خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ
١٥٤
-آل عمران

التفسير الكبير

قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً}؛ الآيةُ؛ وذلك أنَّهُ لَمَّا افْتَرَقَ الْفَرِيْقَانِ؛ "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيّاً رضي الله عنه فِي إثْرِ الْمُشْرِكِيْنَ وَقَالَ لَهُ: انْظُرْ؛ فَإنْ هُمْ جَنَبُواْ الْخَيْلَ وَرَكِبُواْ الإبلَ فَهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإنْ رَكِبُواْ الْخَيْلَ وَسَاقُواْ الإبلِ فَهُمْ يُرِيْدُونَ الْمَدِيْنَةَ. فَخَرَجَ عَلِيٌّ فِي إثْرِهِمْ فََإذا هُمْ رَكِبُواْ الإبلَ وَقَادُواْ الْخَيْلَ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: سَمِعْتُهُمْ يَقُولونَ إنَّا قَدِ اْجتَمَعْنَا لِنُحَاربَ ثَانِياً، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: كَذبُواْ؛ فَإنَّهُمْ أرَادُوا الإنْصِرَافَ إلى مَكَّةَ" فَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمِنَ الْمُسْلِمُونَ، وأَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ؛ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أحَدٌ إلاَّ وَقَدْ ضَرَبَ ذقْنَهُ صَدْرَهُ؛ إلاَّ مُعَتَّبَ بْنَ قُشَيْرٍ وَأصْحَابَهُ الَّذِيْنَ كَانُواْ يَشُكُّونَ فِي أمْرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لَمَّا عَلِمَ اللهُ مِنْ بَاطِنِهِمْ خِلاَفَ مَا عَلِمَ مِنْ بَاطِنِ الْمُؤْمِنِيْنَ مَنَعَهُمْ مَا أَعْطَى الْمُؤْمِنِينَ؛ فَتَرَدَّدُواْ فِي الْخَوْفِ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَسُوءِ الظَّنِّ برَبهِمْ؛ يَئِسُواْ مِنْ نَصْرِهِ وَشَكُّوا فِي صَادِقِ وَعْدِهِ وَصَادِقِ عَهْدِهِ.
ومعنى الآية: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ} الذي كنتُم فيه أمْناً. قوله: {نُّعَاساً} بدلٌ مِن {أَمَنَةً} أي أمَّنَكُمْ أمَناً تَنَامُونَ معهُ؛ لأنَّ الْخَائِفَ لا ينامُ، ومِن هنا قالَ ابنُ مسعود رضي الله عنه: (النُّعَاسُ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَفِي الْقِتَالِ مِنَ الرَّحْمَنِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ}؛ قرأ الأعمشُ وحمزة والكسائيُّ وخلفُ: (تَغْشَى) بالتاء؛ ردُّوه إلى الأمَنَةِ، وقرأ الباقونَ بالياءِ؛ ردُّوه إلى النُّعاسِ؛ لأن النعاسَ يلي الفعلَ، فالتذكيرُ أوفَى منهُ مِمَّا بَعُدَ منهُ، وهذا قَوْلُهُ تَعَالَى:
{ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ } [القيامة: 37] بالياء والتَّاء، والمراد بالطائفةِ التي غَشِيَهُمُ النُّعاسُ أهلُ الصدقِ واليقين. قال أبو طَلْحَةَ رضي الله عنه: (رَفَعْتُ رَأَسِي يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَجَعَلْتُ مَا أرَى أحَداً مِنَ النَّاسِ إلاَّ وَهُوَ يَمِيلُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ) قالَ أبو طلحةَ: (كُنْتُ مِمَّنْ أنْزَلَ اللهُ عَلِيْهِ النُّعَاسَ يَوْمَئِذٍ؛ وَكَانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مَنْ يَدِي ثُمَّ آخُذُهُ؛ ثُمَّ يَسْقُطُ مَنْ يَدِي ثُمَّ آخُذُهُ).
والمرادُ بقولهِ تعالى: {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}؛ المنافقونَ: مُعَتِّبُ ابْنُ قُشَيْرٍ وأصحابُه أمَرَتْهُمْ أنفسُهم وحملتْهُم على الغمِّ، يقالُ لكلِّ مَن خَافَ وَحَزُنَ فِي غيرِ موضعِ الْحُزْنِ والخوفِ: أهَمَّتْهُ نَفْسُهُ.
