خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٢٦
وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ
٢٧
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٢٨
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ
٢٩
فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
٣٠
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ
٣١
قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ
٣٢
قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ
٣٣
قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ
٣٤
وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ
٣٥
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
٣٦
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ
٣٧
إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ
٣٨
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
٣٩
إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ
٤٠
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
٤١
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ
٤٢
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
٤٣
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ
٤٤
-الحجر

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} وقال في آية آخرى: { خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ } [الأنعام: 2]، وقال: { مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ } [الصافات: 11]، وقال في آية أخرى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } [المؤمنون: 12]، وقال: { خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ } [الحج: 5]، ذكر مرة الحمأ المسنون؛ وقيل: هو الطين الأسود المتغير، وذكر مرة التراب، ومرة الطين اللازب: وهو الملتزق، ومرة من سلالة الطين، فيشبه أن يكون على الأحوال، واختلاف الأوقات: كان في حال الأول تراباً، وفي حال طيناً لازباً، وفي حال حمأ مسنوناً؛ وهو الذي اسودّ وتغير؛ لطول مكثه، وصلصالا وفخاراً. فقبل أن يكون خلقاً مركباً الجوارح فيه والعظام - كان على هذه الأحوال الثلاثة على ما أخبر من تغير أحوال أولاده؛ حيث قال: { خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } [الحج: 5] ذكر فيه أحولا ثلاثة قبل أن يخلق لحماً وعظماً، في حال كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة.
فعلى ذلك يحتمل ما ذكر في آدم: من تراب، وطين، وحمأ ونحوه، إن كان على اختلاف الأحوال على ما ذكرنا.
أو أن يكون على التشبيه والتمثيل، ووجه التمثيل بالطين: الذي ذكر؛ وهو أن الطين الذي يكون كالصلصال، والفخار، واللازب؛ ونحوه - هو الطين الطيب؛ الذي يكون منه البنيان، والأواني، والقدور، وجميع أنواع المنافع. وأما الطين الذي يخبث - فإنه لا يتخذ منه شيء مما ذكرنا؛ ولا يتهيأ اتخاذ شيء من ذلك، فشبه خلق آدم بالطين الذي يجتمع فيه جميع أنواع المنافع، فعلى ذلك جمع في آدم جميع أنواع المنافع والخير، كالطين الطيب.
ثم فيه دلالة قدرته، وسلطانه، وذكر نعمه؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من تراب وطين؛ وما ذكر، وليس في التراب، ولا في الطين - من أثر البشرية - شيء، وكذلك ليس في النطفة التي خلق البشر منها [من] أثر البشرية شيء؛ ليعلم أنه قادر على إنشاء الأشياء من شيء، ومن لا شيء؛ إذ ليس فيما ذكر من الطين والتراب؛ الذي خلق منه أبا البشر من أثر البشرية فيه [شيء]، ولا في النطفة التي خلق منها أولاده؛ من أثر البشرية والإنسانية من اللحم، والعظم، والشعر، وغيره، وما ركب فيهم: من العقل، والعلم، والتدبير، والجوارح، وغير ذلك - شيء؛ ليعلم قدرته وسلطانه على خلق الأشياء: لا من شيء؛ وليعرفوا نعمه التي أنعمها عليهم؛ حيث أخبر أنه خلق آدم من طين لازب، وصلصال، وما ذكر، وذلك وصف الطين الطيب؛ لأن ما خبث من الطين لا يبلغ المبلغ الذي وصفه، ولا يصير إلى تلك الحال، وإن طال مكثه؛ لأنه لا ينتفع به [لا] من اتخاذ البنيان، والأواني، والقدور، ولا ينبت الزروع أيضاً، فيحتمل على التمثيل الذي ذكرنا لا على التحقيق، أو على التحقيق على الأحوال المختلفة. فدل أنه إنما خلقه من طين [لازب]؛ طاب أصله.
