خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً
١٠١
قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً
١٠٢
فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً
١٠٣
وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً
١٠٤
-الإسراء

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}.
هذا - والله أعلم - فيما آتاه من الآيات وأمره أن يحاج بها فرعون، وإلا كانت آيات موسى - عليه السلام - أكثر من تسع، كأنها تبلغ عشرين، وتزداد عليها؛ إذ كان في عصاه أربع من الآيات:
إحداها: حيث ضرب بها البحر فانفلق.
و[الثانية]: حيث كان يضرب بها الحجر فينفجر منه عيوناً.
و[الثالثة]: حيث ألقاها فصارت ثعباناً.
و[الرابعة]: حيث كانت تلقف حبالهم وعصيهم، وأمثاله، كأنها تبلغ إلى ما ذكرنا، لكنه ذكر تسع آيات بينات التي أمره أن يحاج بها فرعون، وقومه.
وقوله - عز وجل -: {بَيِّنَاتٍ}.
أنها من عند الله جاءت، وأنها ليست من البشر، وأنها سماوية.
و {بَيِّنَاتٍ}، أي: مبينات ما يبيّن صدق موسى في جميع ما يخبر، ويقول: ويبين عدله في حكمه وفعله؛ لأن في آيات الرسل يحتاج إلى هذا: أن تبين للناس صدقهم في قولهم، وعدلهم في حكمهم، [و] أنهم يدعون إلى عبادة الله، والطاعة له، وذلك يجب على كل [ذي] عقل وطبع سليم، فالحاجة إلى الآيات ليست إلا لصدقهم وعدلهم في حكمهم.
ثم اختلف في الآيات:
قال بعضهم: العصا، واليد، والحجر، والطمس، والخمس التي ذكر في سورة "المص"، وهو قوله:
{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ... } [الأعراف: 133].
وقال بعضهم: الخمس التي ذكر في سورة "المص"، والعصا، والموت الذي أرسل عليهم، واليد البيضاء، وانفلاق البحر.
وقال بعضهم: إنها الخمس التي ذكر في سورة "المص"، واليد، وحل العقدة التي بلسانه، وفي العصا آيتان.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه - العصا، واليد، والسنون، ونقص من الثمرات.
ثم منهم من يجعل السنين ونقصاً من الثمرات آية واحدة، ومنهم من يجعلهما آيتين، وكذلك العصا، منهم من يجعلها آية واحدة، ومنهم من يجعلها آيتين، ومنهم من يعد الطمس، ومنهم من لا يعد.
ونحن نجعل العصا آية واحدة، والسنين، ونقصاً من الثمرات آية واحدة والطمس آية، والخمس التي ذكرت في سورة "المص"، فتكون ثمانياً فتكون التاسعة قوله: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ}؛ لأنه قال: لقد علمت أنها آيات، ولم يكذبه فرعون، ولم يستقبله بشيء يكذبه في قوله، وهو ما قال:
{ وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } [النمل: 14]، أخبر أنهم جحدوا بها بعدما استيقنوا أنها آيات، وحجج ظلماً وعلوّاً، وما روى صفوان بن عسال المرادي: أنه قال: "إن يهوديين أتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن التسع آيات التي ذكر أنه آتاها موسى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصّة يا يهوديان ألا تعدوا في السبت، قال فقبلا يديه، ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي الله، فقال - عليه السلام -: فما يمنعكما أن تسلما؟ قالا: إنا إن أسلمنا يقتلنا اليهود" .
فإن ثبت هذا الخبر، فلا يجوز أن يتعدى إلى غيره من التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ}.
يعني: موسى، صلوات الله عليه.
قال بعضهم: أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل الآيات التسع التي كانت في كتبهم على التقرير عندهم أنه إنما عرف ذلك بالله، وأنه رسول؛ لما علموا أن تلك الآيات في كتبهم بغير لسانه، وكان لا يخط بيده، ولا كان اختلف إلى أحد منهم؛ ليعرف ذلك؛ فدلّ أنهم علموا أنه إنما عرف ذلك بوحي السماء.
وقال بعضهم: ليس هو على الأمر أن يسألهم ذلك، ولكن لو سألتهم لأخبروك عنها كقوله:
{ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ... } الآية [النحل: 43].
وقوله - عز وجل -: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً}.
في عقلك، أي: سحرت، و "المسحور": هو المغلوب في العقل.
وقولهم متناقض؛ لأنهم قالوا مرة: ساحر، ومرة: مسحور، فالساحر: هو الذي يبلغ بالبصيرة غايته، والمسحور: المغلوب.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ}.
قوله: {عَلِمْتَ} بالنصب والرفع جميعاً قد قرئا، وأمكن أن يكون قال في ابتداء الأمر: قد علمت ما أنزل هذه الآيات إلا رب السماوات والأرض، وقال في آية أخرى لما أقامها عليه {لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ}.
ما يبصر بها الحق من الباطل من لم يعاند، ولم يكابر.
وقوله - عز وجل -: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً}.
قال موسى - عليه السلام - لفرعون: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً}، مقابل ما قال له فرعون، حيث قال: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً}.
قال بعضهم: "مثبوراً": هالكاً.
[و] قيل: ملعوناً.
وقال بعضهم: مبدلاً.
ويحتمل قوله: {وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} أي: تدعوا على نفسك بالثبور، وهو الهلاك كقوله:
{ وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً } [الفرقان: 13] أي: هلاكاً.
والظن يكون في موضع الظن، ويكون في موضع العلم.
وقوله - عز وجل {فَأَرَادَ} يعني: فرعون.
{أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِ}.
قال أهل التأويل: أراد أن يخرجهم، ويستخفهم {مِّنَ ٱلأَرْضِ} أي: من أرض مصر، لكنهم قد كانوا خرجوا طائعين قبل أن يخرجهم من حيث أمر موسى بإخراجهم، بقوله:
{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ } الآية [الشعراء: 52]؛ فيكون تأويل قوله: فأراد أن يخرجهم من الأرض بالقتل والهلاك من الدنيا؛ ألا ترى أنه قال: { وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا } [الأعراف: 137]، أراد: من مشارق الأرض، وإلا قد كانوا هم قد خرجوا من أرضه على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً}.
هو ما قال في آية أخرى:
{ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً... } الآية [يونس: 90].
وقوله - عز وجل -: {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ}.
اختلف فيه:
قال بعضهم: قوله {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ}: أرض مصر التي كان يسكن فرعون، وهو كقوله:
{ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ } [الأحزاب: 27].
وقال بعضهم: اسكنوا الأرض: أرض الشام، والأرض المقدسة؛ كقوله:
{ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ... } [المائدة: 21].
وقال بعضهم: {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} ليس في أرض دون أرض، ولكن اسكنوا أي أرض شئتم، مشارقها ومغاربها، آمنين لا خوف عليكم على ما أرادوا أن يخرجوكم من مشارق الأرض ومغاربها بالقتل كقوله:
{ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ... } [الأعراف: 137] الآية، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه.
وعلى هذا قال في قوله: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} بعث عيسى بن مريم {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي: جميعاً مجتمعين من مشارق الأرض ومغاربها على ما تفرقوا.
وقال بعضهم: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ} يعني: حياة عيسى، ونزوله من السماء {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي: جميعاً بانتزاع من القرى هاهنا، وهاهنا لفوا جميعاً، وهو مثل الأوّل.
وأمّا عامة أهل التأويل فإنهم قالوا: {فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ}: يوم القيامة {جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} أي: جميعاً أنتم وفرعون وجنوده حتى يروا كراماتكم التي أكرمتم بها ويروا هوانهم.