خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٠٦
ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ
١٠٧
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ
١٠٨
لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ
١٠٩
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١١٠
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
١١١
-النحل

تأويلات أهل السنة

قوله - عزّ وجلّ -: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ}.
قوله: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ} يحتمل وجهين - حيث ذكر من كفر بالله -:
أحدهما: كفر بالله في زعم المكره؛ لأنه أكرهه به ففي زعمه كافر بالله؛ لطلبه ذلك منه، وهو كقوله:
{ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ } [الصافات: 91]: في زعمهم؛ لأنهم لم يكونوا آلهة، وكقوله: { وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ } [طه: 97]: سماه إلهاً؛ لأنه - في زعم السامري - إله.
والثاني: من كفر بالله شارحاً صدره بالكفر - هو الكافر به حقّاً، وأما من أظهر الكفر بلسانه بالإكراه، وقلبه معتقد بالإيمان على ما كان مطمئنّاً به - فهو ليس بكافر. وأصله: أن من اعتقد مذهباً [أو ديناً] أن يعتقده بخصال ثلاث:
إحداها: يقلد آخر؛ لما رآه أبصرَ وآخذ وأعلم فيه، وهو لا يبلغ ذلك، فيقلده؛ لفضل بصره وعلمه فيه ورأيه.
والثانية: يعتقد للشبهة؛ لما يتراءى عنده أنه الحق؛ فيعتقده لذلك للشبهة التي ذكرنا.
والثالثة: [يعتقد لما] يتضح له الحق فيعتقده.
فلهذه الوجوه الثلاثة يعتقد من يعتقد ديناً أو مذهباً، فأما أن يعتقد الإنسان مذهباً مجانا على الجزاف فلا؛ فكأن إظهار كفر هذا لإكراه من أكرهه لم يصر كافراً.
وأصله أن الإيمان والكفر إنما يكونان بالاختيار؛ فإن الإكراه يزيل اختيار من كفر؛ لذلك يبقى على الإيمان على ما كان؛ لما لم يوجد منه اختيار الكفر.
فإن قيل: أليس أمرنا أن نقاتل أهل الكفر؛ ليسلموا، وذلك إسلام بإكراه؟! وعلى ذلك نطق الكتاب، وهو قوله:
{ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ } [الفتح: 16]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا الله" ، ثم إذا أسلم لخوف السيف - كان إسلامه إسلاماً في الظاهر ما يمنع كذلك أنه إذا أكره على الكفر، فأجرى كلمة الكفر على لسانه - كان كفره كفراً في الظاهر؛ فيحكم بكفره كما حكم في الإسلام على الإكراه؛ فما الفرق فيه؟!
قيل: إن ذلك كان يجيء إلا أن الله - تعالى - أعفى عباده عن ذلك؛ فأبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهروا بلسانهم كلام الكفر بعد أن تكون قلوبهم مطمئنة بذلك؛ فضلاً منه ونعمة، وإلا: القياس أن يحكم بحكم الكفر إذا تكلم بكلام الكفر، وأمّا الطلاق والعتاق والنكاح ونحوه، وهو ظاهر على ما تكلم به، عامل واقع؛ لأن الطلاق والعتاق ونحوهما ممّا يتعلق بالكلام نفسه لا بغيره، فهو - وإن أكره على ذلك - فهو مختار للتكلم به، قاصد له؛ لأن المكره لو أحب أن يستعمل لسانه بالتكلم بما ذكر ما قدر عليه؛ دل أنه على الاختيار يتكلم، وأما البيع والشراء ونحوه لم يتعلق بالكلام نفسه؛ إذ قد يكون بالأخذ والتسليم دون التكلم به؛ لذلك عمل الإكراه في إبطاله كما أبقاهم على الإيمان وحكمه، وإن أظهر بلسانه كلام الكفر بعد أن يكون قلبه مطمئنّاً بذلك، وعلى ذلك ما روي عن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:
"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْه" ؛ وذلك في الكفر ليس في غيره؛ لأن الإكراه على الكفر كان ظاهراً يومئذ، ولم يكن في غيره من طلاق وغيره.