فعلى ذلك يحتمل النطفة التي يخلق منها البشر تكون طاهرة، وهي لا تصيب شيئاً، وهي على غير الوصف الذي يخرج؛ لأنه قال:
{ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ } [الطارق: 6] وقال: { مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } [السجدة: 8].
والصلصال: قال بعضهم: هو التراب اليابس. والحمأ: الطين الأسود. والمسنون: [المنتن المتغير].
وقال بعضهم: الصلصال: هو الذي إذا ضربته تصوت؛ ومنه يقال: صلصلة اللجام والفرس؛ إذا كان يصلصل؛ وهو قول ابن عباس رضي الله عنه.
وقال القتبي: الصلصال: الطين اليابس الذي لا يصيبه النار؛ فإذا نَقَرْتَهُ صوّت، فإذا مسته النار - فهو فخار: والمسنون: المتغير الرائحة، والمسنون - أيضاً -: المصبوب، وسننت الشيء: إذا صببته صبّاً سهلا، وسنّ الماء على وجهك، وهو قول القتبي.
وقال أبو عوسجة: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}: الحمأ: التراب الأسود يكون في أسفل البئر، ومن هذا سمّي الحمي؛ لأنه يحمي أن يرعى، ويقال: حميت الحرب، والشمس، والتنور، يحمى: إذا اشتد حره. ومسنون: أي: مخلوق.
وقال الحسن: المسنون: الذي سن عليه خلقة الخلق؛ يعني أولاده على خلقته؛ أي: على خلقته خلق الخلق، وأمثال هذا. والله أعلم بذلك.
وقوله تعالى: {وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}.
قال بعضهم: الجانّ: هو إبليس. وقال بعضهم: الجانّ: هو أبو الجن، وإبليس: هو أبو الشياطين؛ سمّوا شياطين لتمردهم في فعلهم، ذلك مقتدر من فعلهم، ألا ترى أنه ذكر من الإنس والجن شياطين؛ وهو قوله:
{ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ } [الأنعام: 112]؛ وذلك لتمردهم، والجانّ مقتدر عن الجن. والله أعلم بذلك.
والسموم: قال بعضهم: السموم: لهب النار؛ وليس له دخان؛ وهو المارج من نار، والمارج هو المنقطع منها.
وقال بعضهم: من جنس النار؛ كأنه أراد لهبها، وقال: {نَّارِ ٱلسَّمُومِ}: الحارّة التي تقتل، فإذا كان السموم، والمارج - ما ذكر بعضهم أنه لهب النار - فمن طبعه الارتفاع والعلوّ، فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الارتفاع والعلو؛ وهو الجانّ الذي ذكر، والطين طبعه التسفل والانحدار إلى الأرض؛ فعلى ذلك ما خلق منه طبعه الهوى إلى الأرض، والميل إليها.
والجانّ: قال أبو عوسجة: الجنّ: واحدُ الجانّ، والجمع: جانّ؛ سمي ذلك لاستجنانه. وقال غيره: الجن: الجماعة، والجانّ الواحد.
وقوله - عز وجل -: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي أتممته {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} وقال في آية أخرى:
{ فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } [الأنبياء: 91].
لم يشتبه هذا على الناس، ولم يفهموا [من قوله]: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}،
{ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } [التحريم: 12] ما فهموا من نفخ الخلق، فما بالهم فهموا من قوله: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } [الفرقان: 59] و { ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ } [فصلت: 11] ونحوه - استواء الخلق؟ بل فهم نفخه من فهم نفخ الخلق أكثر من استوائه؛ لأنه أمكن صرف الاستواء إلى وجوه؛ ولا يمكن صرف النفخ فيه، لكنه اشتبه عليهم؛ لأنهم اقتدروا فعل الله بفعل الخلق، ولا يجب أن يقتدروا بالخلق على ما لم يقتدروا في قوله: [حدود الله، وحكم الله]، وعباد الله، وخلق الله، وأمثاله. وقد أخبر أنه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11] أو تلقين من الشيطان.
