوتِ، فأتَوا به، فلما وُضِعَ بين يديه فتحوهُ، فوجدوا فيه موسَى، فلما نَظَرَ إليه فرعونُ إغتاظَ وقالَ: كيف أخطأَ هذا الغلامَ الذبحُ؟!
وكان لفرعونَ امرأةٌ يقال لَها آسيَةُ مِن خِيَار النِّساءِ من بنات الأنبياءِ، وكانت أُمّاً للمسلمينَ ترحَمُهم وتتصدَّقُ عليهم، فقالت لفرعونَ وهي قاعدةٌ إلى جَنبهِ: هذا الولدُ أكبرُ من ولد سنةٍ وأنتَ إنَّما أمَرتَ أن تذبحَ الولْدَانَ بهذه السَّنةِ، فدَعْهُ يكون قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ، لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنَا أوْ نَتَّخِذهُ وَلَداً، فقال فرعونُ لَها: عسَى أن ينفعَكِ، فأما أنَا فلا أريدُ نفعَهُ.
قال وهبُ: (لو قالَ فرعون كما قالَتِ امرأتهُ: عَسَى أنْ يَنْفَعَنَا؛ لنفعَهُ اللهُ به، ولكنه أبَى أن يقولَ للشَّقاءِ الذي كتبَهُ الله عليهِ، فتركَهُ فرعونُ ولَمْ يَقتُلْهُ)
قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنْ أَرْضِعِيهِ} أي أرْضِعِيهِ ما لَم تَخَافِي عليه الطلبَ، فإذا خِفْتِ عليه الطلبَ {فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ} أي في البحرِ، فقالت: يَا رَب، إنِّي أخافُ عليه حِيتَانَ البحرِ، فَأُمِرَتْ أنْ تجعلَهُ في تابوتٍ مُقَيَّرٍ، فذهبت إلى النَّجَّارِ، فَأَمرَتْهُ أن يصنعَ لَها تابوتاً على قدرهِ، فعرفَ ذلك فذهبَ إلى الْمُوَكَّلِيْنَ بذبحِ بني إسرائيل لِيُخبرَهم بذلك، فلما انتهَى إليهم أُعْقِلُ لسانهُ فلم يُطِقِ الكلامَ، فجعلَ يشيرُ بيدهِ فلم يفهَمُوا، فقال كبيرُهم: اضْرِبُوهُ؛ فضربوهُ وأخرَجوهُ، فلما انتهَى النجَّارُ إلى موضعهِ رَدَّ اللهُ عليه لسانَهُ، فرجعَ إليهم ليخبرَهم فاعتقَلَ لسانهُ، فجعلَ يشيرُ إليهم بيدهِ، فلم يَفْهَمُوهُ فضربوهُ، ففعلَ ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، فعرفَ أنه من عندِ الله تعالى، فَخَرَّ للهِ ساجداً وأسلَمَ، ثُم صَنَعَ التابوتَ وسَلَّمَهُ إلى أُمِّ موسى فوضعتْهُ فيه وألْقَتْهُ في النِّيلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ}؛ أي لاَ تَخافِي من الغرقِ والْهَلاَكِ، ولا تَحزَنِي لفراقهِ، {إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}؛ إلى فرعونَ وقومهِ.