قَوْلُهُ: {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ}؛ يعني هذه الطائفةَ التي قد أهَمَّتْهُمْ أنفسُهم؛ يَظُنُّونَ باللهِ أنْ لا ينصرَ مُحَمَّداً وأصحابَه، وقيل: ظَنُّوا أنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم قد قُتِلَ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: {ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ} أي كَظَنِّ أهلِ الجاهليَّةِ والشِّركِ، وقيل: كَظَنِّهِمْ في الجاهليَّة، {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ}؛ أي مَا لَنَا مِن الأمرِ من شيءٍ، لفظةُ استفهامٍ ومعناها: الْجَحْدُ؛ يعنون النَّصْرَ. وقيل: معناهُ: هل نَطْمَعُ أن يكونَ لنا شيءٌ من الظَّفَرِ والدولةِ. وقيل: معناهُ: لو كانَ الأمرُ إلينا ما خرجنَا، ولكن أخْرِجْنَا إلى القتالِ مُكْرَهِيْنَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ}، لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: {إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ}، إن النَّصرَ والظَّفَرَ والدولةَ كلُّ ذلك للهِ عَزَّ وَجَلَّ.
مَنْ نصبَ (كُلَّهُ) جعلَهُ توكيداً للأمرِ، ومن رَفَعَهُ جعلهُ خبر (إنَّ). قرأ أبو عمرٍو ويعقوبُ (كُلُّهُ) بالرفعِ على الإبتداء؛ وخبرُه (للهِ)، وهذا المبتدأ وخبره خبرٌ لـ (إنَّ). وقرأ الباقون بالنَّصب.
وروى الضحَّاك عن ابن عبَّاس في قولهِ {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ}: (يَعْنِي التَّكْذِيْبَ بالْقَدَر) لأنَّهم تكلَّموا بالقدر فقالَ اللهُ تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} يعني القدَرَ خيرَه وشرَّه من اللهِ؛ وهو قولُهم: (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا).
وذلك أنَّ المنافقينَ قال بعضُهم لبعضٍ: لو كان لنا عقولٌ ما خرجنا مع مُحَمَّدٍ لقتالِ أهل مكَّة؛ ولم يُقْتَلْ رؤسَاؤُنا، فقال اللهُ: (قُلْ) لهم: {لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ} أي لَخَرَجَ الذينَ قُضِيَ عليهم القتلُ {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} إلى مصارعِهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ}؛ أي المنافقون يُسِرُّونَ ويضمِرونَ في قلوبِهم ما لا يظهرون لكَ بألسِنَتِهم؛ {يَقُولُونَ}؛ سِرّاً: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ}، من النَّصْرِ والدولة، {شَيْءٌ}، وكان دينُ مُحَمَّدٍ حقّاً، {مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا}، ما قُتِلَ أصحابُنا هنا في اتِّباعِهِ. وقيل: معناهُ: لو لم يُخْرِجْنَا رؤساؤُنا إلى الحربِ {مَا قُتِلْنَا}.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ}؛ أي قُلْ للمنافقين: لو تخلَّفتم أنتُم في بيوتِكم، {لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ}؛ لَخَرَجَ الذينَ كُتِبَ عليهم القَتْلُ إلى مصارعِهم ومواضِعِ قَتْلِهِمْ لا محالةَ لنفوذِ قضاءِ الله. ويقالُ: معناهُ: لو كنتُم في بيوتِكُم لَمَا أخطأَكُم ما كُتِبَ عليكُم. وقيل: معناهُ: لو كنتُم أيُّها المنافقين في بيوتِكم لَبَرَزَ الذينَ فُرِضَ عليهم القتالُ وهم المؤمنونَ المخلصونَ إلى مواضعِ القتالِ صابرينَ محتسبين. قرأ أبو عَبْلَةَ: لَبُرَّزَ بضمِّ الباء وتشديدِ الراءِ. قرأ قتادةُ: (الْقِتَالُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}؛ أي وَلِيَخْتَبرَ اللهُ ويُظْهِرَ ما في قلوبكم بأعمالكم؛ لأنهُ عَلِمَهُ غيباً فيعلمُه مشاهدةً. ومعنى {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي يُبَيِّنَ ما في قلوبكم، فيُذَهبَ نفاقَ من شاءَ منكم، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}؛ أي بما في القلوبِ من خيرٍ وشرِّ.