خريطة الموقع > التفسير

التفاسير

< >
عرض

قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً
٥٦
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً
٥٧
وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً
٥٨
وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً
٥٩
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً
٦٠
-الإسراء

تأويلات أهل السنة

قوله - عزّ وجلّ -: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً}.
وفي سورة سبأ:
{ قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ... } الآية [سبأ: 22]، فيشبه أن يكون الآية عندما نزل بهم البلايا والشدائد على ما قاله أهل التأويل، فأمروا عند ذلك أن يطلبوا كشف ذلك عنهم من الذين يعبدون [من دون الله]، فيقول لهم: ادعوا الذين زعمتم أنها آلهة دونه يكشفوا عنكم ما نزل بكم.
ويشبه أن يكون لا على نازلة؛ ولكن على تبيين سفه أولئك، حيث قالوا:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3] وقالوا: { هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18]: أخبر أن ليس لهؤلاء شفاعة عند الله، وأن عبادتهم إياها لا تقربهم إلى الله زلفى، كقوله: { أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ قُلْ أَوَلَوْ كَـانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } [الزمر: 43]: أخبر أنهم لا يملكون ما يطعمون بعبادتهم إياها.
أو أن يذكر هذا؛ لقطع ما يرجون من دون الله من كشف ضرّ عنهم ودفعه، أو جر نفع إليهم وسوق خير، على ما أخبر أنه لا يملك ذلك أحد سواه كقوله:
{ مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ... } الآية [فاطر: 2]، وقوله: { وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ... } الآية [الأنعام: 17]: أخبر أنه لو فتح هو رحمة لا يملك أحد دونه إمساكها، ولو أمسك هو لا يملك أحد إرسالها دونه، ولو مسّ ضرّ لا يملك أحد كشفه، وإن أراد خيراً لا يملك أحد دفعه ورده.
هذا يذكر - والله أعلم - للمسلمين؛ لئلا يرجوا أحداً من الخلائق دون الله ولا يخافوا أحداً سواه.
ثم صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى الملائكة، لكن الآية تحتمل كل معبود دون الله: الملائكة والجنّ والأصنام التي عبدوها.
وأمّا الآية الثانية التي تتلوها ظاهرها في الملائكة والجن، وهو قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ}.
أي: أولئك الذين يعبدون من دون الله يبتغون هم إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ...} الآية [الإسراء: 57]: اختلف فيه:
منهم من صرفها إلى الملائكة.
ومنهم من صرفها إلى الجنّ، وهو قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول: إن قوماً من العرب كانوا يعبدون الجن، ثمّ أسلم الجنّ، فبقي أولئك [كما] كانوا يعبدونهم بعد إسلامهم؛ فيقول: أولئك الذين [يعبدون من دون الله] يبتغون إلى ربهم الوسيلة؛ فكيف تعبدونهم؟!
ومن قال: إنها في الملائكة - اختلفوا في قوله: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}: قال الحسن: يرجون محبته ورضاه، {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}، أي: خوف الهيبة والجلال والعظمة لا خوف عذاب النار ونقمته؛ لأن الله - تعالى - عصمهم من أن يرتكبوا ما يوجب لهم النقمة والعذاب؛ حيث قال:
{ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ } [التحريم: 6]، وقال: { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } [الأنبياء: 19]، وقال في قوله: { وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } [الأنبياء: 29]: هذا إخبار أنهم لو قالوا ذلك لفعل بهم ما ذكر ليس على أن يقول أحد منهم ذلك.
وقال أبو بكر: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ}: ثوابه، {وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ}: نقمته؛ حيث قال: فهم من الوعيد ما قال: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ...} الآية [الأنبياء: 29]؛ فقد أثبت لهم الوعيد فيه، لكن ثوابه ما يتلذذ به وعذابه ما يتألم به ويتوجع.
ومنهم من يقول من أهل التأويل {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ}، أي: جنته، لكن هذا يشبه أن يكونوا يرجون صحبة أهل الجنة؛ كقوله:
{ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ... } الآية [الرعد: 23-24].
