خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ
١٢
وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ
١٣
لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ
١٤
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ
١٥
-الرعد

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً}.
أي: مخوفاً ومطمعاً أو ما تخافون وتطمعون.
وقال أهل التأويل: خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم.
وقيل: خوفاً لأهل البنيان؛ وطمعاً لأهل الأنزال.
وعندنا يطمعون ويخافون قوم واحد؛ يطمعون نفعه في وقت المنفعة، ويخافون ضرره في غير وقت النفع، أو يطمعون نفعه ويخافون ضرره، أو يطمعون مضيه؛ ويخافون نزوله والضرر به في غير وقت النفع؛ ونحوه.
ويحتمل وجهاً آخر في قوله: {يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} أي: يريكم خوفاً موعوداً وطمعاً موعوداً؛ لأن البرق نور ونار، فالنور يطمع النور الموعود في الجنة، والنار تخوف النار الموعودة في الآخرة؛ لأن فيها ناراً؛ ألا ترى أنه إذا اشتد خيف على من أصابه.
وقوله - عز وجل -: {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}.
[قيل: أي: يرفع السحاب الثقال الذي فيه المطر والماء. قال أبو عوسجة: {وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ}] يقال: نشأت السماء؛ إذا ارتفع الغيم فيها، ويسمّى الغيم نشأ، وقوله إنشاء؛ أي: أخذ فيه، ويقال: أنشأ الله الخلق أي: خلقهم، نشأ: ارتفع، وأنشأ: رفع، وهو من هذا. والله أعلم.
{وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ}.
اختلف في الرعد والبرق: قال بعضهم: هو اسم ملك من الملائكة موكل بالسحاب؛ صوته تسبيحه.
وعلى ذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال:
"أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: يا أبا القاسم: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب؛ معه مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله؛ فقالوا: ما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: زجرة السحاب إذا زجره؛ حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت" . فإن ثبت هذا؛ فهو هو.
وعن علي - رضي الله عنه -
"أنه سئل عن [البرق والرعد]؟ فقال: الرعد: الملك، والبرق: ضربة السحاب بمخراق من حديد" .
وقيل: الرعد: ملك على ما ذكرنا، يزجر السحاب بالتسبيح ويسوقه؛ فإذا شذت سحابة ضمها، وإذا اشتد غضبه صار من فيه النار؛ فهي الصواعق.
وقيل: هي الريح تسوق السحاب؛ فإذا تراكمت السحاب؛ فلم تجد منفذاً صوتت؛ فذلك صوتها.
وقال بعض الفلاسفة: الرعد اصطكاك الأجرام؛ فيحدث هذا الصوت؛ بمنزلة الحجر يحك الحجر. وقال بعضهم من الفلاسفة: إنما هي ريح تختنق تحت السحاب فتصدعه فذلك الصوت منه.
وأي: شيء كان الرعد: الملك، أو الريح، أو ما كان فالتسبيح يحتمل من كل شيء؛ على ما أخبر الله - عز وجل - التسبيح من كل شيء؛ حيث قال:
{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } [الإسراء: 44] فيحتمل تسبيح الخلقة؛ جعل في خلقه كل شيء حصانة وبراءة [منشئه من] كل ما وصفه الملحدون، ودلالة ألوهيته وربوبيته.
ويحتمل تسبيحه: قول جعل في سرية كل شيء تسبيحه وتنزيهه ما لا يفهمه الخلق.
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق صوته الذي يزجي به السحاب. قيل: أمثال هذا كثير، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة؛ سوى أنه هول هائل يهول الخلق، ويذكرهم سلطانه وعظمته، ولولا أنهم اعتادوا ذلك؛ وإلا لم تقم أنفسهم لسماع ذلك.
وقوله: {وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} أي: يذكرهم سلطانه وعظمته يكون ذلك تسبيحه، وما ذكروا من سلطانه وعظمته، {وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} أي: تسبيح الملائكة من خوفه، الرعد يسبح ويذكر الخلق عظمة الله وسلطانه، فذلك الثناء عليه والملائكة يسبحونه فيما بينهم وبين ربهم، فلم [يذكر فيهم] التسبيح؛ بحمده، وذكر في الرعد والملائكة من خيفته، أي: من خوفه، ثم الخوف يخرج على وجهين:
أحدهما: خوفاً من عقوبته؛ لأنه قد جاء فيهم الوعيد إذا زلوا كقوله:
{ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ... } [الأنبياء: 29] الآية.
والثاني: [خوف] رهبة وهيبة لا خوف عقوبة؛ لأن الله تعالى وصفهم بالطاعة له والاستسلام، كقوله:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6] وقوله: { وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ... } الآية [الأنبياء: 19] ونحو ذلك.
ثم خوف الهيبة لا يزول في الآخرة، وخوف العقوبة يزول.
وقوله - عز وجل -: {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ} قيل: الصعقة: الصيحة التي فيها موت البعض، ويذهب عقل البعض، كقوله:
{ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ } [الزمر: 68] وقيل: هي اسم العذاب وقد ذكرنا فيما تقدم ذكره في بعض الأخبار "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن شيء من أمر الرب فجاءت صاعقة فأحرقته فنزل {وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ}" .
وقوله - عز وجل -: {وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ} أي: في توحيد الله؛ لأن أهل الكفر كلهم كانت مجادلتهم في توحيد الله وألوهيته وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} قال بعضهم: شديد الانتقام والعقوبة وقيل: شديد القوة وقيل: شديد الأخذ.