وأمّا قتالنا إياهم؛ ليسلموا - فهو يحتمل وجوهاً:
أحدها: على المجازاة؛ كقوله:
{ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً } [التوبة: 36]، فنقاتلهم ليظهروا الإسلام، وإن لم يعرف حقيقة على المجازاة.
والثاني: قبلنا منهم الإسلام على الإكراه لنقرهم فيما بين المسلمين؛ فيرون الإسلام ويتعلمون منهم حقيقة؛ ألا ترى أنه قال:
{ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ } [الممتحنة: 10]؛ سمّاهنّ مؤمنات، ثم أمرنا بامتحانهن؛ بقوله: { فَٱمْتَحِنُوهُنَّ } [الممتحنة: 10]؛ فإنما يمتحنَّ؛ ليظهر حقيقة إيمانهن، وإلا لم يكن للامتحان معنى لولا ذلك.
وأصله: أن الله جعل حقيقة الإيمان والكفر بالقلب دون اللسان وغيْره من الجوارح؛ لأن غيره من الجوارح يجوز استعمالها بالإكراه، وأمّا القلب فإنه لا يملك أحد سواه استعماله، وذلك بفضله ومنّه.
{وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً}.
ومن شرح صدره بالكفر فهو كافر به إن كان ليس على الإكراه؛ لما ذكرنا أنه باختياره الكفر ينشرح له الصّدر لما لا يعمل الإكراه على القلب.
{فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
ظاهر.
وقوله - عز وجل -: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ}.
أي: ذلك الغضب والعذاب بأنهم.
{ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ}.
يحتمل وجهين:
أحدهما: استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة؛ جحوداً وإنكاراً، وإلا نفس الاستحباب قد يكون من المؤمن؛ فلا يزيل عنه اسم الإيمان؛ كقوله:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } إلى قوله - تعالى - { أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ } [التوبة: 38]؛ فلم يزل عنهم اسم الإيمان باختيارهم واستحبابهم الحياة الدنيا؛ فدلّ أن الأول عن الجحود له والإنكار، وهذا على الميل إليه دون الجحود؛ أو أن يكون كذلك لما لم يروا الآخرة كائنة لا محالة ولكن ظنّاً ظنّوا لعلها كائنة؛ كقوله: { إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } [الجاثية: 32] وأمّا أهل الإسلام فإنهم لم يكونوا فيها ظانين [متشككين]؛ ولكن متحققين مستيقنين؛ فاستحقوا بذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ}.
وقت اختيارهم الكفر؛ [لأن الله] لا يهدي القوم المختارين الكفر على الإيمان؛ وقال ذلك لقوم علم الله أنهم يختارون الكفر، وأنهم يموتون على الكفر؛ فلا يهديهم.
وقوله - عز وجل -: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ}.
الطبع: هو التغطية: تغطي ظلمة الكفر نور القلب والسمع ونور البصر، كأن لكل أحد نورين وبصرين، ظاهر وباطن يبصر بهما جميعاً؛ فإذا ذهب أحدهما أو عمي - صار لا يبصر؛ كمن يبصر ببصر الظاهر، إنما يبصر بنور بصره ونور الهواء؛ فإذا دخل في أحدهما آفة ذهب الانتفاع، وصار لا يبصر شيئاً؛ فعلى ذلك للقلب بصر خفي، وبصر ظاهر الذي هو معروف؛ فإنما يبصر بهما؛ فإذا غطى ظلمة الكفر بصر القلب صار لا يبصر شيئاً؛ ألا ترى أنه قال:
{ لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ } [الحج: 46] أخبر أن الأبصار الظاهرة لم تعْمَ؛ ولكن عميت القلوب التي في الصدور، هذا يدل على - ما ذكرنا والله أعلم - معنى طبع السمع والبصر.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ}.