وجائز عندنا صرف قوله: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} إلى الأصنام التي عبدوها من دونه أيضاً، ويكون تأويل: {يَدْعُونَ}: يبتغون، أي: لو لم يكن لهم من العبادة والطاعة، وركب فيهم من أسبابها لكانوا كما ذكر، وهو كقوله:
{ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ } [الحشر: 21]، أي: لو مكن له وركب فيه ما ركب في البشر ومكن لهم { لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ } [الحشر: 21] على ما ذكر من سفه أولئك الذين عبدوا [من] دون الله؛ يقول: كيف تعبدون من لو مكن من العبادة والطاعة لكانوا يبتغون بذلك الوسيلة إلى ربهم؟! أو كيف تعبدون من هو بطاعة ربه يبتغي الوسيلة إليه؟!؛ إن كانت الآية في الملائكة؛ كأنه يذكر سفه أهل مكة؛ حيث سألوا العذاب بقوله: { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً... } الآية [الأنفال: 32] ونحوه، وأهل السماء والأرض جميعاً يحذرون عذابه.
وقوله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ} ما ذكر: ليس هو بأمر في الحقيقة، وإن كان ظاهره أمراً؛ ولكن إخبار عن عجز ما يدعون من دونه، وتعجيز ما ذكر من كشف الضرّ ودفعه والتحويل، وكذلك قوله:
{ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً... } الآية [الإسراء: 50]: ليس هو بأمر؛ إنما هو إخبار عن قدرته أنه لا يعجزه شيء، وإن بدلتم أصلب الأشياء وأعظمها.
وقوله - عزّ وجلّ -: {فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ}، أي: دفعه وردّه، {وَلاَ تَحْوِيلاً}: يحتمل وجهين:
أحدهما: فلا يملكون تحويل ذلك الضرّ إلى غيركم ولا صرفه.
والثاني: {وَلاَ تَحْوِيلاً} من الأشد والأثقل إلى الأخف والأيسر [والأهون].
وقوله - عزّ وجلّ -: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً}.
أي: يحذره أهل السماء و [أهل] الأرض.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً}.
قال أبو بكر الأصم: وإن من قرية إلا نحن مميتوها، وقد يستعمل الهلاك في موضع الموت؛ كقوله:
{ ٱمْرُؤٌ هَلَكَ } [النساء: 176]، أي: مات، ويقال - أيضاً -: هلك فلان، أي: مات، فعلى ذلك يكون قوله: {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا} [أي]: مميتوها {قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}؛ كقوله: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ } [آل عمران: 185]، وكقوله: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [الرحمن: 26].
{أَوْ مُعَذِّبُوهَا}، أي: منتقموها {عَذَاباً شَدِيداً}؛ فعلى تأويله يصحّ على جميع القرى والمدن، ليس قرية دون قرية، ولا مدينة دون مدينة؛ ولكن على الكل على ما أخبر من إهلاك الكل بقوله:
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ } [آل عمران: 185]، و { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [الرحمن: 26].
ويحتمل ما ذكر من إهلاك القرية: إهلاك الأهل؛ من إهلاك القرية بعد إهلاكهم؛ على ما فعل بكثير من القرى.
وجائز أن يكون يهلك الأهل ويبقي القرية على حالها، ثم تهلك بنفسها قبل يوم القيامة، والله أعلم.
وعلى تأويل أبي بكر يفعل ذا أو ذا: إمّا يميتهم [موتا] بآجالهم، أو يعذبهم عذاب إهلاك.
وقال الحسن: قوله: {إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا}، أي: مميتوها؛ على ما قال أبو بكر؛ {أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً}: يقول: إذا قامت الساعة قبل يوم القيامة؛ كقوله:
{ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ... } الآية [الزمر: 68]، وقوله: { إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ... } الآية [الحج: 1]؛ فذلك كله قبل يوم القيامة، وهو يقول: إن الساعة تقوم على شرار الناس؛ فيكون ما ذكر من التعذيب لأولئك الذين تقوم بهم الساعة على قوله.
وقال قتادة: هذا قضاء من الله كما تسمعه ليس منه بدّ: إمّا أن يهلكها بموت؛ كقوله:
{ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ } [آل عمران: 185]، وإمّا أن يهلكها بعذاب مستأصل إذا تركوا أمره وكذبوا رسله، وهو ما ذكرنا من الانتقام.
وقال بعضهم: يميت [أهل] القرية [الصالحة] بآجالهم، وأمّا القرية الظالمة فيأخذها بالعذاب الذي ذكر؛ فهو في القرون الماضية إن احتمل ذلك.