وقال القتبي: {وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ} من الكيد والمكر، وأصل المحال الحيلة، لكن سمي باسم الأول؛ لأنه جزاء الحيلة، فيكون كتسمية جزاء السيئة سيئة وجزاء الاعتداء اعتداء، والمكر هو ما ذكرنا أنه الأخذ من حيث الأمن، من حيث لا يشعرون به.
وقال أبو عوسجة: المحال عندي من المكر.
وقال أبو عوسجة: المعقبات الحفظة الذين يحفظونه بأمر الله، ويقال عقبته أي: حفظته، وأما قوله
{ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } [الرعد: 41] أي: لا رادّ لحكمه قال ويقال في غير هذا أعقب فلان فلاناً، أي: ذهب هو وجاء هو، ويقال: عقبت أي: رجعت، ومأخذهما من العقب، ويقال: رجع على عقبيه، أي: من حيث جاء.
وقال القتبي: معقبات: ملائكة يعقب بعضها بعضا في الليل والنهار إذا مضى فريق خلف بعده فريق آخر يحفظونه من أمر الله، أي: بأمر الله.
وقوله:
{ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } [الرعد: 11] أي: ولي، مثل قادر وقدير، وحافظ وحفيظ وذلك جائز في اللغة.
وقوله - عز وجل -: {لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ} يحتمل وجهين:
يحتمل: أي: له عبادة الحق، وليس لمن دونه عبادة الحق، أي: هو المستحق للعبادة ليس ممن يعبد دونه بالذي يستحق العبادة وعبادة الحق [له] ليس لمن دونه.
والثاني: له دعوة الحق؛ أي: له إجابة دعوة الحق ليس يملك من دونه إجابة من دعا بالحق.
فعلى التأويل الأول الدعوة: العبادة، وعلى الثاني الدعوة: الإجابة، أي: له إجابة دعوة من دعا بالحق والله أعلم هو يملك إجابة دعوة الخلق، فأما من عبد دونه ودعي دونه لا يملك ذلك، يدل على ذلك قوله: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} أي: والذين يدعون من دونه لا يملكون الإجابة، أو لا يملكون ما يأملون من عبادتهم الأصنام فيكون مثله ما ذكر {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} وهو ضرب مثل من يدعو من دون الله كباسط كفيه إلى الماء هو - والله أعلم - ليس من يدعو من دون الله إلا كباسط كفيه إلى الماء فيدعو الماء، فكما لا يجيبه الماء وإن دعاه فعلى ذلك من يدعو الأصنام لا يملكون إجابته، والله أعلم بذلك، أو أن يكون وجه ضرب هذا المثل أن من عبد دون الله أو دعا من دونه ليس إلا كباسط كفيه إلى الماء وهو على بعد من الماء، فكما لا يصل هو إلى الماء، لا يصل من عبد دون الله إلى ما يأمل ويطمع، أو يحتمل من وجه آخر، وهو أن الماء يغترف إذا قبض الكف، ولا سبيل إلى الاغتراف إذا بسطت، فعلى ذلك من عبد دون الله.
وقوله - عز وجل -:{وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} أي: دعاؤهم وعبادتهم لا يعقب لهم إلا الخسار في الآخرة حاصله: يضل ذلك كله عنهم لا يصلون إلى ما يأملون بالدعاء والعبادة، كقوله:
{ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [الأنعام: 24].
وقوله - عز وجل -: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} يحتمل قوله: {يَسْجُدُ} على حقيقة السجود يسجد له المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فإنه يسجد له بالاختيار والطوع.
ويحتمل ما ذكر من السجود وجوهاً:
أحدها: حقيقة السجود فإن كان هذا فهو في الممتحنين خاصة.
والثاني: سجود الخلقة فإن كان على هذا فهو في جميع الخلائق جعل الله في خلقة كل شيء دلالة وحدانيته وآية ألوهيته وربوبيته.
والثالث: سجود الأحوال، فهو في المؤمن والكافر جميعاً أما المؤمن فهو يسجد له في كل حال وأما الكافر فإنه يسجد له ويخضع في حال الشدة والضيق ولا يسجد له في حال السعة والرخاء ويشبه أن يكون الكافر يكون سجوده لله اختيارا وطوعا حيث قالوا:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3] وقولهم: { هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18] إنهم؛ وإن عبدوا الأصنام؛ فيرون السجود والعبادة لله، لكنه لم يقبل ذلك منهم؛ لإشراكهم غيره في ذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}.
أي: يسجد ظلالهم بالغدو والآصال، ينتقل ظل كل أحد بانتقال نفسه؛ ينتقل حيث تنتقل نفسه؛ فذكر الغدو والآصال؛ لأنه بالغدو والعشي يظهر الظل.
ويحتمل السجود: أنه يسجد له؛ أي: يخضع له من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً؛ فإن كان على الخضوع؛ فهو في الخلائق كلهم؛ في البشر وغير البشر؛ وذي الروح وغير ذي الروح.
{وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي: ظلالهم تخضع له أيضاً بالغدو والآصال.
ويحتمل: أن يكون المراد من السجود سجود الخلقة: فيسجد له خلقة كل أحد. فإن قيل: ما معنى الغدوّ والآصال؟ قيل: يحتمل: أبداً دائماً: ليس على مراد الوقت؛ ولكن على الأوقات كلها.