وقوله: {رُّوحِي} {رُّوحِنَا} أي: الروح الذي به حياة الخلق؛ أي: خلق الذي يكون به حياة الخلق على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}.
يحتمل أن يكون قوله: {خَالِقٌ بَشَراً} ما ذكر خبر أنه سيفعل، وأمر لهم بالسجود؛ فيكون الأمر بالسجود بعد ما خلقه إياه، فهذا يدلّ أنه قد يجوز تقدم الأمر عن وقت الفعل. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}.
ظاهر الأمر بالسجود؛ والاستثناء - الذي ذكر - يدل أن إبليس من الملائكة؛ لأن فيهم كان الأمر بالسجود، ومنهم وقع الثنيا، وقد ذكرنا اختلافهم وأقاويلهم فيما تقدم؛ مقدار ما حفظناه.
قال: والأصل بأن كل ما خرج مخرج الاستثناء - فيجب أن يسقط اسم ما أجمل؛ نحو قول الرجل الآخر: لك علي عشرة إلا درهماً، يسقط [الاستثناء ما] أجمل من الاسم حتى [صار] تسعة، وكذلك إذا قال: ألف إلا خمسين، وإذا لم يسقط ذلك الاسم - فلا بد أن يكون الكل فيه مضمراً؛ نحو قول الرجل: رأيت علماء بلدة كذا إلا فلاناً - يجب أن يضمر فيه حرف الكل، حتى يقع على كل؛ نحو أن يقول: رأيت كل علماء بلدة كذا إلا فلاناً، فعلى ذلك تخصيص العموم.
وقال الحسن: في قوله: {مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} قال: الصلصال: هو الطين الحرّ الذي يتصلصل من صلابته ويبوسته، والحمأ الطين، والمسنون: قال: مسنون خلقته؛ فهو سنة للخلق بعده من ذريته؛ أن يخلقوا على خلقته؛ وكقوله:
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } [المؤمنون: 12] يقول: استلها من بين ظَهراني الطين؛ لا من كل طين خلقه، وكذلك قال في تناسل ذريته؛ وهو قوله: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } [المؤمنون: 12] ليس من كل ماءٍ خلقه؛ ولكن استلها من بين ظهراني الماء. وقال: الجانّ: إبليس؛ هو أبو الجن {خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ}: أي: من قبل آدم {مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ}: يقول: السموم: هو اسم من أسماء جهنم، ولها أسماء كثيرة، أخبر أنه خلقه من نار السموم؛ أي: جهنم. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ} {قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} وقال في موضع آخر:
{ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ } [البقرة: 34] وقال له: {قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}، وقال في موضع آخر: { مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } [الأعراف: 12]، وقال في موضع آخر[ { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } [ص: 75]، وقال في موضع آخر]: { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ص: 76].
ذكر مثل هذا على اختلاف الألفاظ، ومعلوم أن هذه المخاطبات معه - لم يكن معه مراراً؛ ولكن بمرة واحدة.
وقال أبو بكر الأصم: ذكر الله تعالى قصة إبليس، وقصة الأنبياء جميعاً في مواضع على اختلاف الألفاظ؛ لأنها كذلك كانت في كتبهم، فذكرها على ما في كتبهم؛ ليعلموا أن نبي الله إنما عرف ذلك بالله؛ ليدلهم على صدقه، وفيه دلالة أن اختلاف الألفاظ وتغييرها - لا يوجب اختلاف الحكم بعد ألاَّ يغير المعنى، فهذا يدل أن الخبر إذا أُدِّي معناه على اختلاف لفظه - فإنه يجوز، وكذلك إذا قرأ بغير لسان الذي أنزل - فإنه يجوز إذا أتى بمعناه. الله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}.
قوله: {فَٱخْرُجْ مِنْهَا}: قال بعضهم: اخرج من السماء إلى الأرض. وقال بعضهم: اخرج من الأرض إلى جزائر البحر. وقال بعضهم: اخرج من الجنة، وأمثاله أو اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وجائز أن يقال: اخرج من كذا: أي: تحول من مكان كذا إلى مكان كذا على حقيقة الخروج، ولسنا ندري كيف كان كذلك.
