خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ
١٦
وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ
١٧
إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ
١٨
وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ
١٩
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ
٢٠
وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ
٢١
وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ
٢٢
وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ
٢٣
وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ
٢٤
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
٢٥
-الحجر

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً} قيل: نجوماً، ويحتمل البروج: المنازل التي ينزل فيها الشمس والقمر والنجوم، جعل لكل واحد من ذلك منزلا، ينزل في كل ليلة في منزل على حدة. ويحتمل ما ذكر من البروج: هي مطالع [ما ذكر] من الشمس والقمر والنجوم.
وقوله - عز وجل -: {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [يعني السماء للناظرين].
وفي قوله: {وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} دلالة نقض قول من ينهي عن النظر إلى السماء من القراء؛ لأنه أخبر أنه زينها للناظرين، ولا يحتمل أن يزينها [للناظرين] ثم ينهي عن النظر إليها، دل أنه لا بأس [للناظرين]، وقال في آية أخرى:
{ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا... } الآية [الأنعام: 97] وقال في موضع آخر: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ } [الملك: 5] وجعل الله في الشمس والقمر والنجوم منافع: يهتدون بها الطرق في ظلمات الليل، وجعلها مصابيح في الظلمات، وأخبر أنه زينها للناظرين؛ لأن ما يقبح في العين من المنظر لا يتفكر الناظر فيه ولا ينظر إليه؛ فزينها لهم؛ ليحملهم ذلك على التفكر فيه، والنظر إليها؛ ليعلموا أنه تدبير واحد؛ حيث جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض؛ مع بعد ما بينهما، وجعل أشياء هي في الظاهر أشباهاً؛ وهي في الحقيقة كالأضداد لها، ومنها ما هي في الظاهر أضداد، وهي كالأشكال؛ نحو النور والظلمة: هي في الظاهر أضداد، صارت كالأشكال؛ حيث تضيء النجوم في ظلمات الليل؛ حتى ينتفع بذلك أهل الأرض، وهما في الظاهر أضداد، فصارت بما يظهر من منافعها كالأشكال، وجعل لا ينتفع بضوء النجوم مع نور القمر، ولا ينتفع بنور القمر مع ضوء الشمس، وهن أشكال؛ فصارت بما يذهب كل واحد [منهما] بسلطان الآخر؛ كالأضداد ليعلم أنه تدبير واحد؛ حيث صارت الأضداد كالأشكال، والأشكال كالأضداد في حق المنفعة.
وقوله - عز وجل -: {وَحَفِظْنَاهَا} يعني: السماء، {مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} ذكر أن الشياطين كانوا يصعدون السماء فيستمعون من أخبار السماء من الملائكة، مما يكون في الأرض؛ من غيث وغيره، ثم زادوا فيها ما شاءوا فيلقون ذلك إلى الكهنة؛ فيخبر الكهنة الناس، فيقولون: ألم نخبركم [بالمطر] في يوم كذا وكذا، وكان حقّا، ثم منعوا عن ذلك - عن صعودهم - أعني السماء، وحفظوا عنهم، فجعلوا يسترقون السمع، فسلط الله الشهب عليهم، حتى يقذفون؛ وهو كقوله:
{ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً } [الصافات: 8-9] وقوله: { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } [الصافات: 10].
ويحتمل {وَحَفِظْنَاهَا}: أي: أهلها من الشيطان الرجيم لما ذكرنا من ذكر أشياء من القرية والمصر والعير، وغيره، والمراد منه: أهله، فعلى ذلك هذا، إلا أن أهل السماء بأجمعهم أهل ولاية الله؛ وأهل طاعته، وأما أهل الأرض: ففيهم من الغاوين الضالين، فهم أولياء الشيطان؛ كقوله:
{ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ... } الآية [النحل: 100].
ويحتمل حفظ السماء نفسها: بالملائكة، وهو ما ذكر: {وَيُقْذَفُونَ...} الآية. ويحتمل: بالشهب؛ التي في غير آي من القرآن.