ويشبه أن يكون قوله: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}، وهو أن يهلك رؤساء الكفرة وقادتهم؛ فيصير الدّين كله ديناً واحداً، وهو الإسلام؛ على ما قال بعض أهل التأويل في قوله:
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } [الرعد: 41] قالوا: هو أن يهلك أهل الكفر؛ فيجعل ملك أهل الكفر لأهل الإسلام؛ فذلك نقصانها من أطرافها: لا يزال ينقص أهل الكفر قرية فقرية وبلدة فبلدة؛ حتى تصير الأرض كلها لأهل الإسلام، وهو ما روي عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "زُوِيَتْ لِيَ الأرضُ فأُرِيتُ مَشَارِقَهَا ومَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوي لِي مِنْهَا" ، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا}، أي: نهلك أهل الكفر.
ويشبه أن يكون قوله: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً}: على ما أخبر أنه كان يفني جميع من كان على وجه الأرض، ويجعل الأرض مستوية لا بناء فيها ولا ارتفاع، حيث قال:
{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [الرحمن: 26]، وقال: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ... } الآية [طه: 105]، وقال: { وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً... } الآية [الواقعة: 5] أخبر أنه لا يبقي عليها أحد ولا بناء، فتصير كلها { فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً } [طه: 106-107]؛ فذلك إهكلاكها وتعذيبها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً}.
قال بعضهم: كان ذلك في الكتاب الذي عند الله - وهو اللّوح المحفوظ - مكتوباً.
وقال بعضهم: كان ذلك في جميع كتب الله التي أنزلها على رسله مكتوباً، أي: ما من كتاب أنزله الله على رسله إلا وكان فيه
{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [الرحمن: 26]، و { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ } [آل عمران: 185], مسطوراً، والله أعلم.
وقوله عزّ وجلّ -: {وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ}.
أخبر أنه ليس يمنعه من إنزال الآيات إلا تكذيب الأوّلين بها.
فإن قيل: فأي شيء فيما يكذب الأولون بالآيات؛ ما يمنع إنزالها على هؤلاء؟
قيل: كأنه على الإضمار، أي: ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا علمنا بأن الآخرين يكذبون بها كما كذب بها الأوّلون.
فإن قيل: عن هذا يسأل: أن علمه بتكذيب الآخرين كعلمه بتكذيب الأولين، ثم لم يمنع علمه بتكذيب الأولين إياها إنزالها كيف منع علمه بتكذيب الآخرين ذلك؟! أو ليس قد أرسل الرسول، وأنزل الكتاب على علم منه أنهم يكذبون الرسول والكتاب، ثم لم يمنع علمه بذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول؟! فكيف منع علمه بتكذيب الآيات منهم عن إرسال الآيات، ولم يمنع علمه بتكذيب الرسول [والكتاب] على بعث الرسول وإنزال الكتاب؟!
قيل: إنه قد مضى من سنته أنه إذا أنزل الآيات على أثر السؤال - أعني: سؤال الآيات - فكذبوها أهلكهم؛ هكذا مضت سنته في القرون الماضية، ثم قد سبق من وعده ألا يهلك هذه الأمة إهلاك تعذيب واستئصال في الدّنيا؛ رحمة منه وفضلاً على ما أخبر رسوله؛ حيث قال:
{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107]، فرحمته أن منّ عليهم بإبقائهم وإزالة العذاب عنهم في الدنيا واستئصالهم؛ فكأنه قال - والله أعلم -: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ما سبق من وعدنا ورحمتنا: ألا نهلك هذه الأمّة إهلاك استئصال وتعذيب، فذلك الوعد والرحمة الّذي ذكرنا منعنا عن إرسال الآيات على علم منّا أنهم يكذبونها إذا أرسلنا إليهم، وقد مضت السنّة منا على الإهلاك إذا أنزلنا الآيات على أثر سؤالهم إياها ثم التكذيب من بعد، ثم قد سبق الوعد لهؤلاء ألا يهلكوا في الدنيا إهلاك تعذيب؛ رحمة منه لهم على ما أخبر أنه لم يرسل إلا رحمة للعالمين.