وقوله - عز وجل -: {رَجِيمٌ} قيل: الرجيم: الملعون. وقيل: الرجيم: ما يرجم بالكواكب.
وقوله - عز وجل -: {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ}.
اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والخذلان، طرد عن رحمته إلى يوم الدين، حتى لا يهتدي إلى دين الله وهداه، ثم يوم الدين له العذاب الدائم واللعنة القائمة.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}.
لعن اللعين، وطرد عن رحمته إلى يوم الدين؛ أي: لا تدركه الهداية؛ لأن الهداية في الدنيا إنما تدركه برحمته، والرحمة في الآخرة هي العفو عما لزمه؛ ووجب عليه.
مسألة تكلموا فيها: ما الحكمة في خلق الله تعالى إبليس؛ مع علمه ما يكون منه: من إفساد خلقه، والدعاء إلى المعاصي، وإنظاره إلى يوم الوقت المعلوم؛ وقد علم أنه إنما ينظره؛ ليفسد عباده، [فمع ما] علم أنه يكون منه فما الحكمة في خلقه؟
قال بعضهم: خلق إبليس وأهل المعاصي؛ مع علمه ذلك؛ ليعلم أنه لم يخلق لمنافع نفسه، ولا لحاجة نفسه، وأن معاصيه لا تضره، ولا تدخل نقصاناً في ملكه، فخلقه - مع علمه بما يكون منه - ليعلم أنه لم يخلق الخلق لمنافع نفسه ولا لحاجته، ولكن لمنافع أنفسهم ولحاجاتهم.
وقال بعضهم: خلق الأعداء والأولياء؛ نظراً للأولياء؛ ليعلم أولياؤه الاختصاص الذي اختصهم به، ولو كانوا جميعاً أولياءه - لم يعرفوا فضيلة الله؛ واختصاصه إياهم، وهكذا النعم وإحسان الله، لا يعرف بنفس النعم ونفس الإحسان؛ وإنما يعرف بالبلايا والشدائد التي تحل، فعلى ذلك الأولياء: لو لم يكن الأعداء لم يعرفوا اختصاص الله لهم، وفضائله التي أكرمهم بها.
وقال بعضهم: خلق الأعداء نظراً للأولياء على ما ذكرنا، لكن من وجه آخر [ ]، وأصله أن الله - عز وجل - جائز أن ينشئ أشياء فيها حكمة وسرية؛ لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما جعل النعم الظاهرة فيها - حكمة معنى لا يبلغه علم الخلق؛ ولا حكمة البشر، وكذلك البلايا والشدائد فيها حكمة لا يبلغها علم الخلق، فعلى ذلك جائز أن خلق إبليس، وعُصاة الخلق؛ لحكمة جعل في ذلك؛ حكمة لا يبلغها علم الخلق، ولا يدركها حكمة البشر، على ما ذكرنا: من النعمة الظاهرة؛ والشدائد الظاهرة، وأصله أن الله تعالى خلق الخلق على علم منه أنهم يعصون؛ ويعاندون، لكن مكن لهم من الاختيار والإيثار - ما به نجاتهم وهلاكهم؛ إذا اختاروا ذلك، فإذا اختاروا ما به نجاتهم - نجوا، وإذا اختاروا ما به هلاكهم - هلكوا، فيكون هلاكهم باختيارهم، ونجاتهم باختيارهم. وأصله: ما ذكرنا في غير موضع؛ أنه أنشأهم في هذه الدنيا؛ ليمتحنهم فيها، وفي خلق ما ذكر: من إبليس؛ وغيره من الأعداء؛ ليتم لهم المحنة، وفي ترك خلق ذلك ذهاب المحنة؛ وهي دار الامتحان.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}.