وقال بعضهم: {رَّجِيمٍ}: اللعين، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود: (من كل شيطان لعين) واللعين: - في اللغة -: فهو المطرود المبعد، وهو على ما ذكر {دُحُوراً}.
وقوله - عز وجل -:
{ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } [ق: 7] وقال في آية أخرى: { وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ } [الأنبياء: 31] يعني الجبال، في ظاهر هذا أن الأرض كأنها تضطرب وتنكفئ بأهلها، فأثبتها بالجبال، وإلا من طبعها التسفل والانحدار، وكذلك الجبال من طبعها التسفل والانحدار، فكيف كان ثباتها بشيء [كان] طبعه التسفل والتسرب؟ إلا أن يقال: إن طبعها كان الاضطراب والانكفاء فأثبتها بالجبال عن الاضطراب والانكفاء؛ أو أن يقال: من طبعها ما ذكرنا: التسفل والانحدار؛ إلا أن الله - بلطفه - أثبت ما هو طبعه التسفل، بما هو طبعه كذلك؛ ليعلم لطف الله وقدرته، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}.
قال بعضهم: {فِيهَا}: يعني في الجبال، {مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}: يعني: ما يوزن من نحو: الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، ونحوه مما يستخرج منها، وهذا كأنه ليس بصحيح؛ لأنه لا يقال في الذهب، والفضة والحديد: إنه أنبت في الأرض؛ كما يقال ذلك لنبات وما ينبت فيها، وإنما يقال للذهب، والفضة، والحديد: جعلنا فيها، أو خلقنا فيها.
وقال بعضهم: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا}: يعني: في الأرض؛ من كل ألوان النبات، {مَّوْزُونٍ}: أي: معلوم مقدر بقدر؛ كقوله: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.
ويحتمل: وأنبتنا فيها ما يصير موزوناً في الآخرة من الزروع وغيرها من الحبوب، أو ما ذكرنا؛ أي: معلوم مقدر، والله أعلم، ليس على الجزاف؛ على ما يكون من فعل جاهل على غير تدبير ولا تقدير.
ويحتمل قوله: {مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ}: ما لو اجتمع الخلائق - لم يعرفوا قدر ما يزداد وينمو من النبات؛ في لحظة واحدة؛ وطرفة عين، في أول ما يخرج ويبدو من الأرض، وذلك موزون عنده؛ معلوم قدره، ليعلم لطفه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وأنه تدبير واحد؛ حيث لم يختلف ذلك؛ ولم يتفاوت. والله أعلم.
قال أبو عوسجة: {فَظَلُّواْ فِيهِ}: أي: صاروا يومهم {يَعْرُجُونَ}: يرتفعون ويصعدون.
وقال غيره: ظلوا: أي: ما لوا، كقوله:
{ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ } [الشعراء: 4] أي: مالت، وقال: قوله: {سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا}: أي: حيرت؛ يقال: تسكر بصره: إذا تحير، وقال: يقال أيضاً تحيرت، يقال: سكر الله بصره: أي: حيره، وسكرت الريح تسكر سكراً: إذا سكنت، ويقال: ليل ساكر، أي: ساكن، وسكرت الماء أسكره سكراً: أي: حبسته، والسكر: السدّ، والسكور جمع، والسكر: مصدر سكر يسكر سكراً؛ فهو سكران، وقوم سكرى وسكارى، والسكرة: الغمرة، والغمرة: الشدة، وقال - عز وجل -: { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ } [سورة ق: 19] أي: شدته.
وقال القتبي: سكرت: غشيت، ومنه يقال: سكر النهر: إذا سدّ، فالسكر اسم ما سكرت، وسكر الشراب منه؛ إنما هو الغطاء على العقل والعين.