وأصله: أن الله - عزّ وجلّ - قد أنزل الآيات والحجج [على إثبات رسالة الرسل آيات كافية، وحججاً تامة ما لم يقع لهم الحاجة إلى غيرها من الآيات والحجج]، فما سألوا من الآيات والحجج من بعد إنما سألوا سؤال تعنت وتمرد، لا سؤال استرشاد واستهداء، فإذا كان سؤالهم الآيات سؤال عناد وتعنت - أهلكوا إذا كذبوها، ولم ينظروا؛ كقوله:
{ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } [الأنعام: 8]، وقوله: { مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ } [الحجر: 8]، ونحوه؛ ألا ترى أن عيسى - عليه السلام - سألوه أن يسأل ربّه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لتكون لهم آية منه؛ فسأله، فأخبر أنه ينزلها عليكم، ثم أخبر ما يفعل بهم إذا كفروا بعد ذلك، وهم كانوا يسألونه سؤال تعنت وتمرد؛ فقال: { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ } الآية [المائدة: 115].
هكذا كانت سننه فيمن سأل الآيات سؤال تعنت وعناد.
وجائز أن يكون الذي منع عن إرسال الآيات على أثر السؤال وإهلاك هذه الأمة: ما يكون من الإسلام من نسل هذه الأمة بعد نبيهم، وإبقاء التناسل إلى يوم القيامة، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً}.
قيل: آية لرسالة صالح.
وقال بعضهم: {مُبْصِرَةً}، أي: معاينة يعاينونها أنها آية من الله لهم؛ حيث رأوها مخالفة لنوقهم، وهو ما قال:
{ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً } [الأعراف: 73].
{فَظَلَمُواْ بِهَا}، أي: كذبوا بها وجحدوها ثم عقروها بعد علمهم أنها آية من الله لهم؛ حيث رأوها وعاينوها خلافاً لنوقهم، خارجة عن نوق البشر، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً}.
قال ابن عباس والحسن وغيرهما: الموت الذريع، أي: السريع.
وقال بعضهم: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} للناس؛ فإن لم يؤمنوا بها عذبوا في الدنيا.
أو يقول: وما نزل بالآيات مقرونة بالسؤال سؤال التعنت فكذبوها - {إِلاَّ تَخْوِيفاً} للهلاك، على ما ذكرنا من الآيات التي سألوها. أو أن يكون قوله: {وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ}: على أثر السؤال بها ثم التكذيب لها، {إِلاَّ تَخْوِيفاً} لمن تأخر ممن سأل مثلها فكذب [بها]، أو كلام نحوه.
ويحتمل الآيات التي ذكر: كسوف الشمس والقمر وغيره، وما نرسل ذلك إلا تخويفاً للناس، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ}.
أي: وقد قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، الإحاطة بالشيء تكون بالوجوه الثلاثة:
أحدها: بالغلبة والقدرة والسلطان؛ كقوله:
{ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } [يونس: 22]، أي: أخذهم الهلاك والغلبة وقدر عليهم.
والثاني: الإحاطة: العلم به؛ كقوله:
{ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً } [النساء: 126]، أي: عالماً، وقوله: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ } [البقرة: 255]، أي: لا يعلمون.
والثالث: الإحاطة المعروفة بين الخلق، من إحاطة بعضهم بعضاً، فذلك لا يحتمل في الله سبحانه وتعالى - فهو على الوجهين الأولين: على إحاطة العلم بهم، أو القدرة عليهم والغلبة.
ثم قوله: {أَحَاطَ} [اختلف فيه]:
قال بعضهم: أحاط بأعمالهم [بما لهم]، وما عليهم، وبما لا يصلح لهم وما يصلح، وهو ما ذكرنا في قوله:
{ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [الإسراء: 55].
وقال بعضهم: إنهم كانوا يمكرون برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يريدون إطفاء نوره، ويمنعونه عن تبليغ الرسالة؛ كقوله:
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... } الآية [الأنفال: 30]؛ فيقول {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ}، أي: قد علم بمكرهم بك، على علم منه بمكرهم بك بعثك رسولاً إليهم، وكلفك على تبليغ الرسالة إليهم، لكنه وعد أن يعصمك منهم ويمنعك [عنهم]؛ حتى تبلغ الرسالة؛ بقوله: { وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } [المائدة: 67]، وقوله: { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً... } الآية [الجن: 27]. كان - عزّ وجلّ - يبعث الرسل ويكلّفهم تبليغ الرسالة إليهم على علم منه بما يكون من قومهم من المنع والمكر برسله، لكنه عصمهم، ومكن لهم؛ حتى بلغوا الرسالة إليهم؛ فعلى ذلك قوله: {إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ} بالعلم والقدوة والغلبة عليهم، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ - {وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّءْيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}:
قال عامة أهل التأويل: إن الرؤيا التي أراها إياه لم تكن رؤيا المنام؛ ولكن رؤية يقظة ورؤيا عين، معاينة بالتي تنام، لا بالذي لا ينام منه لأنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"تَنَامُ عَيْنَاي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي" ، فإنما أراه من الرؤيا بالعين التي كانت تنام لا رؤيا قلب وعلم.