قال بعض أهل التأويل: إلى النفخة الأولى وقيل: إلى النفخة الثانية، ونحوه. لكنا لا نعلم ذلك، وكأنه تعالى أنظره إلى الوقت المعلوم؛ ولم يبين له ذلك الوقت، ولم يطلعه عليه؛ حيث قال:
{ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ... } الآية [الأنفال: 48] أخبر أنه يرى ما لا يرون هم، وأنه يخاف الله، ولو كان بيّن له الوقت المعلوم - لكان لا يخاف هلاكه قبل ذلك الوقت، فهذا يدل [على] ما ذكرنا. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}.
قال الحسن: قوله: {بِمَآ أَغْوَيْتَنِي}: أي: لعنتني. وهذا منه احتيال وفرار عن مذهب الاعتزال، وما يلزمهم في قوله: {أَغْوَيْتَنِي} يلزم في قوله: لعنتني؛ لأن اللعن: هو الطرد؛ فإذا طرده عن رحمته - فقد خذله، فالطرد والإغواء والإضلال سواء؛ فيلزم في اللعن ما يلزمهم في الإغواء.
وقال أبو بكر الأصم: الإغواء واللعن من الله: شتم، لكن هذا بعيد، لا يجوز أن يضاف إلى الله الشتم أنه يشتم؛ لأنّ الشاتم والسابّ لآخر - في الشاهد بما يشتمه - مذموم عند الخلق؛ فلا يجوز أن يضاف إلى الله ما به يذم. وأصله: أن قوله: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} يحتمل أنه خلق فعل الغواية منه أو أغواه؛ لما علم أنه يختار الغواية والضلال.
وقوله: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}: كأنه يقول: ربّ بما أغويتني لأزيدن لهم في الغواية بما أغويهم، وقد ذكرنا هذا وأمثاله فيما تقدم.
فإن قيل: قوله: {أَغْوَيْتَنِي} قول إبليس؛ وهو كاذب بالإضافة إليه. قيل: لو كان فيما أضاف إليه الإغواء كاذباً لكذبه فيه، ورد عليه [قوله]، كما كذبه في قوله ورد عليه: أنا خير منه خلقتني من كذا وخلقته من كذا؛ حيث قال:
{ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } [الأعراف: 13] فلما لم يردّ عليه؛ ولم يكذبه فيما أضاف إليه حرف الإغواء دل أن [إضافة الإغواء إليه] والإضلال حقيقة أو أن يكون قوله: { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ص: 76] إنما ذلك منه ذكر فضله وإحسانه؛ حيث أخبر أنه خلقه مما هو أفضل وأعظم مما خلق آدم؛ فيخرج ذلك منه مخرج الشكر. وأما قوله: {أَغْوَيْتَنِي} ليس على ذلك، فلا يحتمل ألا يكذبه، ولا يرد عليه قوله إذا كان كاذباً فيه؛ لأنه فعل شر أضافه إليه، إذا لم يكن منه الإغواء؛ لذلك اختلفا، أو لو كان قول إبليس - لعنه الله - كذباً فما تصنعون بقول نوح - عليه السلام - حيث قال: { إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } [هود: 34] وقول موسى: { فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [الصف: 5].
ثم قوله: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} يحتمل أن يكون منه عزم على ما ذكر، دون أن تفوّه بذلك، فأخبر - عز وجل - عنه ما كان عزم؛ من الإغواء وغيره بالقول، وذلك جائز؛ يخبر عن العزم والقصد بالقول؛ كقوله:
{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً } [الإنسان: 9] لا يحتمل أن يكون هذا القول الذي أخبر عنهم قولا منهم؛ لأنه لا أحد من المتصدقين يقول بمثل ذلك عند التصدق؛ لكنه إخبار عما [قصدوا وعزموا] بالتصدق؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون هذا من الله إخباراً عما عزم إبليس وقصد؛ على غير التفوه به والقول، وهو ما ذكر { وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } [المائدة: 99] أخبر أنهم كتموا فيه وأضمروا.