يحتمل: غافلون عن النظر في آياته وحججه، ويحتمل: غافلون عما يحل بهم؛ بكفرهم وتكذيبهم آيات الله وحججه.
وقوله - عزّ وجلّ -: {لاَ جَرَمَ}.
قد ذكرنا ما قيل فيه: لا بد؛ وحقّاً، وقيل: هو حرف وعيد.
{لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ}.
قال الحسن: إنهم - والله - خسروا الجنة ورحمة الله، خسروا أهلهم ومنزلهم الذي كان لهم في الجنة، وخسروا منهم أنفسهم حين قذفوها في النار.
وقال أبو بكر الأصم: خسروا النعم الدائمة الباقية بالزائلة الفانية، وخسروا أنفسهم؛ حيث قتلوا، وأسروا في الدنيا، والله أعلم.
وقوْله - عز وجل -: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ}.
قيل: عذبوا على الإيمان بمكة، ثم جاهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عدوَّهم، وصبروا على ذلك.
{إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قيل: من بعد الفتنة لغفور لما كان منهم، (رحيم) ذكر مرتين:
أحدهما: قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ}، ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، [قيل: من بعد الفتنة] فيجيء أن يكتفى بواحد يقول: لغفور رحيم موصولاً بقوله: للذين فعلوا ما ذكر، لكنه ذكر مرتين - والله أعلم -: إنه لغفور لهم يعني: لهؤلاء الذين فتنوا وعذبوا، ولغيرهم.
ذكر أهل التأويل أن أناساً من المؤمنين خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشركون؛ ليردوهم؛ فقاتلوهم؛ فمنهم من قتل، ومنهم من نجا؛ فأنزل الله - تعالى -: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ...} الآية.
ومنهم من يقول - أيضاً -: فيهم نزل قوله:
{ الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا... } الآية [العنكبوت: 1-2].
وأكثرهم قالوا: إن قوله: {مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ}: إنما نزل في عمار بن ياسر، وليس لنا إلى ذلك حاجة؛ إنما الحاجة فيما ذكرنا من الحكم فيه والحكمة، والله أعلم.
وقوْله - عزّ وجلّ -: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا}.
قال الحسن: {تُجَادِلُ}، أي: تخبر، {عَن نَّفْسِهَا}: عما عملت من خير أو شرّ. وقال أبو بكر الأصم: إن كل نفس رهينة بما كسبت من شر حتى يكون طائراً في عنقه. ولكن ليس لنا فيما ذكر هؤلاء مجادلة، المجادلة: المخاصمة؛ كأنها تخاصم عن نفسها من ارتكاب أشياء، ودعوى أشياء على ما ذكر في غير آية؛ من قوله:
{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } [الأنعام: 23].
وقال بعضهم: إن جهنم تزفر زفرة حتى لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاّ وقد جثا بركبتيه؛ خوفاً منها؛ فعند ذلك تجادل وتخاصم كل نفس عن نفسها، ويشبه أن يكون مجادلتهم على غير هذا، وهو ما ذكر:
{ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } [فصلت: 20-21]؛ فتلك مجادلتهم أنفسهم، وكقوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } [الأنعام: 23]، وكذلك ما ذكر في المنافقين: { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ... } الآية [المجادلة: 18].
وذلك كله مجادلتهم أنفسهم، أو أن يقال: {تُجَادِلُ} لكن لا يفسّر: ما تلك المجادلة؛ لأن الله - تعالى - ذكر المجادلة، ولم يذكر ما تلك المجادلة؟
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
أي: لا ينقصون من حسناتهم ولا يزدادون على سيئاتهم.
وهذه الآية تردّ على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالتخليد لصاحب الكبيرة، وقد أخبر أنه: توفى كل نفس ما عملت من سوء، ولا توفى ما عملت من الخيرات والطاعات.