قال سعيد بن المسيب: هي رؤيا منام: روي أن نبي الله صلى الله عليه وسلم رأى قوماً على منابر، فساءه ذلك، فذكر أنهم كانوا يعطون مالاً؛ فذلك فتنة لهم.
وقال بعضهم: إنه أري رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه يدخل المسجد الحرام آمناً، فأخبر بذلك أصحابه أنه رأى ذلك، فلما كان عام الحديبية، وصرف عن البيت ارتاب بعض الناس في رؤياه، فذلك فتنة للناس على ما أخبر، لكنّه لم يبيّن له متى يدخل فيه، وقد وعد أنه يدخل فيه آمناً، وهو ما قال:
{ لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءْيَا بِٱلْحَقِّ... } الآية [الفتح: 27].
وقوله - عزّ وجلّ -: {إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}، والفتنة: المحنة الشديدة، فإن كان ذلك في الرؤيا التي رآها في مسير بيت المقدس، وما أخبر من الآيات - لا يتوهم مثل ذلك بتعليم بشر ولا بسحر؛ فذلك الذي أخبرهم أنه رأى فتنة لهم ومحنة في التصديق والتكذيب في الخبر الذي أخبر [من الآيات، لا يتوهم، مثل ذلك بتعليم بشر]، فإن كان على رؤيا منام فهو فتنة لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ}.
أي: كانت الشجرة الملعونة التي ذكرت في القران - أيضاً - فتنة لهم؛ كقوله:
{ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ... } الآية [الصافات: 63-64].
ووجه فتنتها لهم: ما ذكر في القصّة: أنهم قالوا: إن محمّداً يقول: إنّ في النّار شجرة، والنار من طبعها أن تأكل الشجرة؛ فكيف يكون في النار الشجرة، وهي تأكلها؟ ولكن لم يعرفوا أن شجر النار يكون من النار، وشرابهم من النار، وكذلك طعامهم من النار؛ فإذا كان من النار لم تأكلها النار.
ومنهم من قال: الزقوم: هو الزبد والتمر؛ فكيف يكون فيها ذلك؟! فيدعون بذلك الكذب عليه فيما يخبرهم: إن في النار شجرة؛ فتلك الشجرة - أيضاً - كانت فتنة لهم ومحنة في تصديق رسول الله وتكذيبه.
وسماها {ٱلْمَلْعُونَةَ} قال بعضهم: إن العرب سمت كل ضارّ مؤذ ملعوناً؛ فلذلك سميت شجرة الزقوم ملعونة؛ إذ كانت ضارة لأهلها مؤذية.
قال الحسن: سميت: ملعونة؛ لما لعن أهلها بها؛ فسميت باسم أهلها، وهو ما سمي النهار مبصراً، والنهار لا يبصر؛ ولكن يبصر به؛ فسمي باسمه؛ فعلى ذلك هذا.
وأصل اللّعن: الطرد؛ فطرد منها كل خير ونفع؛ فهي ملعونة، وكقوله:
{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ } [إبراهيم: 36]: أضاف الإضلال إلى الأصنام [والأصنام]، لا صنع لها في ذلك؛ لكن كثيراً من الناس ضلّوا بها؛ فكأنها أضلتهم، وكقوله: { وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا } [الأنعام: 70]، أي: اغتروا بها.
وقوله - عز وجل -: {فِي ٱلقُرْآنِ}، أي: ذكرت في القرآن، وإلا: الشجرة لا تكون في القرآن، وهو ما ذكر من المصائب وغيرها، كقوله:
{ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ... } الآية [الحديد: 22]، والمصائب لا تكون في الكتاب؛ لكن ذكرت فيه ويخوفهم بما ذكرنا.
وقوله - عزّ وجلّ -: {فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً} [هو ما ذكرنا في قوله:
{ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } [فاطر: 42] وقوله: { وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } [التوبة: 125] فزادهم ما ذكر].
لأنهم نظروا إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء فزادهم ما ذكر، وأما أهل الإسلام فزاد لهم إيماناً وهدى؛ لأنهم نظروا إليه بعين التعظيم والتبجيل.