ويحتمل أن يكون على التفوه بما ذكر، قال ذلك؛ لما قال له - عز وجل -: {وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ} لما شهد الله عليه باللعن إلى يوم الدين أيس - لعنه الله - عن الهدى؛ فقال: {رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي}: أي: لعنتني وشهدت عليَّ بذلك {لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} المخلص - بخفض اللام -: هو الذي أخلص له الاعتقاد، والعمل والوفاء، والمخلص - بنصب اللام -: هو الذي أخلصه الله، وحفظه، وعصمه، واختصه بذلك. والمخلص لا يقال إلا بعد أن يكون لله فيهم صنع، ولهم اختصاص، وفضائل اختصهم بذلك؛ برحمة الله وفضله.
والمعتزلة يقولون: لا يستوجب أحد الاختصاص والفضيلة إلا بفعل يكون منه لا يستوجب بالله.
ويقولون: الله لا يغوي أحداً لا إبليس، ولا أحداً من أتباعه؛ فإبليس أعرف بالله من المعتزلة؛ حيث رأوا أن الله لا يغوي أحداً ولا يختص أحداً إلا بصنع يكون منه.
وقوله - عز وجل -: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}.
قال بعضهم: قوله {عَلَيَّ} بمعنى إليَّ: أي: إليَّ صراط مستقيم؛ يقول: هو بيدي لا بيد أحد وقال بعضهم: الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه لا يعوج على شيء.
ويحتمل قوله: {عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}: أي: عليَّ بيانه وهو مستقيم؛ كقوله:
{ وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ } [النحل: 9]: أي: بيان قصد السبيل.
وقال بعضهم: لما قال إبليس: {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} قال الله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} يقول: عليَّ ممرّ من أغويته وتابعك؛ كقولك لآخر - إذا أوعدته -: إن طريقك عليَّ. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}.
يحتمل قوله: {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} أي: ليس لك عليهم حجة {إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} فإنهم يتبعونك بلا حجة ولا برهان.
ويحتمل قوله: {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}: تقهرهم وتضطرهم على ذلك إلا من اتبعك من الغاوين؛ فإنهم يتبعونك على غير قهر واضطرار؛ أي: من كان في علم الله أن يتبعك ويختار الغواية؛ وإن لم يكن إغواؤك إياه؛ فإن لك عليه سلطاناً.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}.
أي: لموعد إبليس وأتباعه.
وقوله - عز وجل -: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ}.
يحتمل الأبواب المعروفة، ويحتمل الأبواب: الموارد والجهات التي تكون لها؛ ألا ترى أنه قال: {لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} فهذا يدل أن المراد بالأبواب: الموارد والدركات - لا نفس الأبواب؛ إذ جزء مقسوم إنما يكون للدركات؛ لا يكون للأبواب نفسها.
قال الحسن، والأصم: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ} يعنون بالأبواب: الطبقات والدركات، لكل باب منهم جزء مقسوم: لليهود باب، وللنصارى باب، وللمجوس باب، وللذين أشركوا باب، وللمنافقين باب، ولأهل الكبائر باب وذكر أيضاً باباً لفريق أدخلوا أهل الكبائر فيها، والصابئين والدهرية.
وعندنا أن ظاهر الآية في الكافرين؛ لأنه قال: {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} والغاوون: هم الكافرون، وكذلك قوله: {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ} فإذا كان كذلك؛ فالسبعة الأبواب - التي ذكر - كلها لأهل الكفر، لا يدخل أهل الكبائر فيه.
ويحتمل: باب للمتجاهلة؛ وهم الذين ينكرون العالم الشاهد والغائب، لا يقرون بشيء، وباب للدهرية؛ وهم الذين ينكرون الصانع، وباب للثنوية، وهم الذين يقولون بالاثنين، وباب للذين أشركوا؛ وهم يقولون بالواحد؛ لكنهم يشركون فيه غيره؛ يعبدون الأصنام والأوثان، وباب لليهود، وباب للنصارى، وباب للمنافقين. فذلك سبعة أبواب، وليس لأهل الكبائر باب مسمى معلوم، إنما ذلك كله لأهل الكفر.