وقال الحسن: سكرت - بالتخفيف -: سحرت. وقوله - عز وجل -: {بُرُوجاً}: قال: إثنا عشر برجاً، وأصل البرج الحصن والقصر وقوله: {وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ} يقول: حفظناها من أن يصل إليها شيطان أو يعلم من أمرها شيئاً إلا استراقاً، ثم يتبعه شهاب مبين: أي: كوكب مضيء.
وقال أبو عوسجة: {إِلاَّ مَنِ ٱسْتَرَقَ ٱلسَّمْعَ}: يقال: استرقت السمع: أي: تغفلت قوماً حتى سمعت حديثهم؛ وهم لا يعلمون، وهكذا لو علم الملائكة أن الشياطين يسترقون السمع، ويختطفون - لمنعوا من ذلك، وامتنعوا عن التكلم به؛ حتى لا يستمعون كلامهم، وحديثهم. و {شِهَابٌ}: كوكب، وقيل: الشهاب: خشبة في طرفها نار، والشهبان جماعة.
وقال بعضهم: {شِهَابٌ مُّبِينٌ} لرسول الله كان له خاصّةً لم يكن قبل والله أعلم.
وقوله: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} أي: في الأرض والجبال.

وقوله - عز وجل -: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}.
قال الحسن: أي: جعلنا [لكم] في الأرض معايش ما تتعيشون به، ولمن حولكم أيضاً، جعل فيها معايش، لا ترزقونه أنتم؛ إنما ذلك على الله، هو يرزقهم وإياكم.
وقال بعضهم: {وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ}: الوحوش والطير، وأما الأنعام: فإنه قد أشركهم البشر في المعايش، وكان غير هذا أقرب وأوفق: وهو أن أهل مكة كانوا يمنّون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقولون: نحن ربيناه، وغذيناه، وأنفقنا عليه، ورزقناه؛ ثم فعل بنا كذا، فخرج هذا جواباً لهم: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} أي: محمداً.
وقوله - عز وجل -: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ}.
يحتمل هذا - والله أعلم -: وإن من شيء يخزن في الخلق - إلا عندنا خزائنه؛ [أي]: إلا عندنا تلك الخزائن؛ أي: ما تخزنون من الأشياء، فتلك عندنا وفي خزائننا.
{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}.
على هذا {وَمَا نُنَزِّلُهُ}: أي: ما نعطيه {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}: أي: وإن كان عندكم مخزوناً محبوساً - فإن ذلك كله في خزائنه، أعطى من شاء، وحرم من شاء.
ويحتمل قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} والخزائن: هي الأمكنة الخفية التي تخزن فيها الأموال، وبواطن من الأرض، يقول - والله أعلم -: وإن من شيء كان في بواطن الأرض، وأمكنة خفية - إلا عندنا تدبير ذلك وعلمه، يخبر أن تدبيره وعلمه في الخفية من الأمكنة - كهو في الظاهر؛ لا يخرج شيء عن تدبيره وعلمه، بل كل ذلك في تدبيره وعلمه.
وقال الحسن: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ}: أي: الماء الذي جعل به حياة كل شيء، ولا يخرج شيء عن منافعه، فهو خزائن الأشياء كلها، وبه قوام كل شيء، وقال: ألا ترى أنه قال: {وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}، ذكر الإنزال: وهو الذي ينزل من السماء طاهراً. هذا الذي قاله محتمل، لكن تمامه أن يقال: إن الماء خزانة، والخزانة: هي الموضع الذي يخزن فيه، وفي الماء قوة ومعنى؛ يكون فيه حياة الخلق، ومنافعهم، فيما جعل فيه لا في نفس الماء، ألا ترى أنه يصيب عروق الشجر؛ فتظهر منافعه في غصونها؛ في أعلاها؛ فثبت أن فيه قوة سرية، ومعنى يكون المنافع بها لا بنفس الماء، والله أعلم بذلك.
