خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
١٩
وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
٢٠
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
٢١
إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
٢٢
لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ
٢٣
-النحل

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: ذكر هذا ليكونوا أيقظ وأحذر؛ لأن في الشاهد من يعلم أن عليه رقيباً حافظاً بما يفعل، كان هو أرقب وأحفظ لأعماله، ويكون أحذر ممن يعلم أنه ليس عليه حافظ ولا رقيب.
والثاني: يعلم ما تسرّون من المكر برسول الله، والكيد له من القتل، والإخراج، وغير ذلك [أي: يعلم ذلك] كله منكم، ما أسررتم وأعلنتم، وهو يخرج على نهاية الوعيد والتعيير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} يحتمل يدعون: أي: يسمونها: آلهة، وربما كانوا يدعونهم عند الحاجة.
ويحتمل {يَدْعُونَ}: يعبدون؛ أي: الذين يعبدون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون؛ فهذا يرجع إلى الأوّل؛ أفمن يخلق كمن لا يخلق؟
وقوله - عز وجل -: {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ...} [الآية].
يحتمل المراد بقوله: {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ}: الذين عبدوا الأصنام والأوثان وجميع من كفر بالله؛ هم أموات غير أحياء؛ لأن الله تعالى سمَّى الكافر في غير آي من القرآن ميّتاً؛ فيشبه أن يكون قوله: {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ} أيضاً.
{وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}.
أي: يشعرون حين يبعثون، أي: لو شعروا هذا في الدنيا ما شعروا في الآخرة؛ لم يعلموا ما عملوا.
ويحتمل قوله: {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ}: الأصنام التي عبدوها؛ هن أموات غير أحياء.
قال بعضهم: أموات لأنها لا تتكلم، ولا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضرّ؛ كالميت {غَيْرُ أَحْيَآءٍ}: أي: ليس فيها أرواح ينتفع بها كالبهائم والأنعام، ويكون قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} راجعاً إلى الذين عبدوا الأصنام؛ لأنها لا تشعر أيان يبعثون، وهم يعلمون أنها لا تشعر ذلك؛ لكن هم يشعرون حين يبعثون.
وقال بعضهم: قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} يبعث الآلهة والذين عبدوها جميعاً؛ كقوله:
{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } [يونس: 28] وقوله: { ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ } [الصافات: 22-23] قال بعضهم: يحشر أولئك الذين عبدوا الأصنام، {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}: أي: حين يبعثون، ولو شعروا ذلك في الدنيا ما فعلوا [ما فعلوا] وإن كان قوله: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} راجعاً إلى الملائكة والملوك الذين عبدوا دون الله يكون تأويل قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}: أي: لا يشعرون وقت يبعثون، وإن كان راجعاً إلى الأصنام، فقوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}: أي: لا يشعرون أنهم يبعثون، لا يحتمل أن يكون قوله: {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أن يقال [ذلك] في الأصنام؛ لأن أولئك يعلمون أنهم لا يخلقون، وإنما يقال ذلك في الأصنام: لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، فدل أن ذلك راجع إلى الملائكة والذين عبدوهم.
وقوله - عز وجل -: {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ}.
قد ذكرنا فيما تقدم ما يبين إبطال ما كانوا يعبدون، وما لا يليق بأمثالها العبادة لها؛ ونصبهم آلهة ثم ذكر ما يبين جعل الألوهية والربوبية أنه لواحد، وأنه هو المستحق لذلك دون العدد الذي عبدوها؛ فقال: إلهكم إله واحد لا العدد الذي عبد أولئك.
وقوله - عز وجل -: {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ}.
يحتمل قوله: {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ}: أي: منكرة للإيمان بالآخرة والبعث بعد الموت.
أو قلوبهم منكرة لجعل الألوهية والربوبية لواحد وصرف العبادة إليه؛ كقولهم:
{ أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ص: 5].
ويحتمل قوله: {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ} لما جاء به الرسول، وهم مستكبرون على ما جاء به من الله تعالى.
وقوله - عز وجل -: {وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} يحتمل مستكبرون على رسول الله، لم يروه أهلا لخضوع أمثالهم لمثله، أو مستكبرون إلى ما دعتهم الرسل؛ لأن الرسل جميعاً دعوا الخلق إلى وحدانية الله وجعل العبادة له.
وقوله - عز وجل -: {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}.
يحتمل قوله: {مَا يُسِرُّونَ}: من المكر برسول الله، والكيد له، {وَمَا يُعْلِنُونَ} من المظاهرة عليه. أو يعلم ما يسرّون من أعمالهم الخبيثة التي أسروها و [ما] أعلنوها، يخبر أنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم؛ أسرّوا أو أعلنوا.
وقوله: {لاَ جَرَمَ} قال الأصم: {لاَ جَرَمَ}: كلمة تستعملها العرب في إيجاب تحقيق أو نفي تحقيق؛ كقولهم: حقّاً، ولعمري، وايم الله، ونحوه.
وقال الحسن: هو كلمة وعيد.
وقال بعضهم: لا جرم، وحقّاً، وبلى، ولا بدّ، كلّه في الحاصل: يرجع إلى واحد، وهو وعيد؛ لأن قوله: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وعيد. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}.
لأنه لا يحبّ الاستكبار، ولا يليق لأحد من الخلائق أن يتكبر على غيره من الخلق؛ لأن الخلق كلهم أشكال وأمثال، ولا يجوز لكل ذي [مثل وشكل] أن يتكبر على شكله [ومثله]؛ لأن تكبّر بعضهم على بعض كذب وزور؛ إذ جعل كلهم أمثالا وأشكالا، لذلك كان زوراً وكذباً، و قد حرم الله الكذب والزور، وجعله قبيحاً في العقول.