ثم ما ذكر من الخزائن، والرياح، والماء، والمطر، وغير ذلك من النعم؛ يذكر على الاحتجاج عليهم؛ لأنه إنما أنشأ هذه الأشياء، وخلقها لهؤلاء، لا أنه أنشأها لنفسها، فإذا كان أنشأها لهم - فلا يحتمل أن يتركهم سدى؛ لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم ولا يجعل لهم عاقبة يثابون أو يعاقبون؛ ولذلك قال في آخره: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ}.
وقوله: {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} على التأويل الأول: ما ذكرنا، أي: ما نعطيه إلا بقدر معلوم؛ وإن خزنه وحبسه. ويحتمل: {إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} أي: بقدر سابق معلوم، ذلك إن كان على هذا - فإنه يدل على أن ما يكون ويحدث - إنما يكون لقدر سابق؛ لا يكون غير ما سبق تقديره.
أو {بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} محدود؛ أي: ليس ينزل جزافاً؛ ولكن معلوماً محدوداً. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}.
قال بعضهم: {لَوَاقِحَ}: حوامل.
وقال بعضهم: هذا لا يصح، لو كان على هذا - لكان ملاقح وملقحات.
وقال أبو عوسجة: {لَوَاقِحَ} تلقح الشجر: أي: تنبت ورقها وهي ملقحة، وقال: يقال: ناقة لاقح: أي: حامل قد حملت، ونوق لواقح، ويقال: حرب لاقح: أي: شديدة، وسحاب لاقح: الذي فيه ماء - أي: مطر - وريح لاقح: أي: ملقح تلقح الشجر؛ أي: تنبت ورقه وحمله، ويقال: ملقح، ويقال: ألقح الرجل إذا لقحت إبله؛ أي: حملت، ورجل ملقح، واللقوح: الناقة التي معها ولد صغير، والجمع: لقاح، وجمع الجمع: لقائح، واللقح: اللواقح؛ وهي الحوامل من الإبل.
قال القتبي: قال أبو عبيدة: {لَوَاقِحَ}: إنما هي ملاقح؛ جمع ملقحة، يريد أنها تلقح الشجر، وتلقح السحاب؛ كأنها تنتجه، واللواقح: المنتجة الثمار من الأشجار، والسحاب، وغيره. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}.
هو ما ذكرنا على التأويل في قوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ} {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}، وعلى تأويل الحسن: هو ما ذكر من الماء والمطر.
{وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}: أي: حابسين لما جرى به الذكر؛ من المطر والماء؛ الذي ذكر أنه أنزل من السماء. ويحتمل {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ} أي: لله {بِخَازِنِينَ}: أي: ليست خزائنه في أيديكم؛ ولا بيد أحد، ولكن بيد الله، عز وجل.
وعلى تأويل الآخر: {وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}: بمدبرين ما خزن في الأرض ودفن.
وقوله - عز وجل -: {وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ ٱلْوَارِثُونَ}.
أي: الباقون، يفنى الخلقُ كله؛ فيبقى هو، ولذلك سمي من خلف الميت وارثاً؛ لأنه يموت ويبقى الوارث؛ وهو باقٍ وكذلك يخرج قوله:
{ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } [مريم: 40] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ}.
قال بعضهم: ولقد علمنا المستقدمين من المكذبين منكم؛ ما حل بهم بالتكذيب، وقد علمنا المستأخرين من المكذبين منكم.
وقال بعضهم: ولقد علمنا من كان منهم ومات، وقد علمنا المستأخرين: من يكون منهم ويولد؛ ولذلك قال: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ}: من مضى ومن بقي لم يكن بعد؛ إلى يوم القيامة.
وقال الحسن: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ} في الخير {ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ} في الشّر.
وقال بعضهم: في القرن الأول والآخر، لكنه بعيد.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها.
والثاني: هو الذي يجعل الأشياء مواضعها، فالأول قد يعرف الخلق وضع الأشياء مواضعها، وأما الثاني: فلا يكون ذلك إلا بالله.
وقوله: {عَلِيمٌ}: عليم بمصالح الخلق، ومالهم وما عليهم. أو عليم بوضع الأشياء مواضعها.